في حفل تكريم حفظة القرآن الكريم في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية في طرابلس 15 August 2012

معالي الأستاذ عمر مسقاوي، رئيس جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية

صاحب السماحة الشيخ الدكتور مالك الشعار، مفتي طرابلس والشمال

الإخوة أعضاء مجلس إدارة جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية في طرابلس

أيها الحفظة المكرمين

أيها الإخوة والأخوات

نلتقي اليوم في مثل هذا الوقت من كل عام، في هذا الشهر الفضيل، الذي فضّله الله تعالى على باقي شهور السنة، لأنه شهر القرآن الكريم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسترجع فيه كل ما نزل من القرآن، مع رسول السماء جبريل عليه السلام. وفيه ليلة مباركة جعلها الله تعالى خيراً من ألف شهر، هي ليلة القدر، لأنها ليلة نزول القرآن الكريم، حيث يقول تعالى

 "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر"

ويسعدني بداية أن أنقل إليكم تحيات دولة الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان يحرص هو وشقيقه الأستاذ طه على حضور مثل هذا اللقاء لما فيه من خير عميم وبركة كثيرة، ولكن سفره وإنشغالاته المتواصلة، حالت دون ذلك، فكلفني بنقل تحياته وأطيب تمنياته لكم جميعاً، وخصوصاً إلى الحفظة الكرام، مقرونة بالتمنيات بالتوفيق والخير والسعادة واليمن والبركة.

نلتقي اليوم لنكرّم ثلّة ممن أنعم الله عليهم بحفظ القرآن الكريم كاملاً أو بعض أجزائه. وإذا كان العقل يعجز عن الإحاطة بنعمة القرآن الكريم، فحريّ باللسان والقلم أن يعجزا عن ذلك أيضاً. "فإذا كان في تلاوة كل حرف منه حسنة والحسنة بعشر أمثالها، فإن في كلّ أمر يتعلق بالقرآن بركة ونعمة، فليلة نزوله خير من ألف شهر، وفي طريقة نزوله تثبيت لفؤاد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتثبيت للمؤمنين من بعده، ودعوة قويّة لغير المؤمنين للدخول في الإسلام. وفي إعجازه اللغويّ بلاغة لا يرقى إليها بشر، وحلاوة يتعلق بها قلب كلّ بشر. وفي إعجازه العلمي حجّة داحضة إلى يوم القيامة، وفي إعجازه التشريعيّ وفي أحكامه خير البشريّة جمعاء، وفي قصصه وأمثاله دروس وعبر لأولي الألباب، وفي حفظه من ربّ العالمين تذكرة وطمأنينة، وفي حفظه في صدور المؤمنين شرف ورفعة، وفي تعليمه خيريّة مطلقة، وفي تطبيق أحكامه دخول إلى الجنّة، وفي التخلق بأخلاقه أسوة حسنة...

كيف لا، وهو كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام، على قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الرشاد.

كيف لا، وهو المعجزة الخالدة بعد إنقضاء الرسل إلى يوم الدين، ولذلك فهو لا يَخلَقُ على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

كيف لا، وقد تعهّد الخالق بحفظه في صدور خلقه، يتوارثونه حافظاً عن حافظ، بلا تحريف أو تغيير، أو زيادة أو نقصان".

أيها الإخوة الأكارم

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما، لن تضلّوا من بعدي أبداً: "كتاب الله وسنتي". ومن يتأمل حاضر العالم اليوم وحضارته، يدرك سريعاً، كم هي بعيدة كل البعد عن أسس الحضارة الإسلامية، التي شعّ نورها، وعمّ خيرها العالم كله، بفضل القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه السلام. ورغم أنّ الحضارة الإسلامية إنطلقت من واقع بداوة ظاهرة، وفقر مدقع، وجاهلية مستشرية، إلا أنها وبفضل الإسلام وتعاليمه حققت إنجازات عالمية ضخمة جداً، وبسرعة قياسية أدهشت ولا تزال تدهش كل الباحثين والمحللين حتى يومنا هذا.

فحضارة اليوم حضارة مادية بحتة هدفها المنفعة الذاتية وما فيها من حروب وتخاصم، وتدافع وتزاحم، أما الحضارة الإسلامية فكان هدفها نشر الدعوة الإسلامية "وأسلم تسلم" ونشر ما في الإسلام من فضائل ومكارم، وحب للخير، وطلب للعلم وتعميم ذلك على شعوب العالم كله. يقول تعالى عن رسوله المصطفى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

وحضارة اليوم هي حضارة القوة وما يتبعها من إعتداء وتجاوز وإغتصاب حقوق الشعوب المستضعفة. أما الحضارة الإسلامية، فكانت حضارة الحق والعدالة  والتعاون والدعوة إلى السلام ورحم الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له".

وحضارة اليوم هي حضارة العنصرية الذميمة والعصبية البغيضة، والقومية السلبية وقولهم "شعب الله المختار" و"العرق الفلاني"، وما تسميتهم لحضارة اليوم بالحضارة الغربية إلا دليل ذاتي على هذه العنصرية والفئوية. أما حضارة المسلمين، فكانت رابطتها ونسبتها إلى الدين الإسلامي دين الله تعالى الخاتم. فجمعت العرب والعجم، وكان لكلٍ مساهمته في هذه الحضارة وفقاً للقاعدة الربانية "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" و"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

وحضارة اليوم هي حضارة تشجيع الأهواء والنزوات، وإشباع الشهوات والرغبات، والنزول عند ميول النفس وإرضائها. أما حضارة المسلمين، فكانت كبح جماح الشهوات الخارجة عن أوامر الله تعالى وهدي القرآن الكريم، حتى تستقيم أمور الدنيا لأن النفس أمارة بالسوء، إلا من رحم ربي.

وحضارة اليوم، هي حضارة هدفها الدنيا فقط، وما يصيب الناس في هذه الدنيا فقط. أما حضارة الدين الإسلامي، فقد تميزت عن سائر الحضارات السابقة بأن جمعت بين خيري الدنيا والآخرة، في إطار نموذجي لا مثيل له، وفي توافق وتناسق بديعين، فلا يفوّت على الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يفوّت عليه آخرته لينال دنياه، فهما ليسا نقيضين ولا بديلين في التصور الإسلامي، كما يقول سيد قطب رحمه الله.

فالدين ليس بديلاً عن الدنيا، بل هو الطريق إلى الدنيا والآخرة، في آنٍ واحد، ولا تكتمل سعادة المرء، إذا كانت سعادة الآخرة بديلاً عن سعادة الدنيا، كما أن سعادة الإنسان في الدنيا لا تكتمل إذا إنغمس في ملذاتها وطمع في مالها وجاهها، ونسي الآخرة ونعيمها. لأن الإنسان مكوّن من روح وعقل وجسد. ونعيم الآخرة غذاء الروح، والعلم غذاء العقل، والرزق والرخاء غذاء الجسد، ولا بدّ لهذه العناصر الثلاثة أن تتكامل فيما بينها حتى تتحقق للإنسان السعادة الحقيقية، ويبني بذلك الحضارة العالمية الصحيحة، وعند ذلك تتحقق عمارة الأرض كما أمر الله تعالى.

أيها الإخوة الأكارم

كل الشكر والتقدير للأخوة المكارميين الذي نظموا هذه المباراة ويتابعون مسيرة حفظ القرآن الكريم في هذه المدينة، فلعلّ الله تعالى يحفظ لنا أمن هذا البلد وأهله من مكر الماكرين، وعبث العابثين، ببركة القرآن الكريم، ودعاء الحفظة الميامين "اللهم إجعل هذا بلداً آمناً وإرزق أهله من الثمرات" اللهم آمين.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.