Levant institute for strategic affaires 24 October 2016

أيها الإخوة الأكارم

          أود أن أتوقف معكم حول دور القطاع الخاص في تنمية المجتمع. فبالإضافة إلى دور الدولة في تنفيذ المشاريع التنموية التي تمثل البُنى التحتية التي لها دورها المهم في الإنماء عموماً، والتي تكلم عنها المهندس فواز بارودي، ووضع التشريعات الملائمة، يهمني في هذه المداخلة السريعة، التوقف بداية عند دور القطاع الخاص في الماضي، ثم كيفية تفعيله في الحاضر.

          في الماضي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أي منذ أكثر من 50 عاماً، كان القطاع الخاص في طرابلس يملك ويدير مؤسسات خاصة كثيرة، منها ما له صفة المنفعة العامة. أذكر منها على سبيل المثال مؤسستي قاديشا ومياه طرابلس، وسكة الحديد، والمستشفى الإسلامي، ومصفاة طرابلس التي كانت تعمل بفعالية، بالإضافة إلى شركات خاصة أذكر منها مصانع الصابون (التي كان يزيد عددها عن 15 مصنعاً)، ومعامل الغندور في البحصاص التي تضم ما يزيد على 7000 عامل، وتعمل في مجالات الخشب والحديد والسكر والزيوت، كما كان تصدير الحمضيات من مرفأ طرابلس يجري على قدم وساق، حيث كان هذا المرفأ يلعب دور التجارة المثلثة (الترانزيت) مع عدة دول عربية وأهمها العراق، وغيرها، من مؤسسات تصنيع الثياب والمفروشات والحلويات. كل ذلك كان يؤمن ما يزيد عن 20 ألف فرصة عمل متواصلة في طرابلس، ناهيك عن المؤسسات الأخرى، الكبيرة والصغيرة، والحرفية منها واليدوية وغيرها.

       

  أما الحاضر، ومع زيادة عدد السكان، الذي يفترض معه زيادة فرص العمل، فقد تراجعت هذه المؤسسات التي ذكرناها تراجعاً ملحوظاً. وإنضم قسم منها إلى مؤسسات الدولة، التي يحظّر فيها التوظيف منذ فترة طويلة، ومنها من توقف عن العمل كلياً، وصرف عماله. فقد باتت فرص العمل في تراجع متواصل  وكبير ومستمر، بدل الزيادة المطلوبة، مما تسبب في زيادة العاطلين عن العمل من الأكاديميين وغير الأكاديميين وبشكل مأساوي. إن منطقتنا الشمالية تخرج أكثر من 8000 طالباً من الجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية في العام. 60% منهم يلتحقون في أعمال بالخارج لا سيما في دول الخليج، والباقي يعمل قسم منها بأجور زهيدة في لبنان، أو يعملون في مجالات أخرى غير إختصاصاتهم، أو يهاجرون بإتجاه أوروبا وأميركا وأوستراليا، وقسم منهم يبقى بدون عمل وهو أمر ظاهر في إزدياد نسبة البطالة، وهذه الفئة باتت موضع منافسة من غير اللبنانيين.

          أمام هذا الواقع، ومع شبه الشلل في الأداء الحكومي عموماً، قامت مجموعة العزم وبمبادرة من دولة الرئيس نجيب ميقاتي بالتعاون مع الجامعة اللبنانية وقدمت الدعم اللازم لإنشاء مركز العزم لأبحاث البيوتكنولوجيا في طرابلس تحديداً، فكان أول مركز بحثي من نوعه في الشمال، وإستقطب هذا المركز عدداً من الباحثين في هذا المجال وعدداً من الطلاب المهتمين بفضل تنوع إختصاصاته. وتلا ذلك إنشاء مجمع العزم التربوي الذي يضم مدرسة ومعهداً فنياً وجامعة. فالمدرسة قامت بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت بهدف نشر الحداثة في التعليم، ومعهد العزم الفني، قام بالإتفاق مع مؤسسة بريطانية عالمية الإنتشار Edexcel

والجامعة ستنطلق في العام القادم، وهي تهدف إلى التعاون الوثيق مع أرقى الجامعات الأوروبية والأميركية وتهدف إلى التعاون والتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني، بهدف معالجة الوضع الراهن من خلال دراسات علمية وبحثية، يتعاون فيها أهل الإختصاصات المختلفة فيما بينهم، من أجل رفع المستوى المعيشي في المدينة وإيجاد فرص العمل اللازمة لها.

          وبناء عليه، أنشأنا في العام الماضي واحة العلوم والتكنولوجيا لتكون الموجه والداعم للأبحاث العلمية، القابلة للتطبيق، وإنشاء المؤسسات Start up companies، أيضاً لتأمين فرص العمل.

 كما تم مؤخراً إنشاء، صندوق تمويلي إنمائي هو ثمار طرابلس وهو شركة مساهمة برأسمال قدره 25 مليون دولار، تهدف إلى دعم الشركات القائمة القابلة للتوسع، وفتح الأسواق العالمية أمامها، وكذلك إنشاء الشركات الجديدة. وأيضاً  كل ذلك يهدف إلى تأمين فرص العمل.

 

أيها الإخوة

          ختاماً، أود أن أؤكد بأن الإنماء الإقتصادي المتوازن ليس شعاراً نرفعه في المناسبات، بل هو عمل دؤوب، نقوم به بشكل مستمر. ولكن القطاع الخاص لا يستطيع بمفرده، وبدون القطاع العام، النهوض بالإنماء في البلد. إن واجب الدولة أن تؤمن لذلك:

1.    أولاً. البيئة اللازمة والحاضنة من حيث الأمن والإستقرار السياسي والإقتصادي والمالي.

2.    ثانياً. البُنى التحتية الضرورية من طرقات وكهرباء وصرف صحي وإتصالات سريعة وغيرها، بما فيها التحديث الدائم لشبكات الإتصالات والإنترنت، وتشجيع أبحاث المعلوماتية.

3.    ثالثاً. تحديد أكثر من منطقة صناعية لمدينة طرابلس عند أطراف المدينة، وتأمين كامل خدماتها.

4.    رابعاً. أن تشجع الدولة القطاع الخاص للقيام بمبادراته المتنوعة من خلال التسهيلات اللازمة والإعفاءات الضريبية المباشرة وغيرها.

5.    خامساً. أن تضع الدولة الخطة التنموية الإقتصادية الشاملة لجميع المناطق، مع تخصصات معينة في كل منطقة من هذه المناطق تسهيلاً للتشابك مع القطاع الخاص.

6.    سادساً. الإنتقال بالتعليم في المدارس والجامعات من التعليم التلقيني الذي يساهم بتخريج موظفين، إلى التعليم التفاعلي الذي يساهم بتخريج رواد الأعمال والتركيز على تنمية الـEntrepreneurship skill عند التلاميذ في المدارس والجامعات.

7.    سابعاً. التركيز على التوسع في التعليم المهني وتخريج أيدي عاملة ماهرة في إختصاصاتها خصوصاً وأن هذه الإختصاصات الحديثة في توسع وإزدياد مستمرين.

كما أنه من المناسب إقتراح مدينة طرابلس، وهي الأنسب في لبنان، لإقامة مدينة للإعلام فيها (Media city) ومدينة المعلوماتية والبرمجة الإلكترونية (Internet Valley)

إنني على يقين بأن التعاون الوثيق والتكامل السليم، بين القطاع العام والقطاع الخاص، هما القادران على تخطي التراجع الإقتصادي الذي يعاني منه بلدنا وشمالنا، بل والوطن بأسره، في ظل هذه الظروف الإقليمية الصعبة.

 

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.