حفل تأبين الراحل رشيد جمالي 13 May 2017

دولة الرئيس الأستاذ نجيب ميقاتي

أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة والسعادة

أيها الحفل الكريم

نلتقي اليوم بكل حزن وإجلال، لتأبين المرحوم المهندس رشيد جمالي الذي فَقَدته مدينة طرابلس، بما فيها من مؤسسات رسمية وخاصة، ومجتمع مدني، عرفوا الفقيد الغالي بنشاطه، وحركته الإنمائية والثقافية، وبما تمتع به من خلفية وطنية مارسها بكل صدق وشفافية، فكان بذلك قريباً من الجميع، سياسيين ومسؤولين إداريين وإقتصاديين، مثقفين وفنانين ومبدعين. ذاع صيته على مدى الوطن، لم يهدأ ولم يستكين منذ ريعان شبابه حتى أيامه الأخيرة، قضى عمره في خدمة المدينة التي أحبها وعشقها.

نلتقي اليوم، بعد غيابه للحديث عنه كمهندس من جيل الأوائل في مدينة طرابلس، مارس العمل التجاري في مجال الكهرباء ووكالات أجهزة الطباعة والنسخ، ومن أوائل وكلاء أجهزة الكمبيوتر في طرابلس والشمال، فكان بذلك من رواد إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى المدينة والدعاة إلى الحداثة في إستعمال التقنيات المعاصرة.

بداية تألقه الوطني في العمل العام، كانت في فترة أحداث 1975 – 1990، من خلال نشاطه في التجمع الوطني للعمل الاجتماعي، حيث عمل، على خط تهدئة الأوضاع، وتأمين الخدمات الحياتية في فترة الأحداث الأليمة في المدينة، فكانت بصماته الإجتماعية والسياسية والمعيشية، واضحة المعالم تعبر عن شخصية صاحبها ومكنوناته الوطنية.

أما ثقافته العلمية والأدبية فقد تجلت من خلال ترؤسه الرابطة الثقافية على مدى عقدين من الزمن، حيث شهدت هذه المؤسسة، جمعاً من خريجي دار التربية والتعليم، ضم القضاة والمهندسين والأطباء والأساتذة والمحامين ورجال الأعمال، وكانت مركزاً يومياً للقاءاتهم يجمعهم تحت مظلة أفكاره ومشاريعه ونشاطاته، والعلاقات الثقافية التي نسجها مع مؤسسات مشابهة، في مختلف أرجاء لبنان وخارجه، فأصبحت الرابطة مسرحاً فنياً لبنانياً رائداً، وملتقىً أدبياً وشعرياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً في قاعاتها المتعددة، تصدح بنشاطاتها مدينة العلم والعلماء، وتتحدث عنها ألسنة أهل المدينة بكل مديح وإعجاب. وقد كرس أثناء ولايته الرابطة، تكراراً المعرض السنوي للكتاب، داخل أروقة الرابطة، قبل أن ينتقل به إلى معرض رشيد كرامي الدولي لمنافسة معرض الكتاب السنوي في بيروت وانطلياس وغيرهما.

وحين طُرح إسمه، ليكون مرشحاً لرئاسة بلدية طرابلس، نال إجماعاً من فعالياتها لتشجيعه على هذه المهمة في قيادة السلطة المحلية فكان مميزاً من خلال الإنفتاح نحو المنظّمات الدولية والعربية والبلدية، ونحو الجهات المانحة فجمع الثقافة وإرثها، وكانت له يد بيضاء في تعديل مفهوم وتنفيذ مشروع الإرث الثقافي، رغم العقبات العديدة التي واجهها هذا المشروع.

وكان من خلال موقعه البلدي الأكثر تعمقاً وانتباهاً وتنبيهاً لنشر إحصاءات الأمم المتحدة، حول الواقع المعيشي وأوضاع البطالة والفقر والتسرب المدرسي، في مدينة طرابلس، لا سيما في أحياء التبانة والجبل والقبة وكأنه بذلك يقرع ناقوس الخطر، قبل بدء الجولات الأمنية التي عصفت بالمدينة في حينها. ورغم كل ذلك، فإن تخوفه هذا لم يمنعه من الإهتمام بمشاريع الضم والفرز والتخطيط للمدينة، ومن إحتضان فرق فنية في ردهات البلدية ساعدت في النمو المحلي والوصول بكورال الفيحاء ليحتل المركز الأول بين فرق الكورال العالمية. هذا الكورال الموجود معنا اليوم وفاء للفقيد الراحل الذي كان يكن له كل محبة ودعم، وأفسح له المجال معنوياً ومادياً ليحظى بفرصة الإنطلاق نحو العالمية، وكأنه يعبر بذلك عن حلم يود تحقيقه، وأحاسيس داخلية مكنونة، يود إطلاقها من شباب وشابات المدينة، وليبرهن أن حواجز المصاعب تنهار أمام الإرادة الصلبة والعزيمة الخلاقة.

أيها السيدات والسادة،

لم يكن رشيد جمالي، رحمه الله، إنساناً عادياً في منهجه وتفكيره وعلاقاته مع أقرانه، ومع الطبقة السياسية والإدارية، فالكل يحترم رأيه ويتمنى التعاون معه للإستفادة من رأيه وخبرته. ونحن في مجموعة العزم وبتوجيه من دولة الرئيس نجيب ميقاتي تلاقينا مع الفقيد الرشيد في محطات عديدة، واعتمدنا وإياه الخطاب الوطني الجامع لصمود الدولة ومؤسساتها، بكل مفاهيمها البعيدة عن التنازع الطائفي.

لقد آمنا في مجموعة العزم برشيد جمالي وقيمه وعمله، فكان التعاون بيننا في مراحل مختلفة منتجاً ومثمراً على المستويين الوطني والطرابلسي، وذلك بدءاً من دوره في الرابطة الثقافية ثم في المجلس البلدي وقد تابعنا معه مشاريع متعددة في المدينة وقد أطلقنا معاً مفهوم إعادة الحياة إلى وسط وأحياء المدينة. وأدركنا معاً أن طرابلس تحتاج إلى تعاوننا، فحولنا الآمال إلى عمل، ونفذنا، ولا نزال، أعمالاً تنموية، ومشاريع متوازية على المستويات كافة، وتطلعنا إلى الخروج من الأزمات الإقتصادية وتفعيل المؤسسات العامة والخاصة  ولا سيما في البلدية.

وبعد التجربة البلدية الناجحة بقي تواصلنا قويا، وقد رشحنا فقيدنا لكثير من المهمات، وقد قيض لنا ومن خلال عضوية  شباب العزم في الإتحاد العربي للتطوع، أن نكون معه في مملكة البحرين، حيث جرى تكريم فقيدنا عربياً عبر جائزة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وتقليده درع الإتحاد العربي للتطوع، حيث مثل لبنان بالشخصية الأبرز للعمل التطوعي العربي والمجتمع المدني. وشارك الإتحاد بنعيه على صفحته الرسمية.

كما كان لرؤيته العلمية والأكاديمية ورأيه الرشيد فرصة للإستفادة من خبرته فكان معنا عضواً في مجلس أمناء جامعة العزم حيث كان أميناً مميزاً، وصاحب رأي رشيد، وناصحاً أميناً، ومشاركاً فاعلاً، أغنت مشاركاته إنطلاقة الجامعة ومسيرتها.

إسمحوا لي في الختام أن أتوجه إلى أسرة الفقيد بالقول أن مواكبة ودعم رفيقة عُمرِ الرشيد الدكتورة سنا فتال لفقيدنا الغالي كان له أثره الواضح في تحديد مسيرة الراحل. كما كان لها دورها في تربية وتنشئة عائلة مميزة في مجالات إختصاصها وأعني بهم د. فائق ود. إبراهيم والسيدتين ديما ورندا، حيث تشهد لهم أسماؤهم ووجودهم في أهم مستشفيات لبنان وجامعاته ومحافله، بأهمية وجودهم ودورهم. لقد حملوا رسالة طرابلس إلى العاصمة بيروت ومؤسساتها، وكأنهم بذلك يبلغون الآخرين من مناطق لبنان أنهم نموذجاً للعائلة الطرابلسية المثقفة المزودة بسلاح العلم والأخلاق والمعرفة. كما أتوجه إلى العائلة الكريمة وعلى رأسهم د. أمين جمالي وإلى أولاده بالقول أننا وإذ نفتخر بفقيدكم وفقيدنا الرشيد، نفتخر بكم أيضاً بما تحملون من علم وقيم وما تقومون به، كل في مجاله، لتكونوا بالفعل خير خلف لخير سلف في حبه للمدينة وعطاءاته لها.

أحبتنا الأكارم، في الختام نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وواسع رضوانه، وأن يلهم أهل الفقيد وأهل المدينة الصبر والسلوان، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.