مؤتمر عمان 11 April 2017

حضرة رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر ،

الأخوة الأفاضل أصحاب السعادة و الفضيلة ، أيها الحضور الكريم !

أتوجه بجزيل الشكر لكم على دعوتكم الكريمة لي لحضور هذا المؤتمر الهام و الذي ينطلق باحداثياته من رسالة عمان كوثيقة جامعة للأمة الإسلامية و موجهة لها و التي لا تزال رغم مرور الزمن تشكل وثيقة إجماع تاريخي ديني وسياسي و حضاري من أمة الإسلام في أيامنا هذه ، رسالة تعمل على تعزيز لصورة الإسلام الحنيف !

أذهب مباشرة الى صلب موضوع المؤتمر الذي نحن بصدد مناقشة  اوراقه و محاوره لأقول ، أنه في نظري أن التجديد يشكل وصلاً وانقطاعًا عن الموروث الفكري والكلامي والفقهي وغيرها       الكثير من المواضيع المطروحة . وأنا أقول وصلاً وانقطاعاً  لأنني أميل إلى عدم الانقطاع عن التراكم التراثي ، و في الوقت نفسه لا أرى قدسية له. فهو في النهاية عمل بشري بحت . فالتجديد هو عملية متكاملة بين الأصول والمستجدات في المناهج والمصطلحات والمقاربات في العلوم الدينية واللغوية والإنسانية والاجتماعية ، وبالتالي فالتجديد عملية تطوير دينامية وحيوية للهويات الثقافية الإسلامية.

إنّ فكر التجديد يكتسب داخل أية ثقافة أهمية كبرى ، إذ  يعبر عن مدى حيويتها و يكشف عن أسئلتها المركزية التي تطرحها على ذاتها قصد المراجعة والاستشراف ، ناهيك عن العودة النقدية على ذلك التجديد إن كان بالرصد أو بالتفسير أو بالتقييم . ويتيح كل ذلك تلمس الجهد الثقافي والكشف عن علله وإنجازاته وطرح البديل لما بدا منه عائقاً.  كما إنّ غياب التجديد داخل  أي ثقافة ، ما  هو إلا دليل على أزمة و انسداد أفق ينذر بضرورة استنباط الحلول الملائمة.

و لما كان الدين  الإسلامي من أهم مكونات الثقافة الإسلامية و مراجعها ، و كان التجديد في المجال الديني ضرورة  ماحة من جهة أخرى ، فإن عملية التجديد للمفاهيم الدينية تكشف عن  مدى و عمق حيوية تلك الثقافة الإسلامية .

لكن  السوآل الذي يطرح نفسه ، ما هو التجديد الذي نحن بصدد  طرحه و بحثه ؟

إننا بحاجة لتجديد "الفكر الديني".

المطلوب منا جميعاً العمل على  تجديد " الفكر الديني الإسلامي " و ليس تجديد الإسلام كدين سماوي ، هو تجديد يتوجه ابتداءً إلى بنية العقل الإسلامي ، ويأمل في إحداث تحولات في نظم التفكير و المقاربات المنهجية وآليات التفكير والبحث والمقارنة، و يستهدف إعادة النظر في بنية الموروثات الفقهية والفكرية، و ذلك بهدف تطوير وتجديد العلوم الإسلامية النقلية والعقلية ، و إعادة النظر في دراسة العلوم الدينية من زوايا متعددة، والسعي إلى مقاربات تاريخية و ثقافية و اجتماعية و فلسفية و سياسية ن ما يعيد مجدداً طرح اشكالية  حول صلاحية  الفكر الإسلامي  كنموذج حضاري قادر على التفاعل مع العصر، مما يتطلب منا جميعاً أن تتم  مناقشة هذا الموضوع  في سياق أشمل يتطلب رسم خريطة معرفية للمجتمع العالمي لإبراز التحولات الكبرى التي لحقت بالعالم ومن أبرزها انتقال الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة ، والانتقال من الحداثة إلى العولمة التي من أهم تجلياتها الديموقراطية و التعددية و حقوق الإنسان..

هذا الأمر المستجد يتطلب منا الركون  أولاً ، إلى أن  العمل على صوغ منظومة قيمية تستهدف السياسة الدينية الجديدة لا يعني انفصالها القطعي عن مجمل الموروث التاريخي و إنما البناء على الأعصاب الحيوية لهذا الموروث التاريخي ،.الذي في أطر تجديده  و حداثته  يتطلب تحديداً جديداً لنظام القيم الدينية التجديدية .

أهم القيم الدينية التجديدية خمس عشرة قيمة تبدأ من : دعم الحقوق و الحريات العامة و الشخصية و حقوق الإنسان وعلى رأسها حقوق المواطنة ، إلى التركيز على قيم التسامح ، والإخاء والحرية والإرادة الحرة ، و المسؤولية الفردية و الجماعية و تأثيم ازدراء الأديان و التأكيد على حرية  البحث العلمي و حرية الفكر في دراسات التاريخ الديني والمذهبي ، وعلى قيم التسامح الديني والفكري و رفض العنف المادي واللفظي ، ثم التركيز على وحدة الإسلام العقدي والقيمي و تعدده المذهبي كجزء من حيويته واستمراريته .

و بهذا  العمل نحن نضمن وجود حلول إسلامية متوازنة للقضايا العصر الرئيسية مثل حقوق الإنسان ، وحقوق المرأة ، و حرية الأديان ، والجهاد المقبول شرعاً ، و المواطنة الصالحة للمسلمين في البلدان غير الإسلامية ، والحكومة العادلة الديمقراطية .

 القيام بهذا العمل المضني و الهام ، في هذا التوقيت بالذات ،  إنما  يعرّي آراء  و طروحات المتطرفين والجاهلين المحورين بأمور الدين ، غير المقبولة شرعاً من وجهة نظر الإسلام الحقيقي .

مرة أخرى أجدد لكم شكري و امتناني على دعوتكم الكريمة  للحضور و المشاركة في هذا المؤتمر الهام و الذي يطرح قضايا خلافية توازن ما بين كتاب القرآن و كتاب الزمان و هما الكتابان الذي من استطاع الامساك بهما و العمل بهديهما فقد  فاز و أفلح !

دعائي لكم جميعاً و لمؤتمرنا بدوام النجاح و التوفيق و لأمتنا دوام العزة والخير و التقدم و الازدهار

                                                                           و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته