في مؤتمر المرصد الثقافي والسياسات المتاحف 11 January 2012

معالي رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين

السادة العمداء المحترمين

أيها الحضور الأكارم من أساتذة زملاء وطلاب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

يسرني أن اتحدث اليكم في هذه الصبيحة الثقافية المميزة باسم جمعية العزم والسعادة الاجتماعية، وان انقل اليكم تحيات دولة الرئيس نجيب ميقاتي الذي يتمنّى لهذا المؤتمر كل النجاح والتوفيق وتحقيق الغاية التي عقد من اجلها.

لقد دأبنا في جمعية العزم والسعادة الاجتماعية مع عدد من المؤسسات الزميلة في مدينة طرابلس على التعاون ودعم المؤتمرات والندوات الثقافية والعلمية، كالتي ينظمها زملاؤنا في معهد العلوم الاجتماعية – الفرع الثالث – في الجامعة اللبنانية، بغاية تعميم الابحاث وافادة المجتمع من كل الانتاج الفكري والثقافي والعلمي. ويأتي مؤتمرنا هذا العام ليحمل عنواناً تحديثياً مهماً حول المرصد الثقافي، وسياسة المتاحف.

إن النقاش الثقافي لا يمكن ان يعطي نتائجه المثمرة الاّ من خلال مجتمع وجيل مثقف، ليتم رصد المواقف الثقافية الجريئة ومواجهة ما تتعرض له الثقافة من التهميش، كما ان المرصد الثقافي يتناول الحديث عن كل ما يتعلق بالمجال الثقافي من: كتب، ومقالات، ومنشورات، وقصائد وإشعار ونصوص ادبية وعلمية، والموسيقى، والفن، وحقوق الانسان، والتشريع والقانون وخلافه.

لا شك ان الاهمية الثقافية لاي مرصد ثقافي تعتمد على اقامة مساحة ثقافية معرفية بعيدة كل البعد عن التعصب والحزبية والفئوية. ولقد شهدت منطقتنا العربية حركة ناشطة للفكر العلمي والثقافي، وذلك في عصر الحضارة الإسلامية. وكانت هذه الحركة سبباً ومنطلقاً للحضارة الغربية في مجالات علمية وثقافية متعددة. فقد تُرجمت المنجزات العلمية في مجالات الطب والصيدلة والفلك والرياضيات وغيرها إلى لغات عديدة.

وفي هذا المجال تتجلى عبارة الرصد الثقافي من خلال المعرفة، وليس فقط من خلال نشر الإنتاج وتوزيع الجوائز. بل كل ذلك يشكل خطوات متكاملة لا غنى عنها تشخيصاً ودعماً وتخليداً لأي أعمال انتاجية وثقافية هامة ومؤثرة في حياة المجتمع والشعوب.

إن الشراكة الثقافية مع المؤسسات هي دليل تعاون لرصد الحركة الثقافية في لبنان والعالمين العربي والاسلامي، وذلك من خلال شد أواصر التعاون بين الادارات الرسمية ممثلة بوزارة الثقافة، ومنظمات دولية مثل اليونيسكو واخرى عربية معروفة. ونحن في مدينة طرابلس ومنذ سنوات عديدة نتعاون في جمعية العزم والسعادة الاجتماعية مع الجامعة اللبنانية، الجامعة الأم، مركزياً واقليمياً، ولعل انشاء "مركز العزم لابحاث البيوتكنولوجيا" هو خير شاهد على مثل هذا التعاون، كما أن انشاء مركز العزم الثقافي – بيت الفن، يشكل شاهداً آخر على اهتمام اهل العزم بالأمور الثقافية. كما اننا نتشارك في دعم مؤتمرات الجامعة اللبنانية بالتعاون مع مؤسسات ثقافية زميلة، حيث يصادف هذا المؤتمر ان تكون المشاركة مع جامعة البلمند، التي هي قيمة حضارية علمية وثقافية على مستوى الشمال ولبنان، ومع مؤسسة الصفدي وبلدية طرابلس المؤسستين اللتين اعتدنا على مشاركتهما والتعاون معها دعماً لامور الثقافة في مدينة العلم والعلماء.

اما بالنسبة لسياسة المتاحف في بلادنا فلا بد من القول ان الخطوة الاولى تبدأ من رصد وتجميع الانتاج الفكري والعلمي من خلال المكتبات القائمة في المدارس المملوكية والمكتبات التراثية في بلدية طرابلس – قصر نوفل – رغم التعدي الغير حضاري الذي تعرضت له كتبها في احداث 75 – 90 ، كما من خلال مكتبة الرابطة الثقافية، ومكتبة المنى في مؤسسة الصفدي ومجمع العزم التربوي.

واذا كانت المتاحف هي الرصد الفعلي لنماذج حضارية وتراثية قديمة وحديثة، ثقافياً وادبيا وعلمياً، فإننا في لبنان لا زلنا نحتاج الى الكثير لتطوير هذه السياسة، سواء من خلال وزارتي الثقافة والسياحة أومن خلال الانتاج التراثي والحرفي المحلي، وبلدنا غني جداً في هذا المجال، حفاظاً على تراثنا العريق وتخليداً له مدى الاجيال.

ولا بد من القول ان المتاحف في انواعها ليست عبارة عن احجار واسماك وديناصورات وعظام قديمة تم اكتشافها من باطن الارض، بل باتت تعبر عن فكر وفلسفة اجتماعية تتجلى باقامة متاحف الازياء التراثية، والاسلحة القديمة، والكتب والمخطوطات على انواعها، والرسوم واللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية ومتاحف الشخصيات لمشاهير العالم في مجالات السياسة والاقتصاد والفن والجمال، بالاضافة الى الشخصيات الروحية، وقدامى الحكام والملوك والأمراء، حيث باتت هذه المتاحف تشكل ركيزة ثقافية وحضارية تميز كل بلد عن الاخر بما شهده من احداث على مرور الزمن، كما باتت المتاحف وسيلة للتواصل بين الحضارات والمجتمعات على مدى الأجيال.

اختم بالقول ان المرصد الثقافي المتعدد الوجوه، وسياسات المتاحف هما تعبير حضاري راقٍ، يجب ان يتلازم مع مفهوم التحديث في مجالي الاتصالات والانترنت والتكنولوجيا الحديثة، ومن اهمية الانتقال من الجيل الورقي الى الجيل الالكتروني مواكبة لتطورات العصر، بدءاً من الربع الأخير للقرن العشرين ومبتكرات القرن الواحد وعشرين السريعة والمتلاحقة.

وفقنا الله واياكم لكل خير وشكراً لحسن استماعكم، كما اشكر كل من ساهم وعمل على اقامة هذا المؤتمر، ويدنا في العزم ممدودة اليكم لمزيد من الانتاج الفكري والثقافي والحضاري، عسى أن يشكل هذا المؤتمر وماسينتج عنه من توصياتٍ، لبنة أساسية في تقدم لبنان، وشماله بالتحديد، نحو إقامة مرصد ثقافي، ومتحف يليق بعراقة أهله وسعيهم الدؤوب من أجل تنمية ثقافية مستدامة.

 

 

والسلام عليم ورحمة الله وبركاته.