في إحتفال تخريج حفظة القرآن الكريم 26 September 2013

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين

أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نلتقي اليوم كما في كل عام لنحتفل سوية بتخريج كوكبة كريمة من حفظة القرآن الكريم. ويسعدني أن أنقل تحيات دولة الرئيس الأستاذ نجيب ميقاتي إليكم جميعاً، وتمنياته للحفظة الكرام بالتوفيق والسداد في حياتهم الدنيا كما في الآخرة. إن الله قريب سميع مجيب الدعاء.

ما تقوم به جمعية العزم والسعادة الاجتماعية بتوجيهات مباشرة من المؤسسين الشقيقين الأستاذ طه والرئيس نجيب ميقاتي من تكريم للحفظة المتفوقين ليس إلا خدمة في سبيل التشجيع على حفظ القرآن الكريم وتدبر معانيه والتخلق بأخلاقه، كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة لما فيها من حكمة بالغة وبلاغة مميزة، تهدي الناس جميعاً هي والقرآن الكريم إلى التي هي أقوم، ولما فيه مصلحة البشرية جمعاء.

نلتقي اليوم بعد تأجيل قسري طارئ لهذا الإحتفال كان سببه الإنفجارين الآثمين اللذين أصابا طرابلس وأهلها في الصميم، وسقط بنتيجتهما عشرات الشهداء الأبرياء ومئات الجرحى الذين تعافى قسم منهم ولا يزال قسم آخر منهم يعاني من مصابه أشد المعاناة. فقد كانت جريمةً بشعةً لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان، حيث وضعت السيارتان عند المسجدين السلام والتقوى، وزمن خروج المصلين من هذين المسجدين المكتظين بالمصلين يوم الجمعة. وقد أدانت جميع فئات المجتمع اللبناني هذه الجريمة الآثمة لما فيها من قهرٍ وإرهاب وجرم ووحشية. وإستنكرها العالم أجمع. فما ذنب أولئك المصلين الأبرياء الذين جاءوا إلى المسجد ليعبدوا ربهم، فأقبلوا عليه بقلبٍ سليم، وإيمانٍ صادق ونيّةٍ طيبة ليجدوا بإنتظارهم هذه الجريمة البشعة!!

ولكن الإدانة والإستنكار وحدهما لا يكفيان، المطلوب العمل بجد ونشاط وحزم وقوة للكشف على الفاعلين وإنزال أشد العقوبات بهم ليكونوا عبرة لمن يعتبر. وليس لنا إلا أن ندعو الله تعالى أن يرحم شهداءنا ويشفِ جرحانا، وأن يجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وأن يرزقنا جميعاً الأمن والأمان، والإستقرار والإطمئنان.

 

أيها الإخوة الأكارم

في خضم هذه الأحاث الجسام التي يمر بها لبنان والمنطقة بأسرها ما أحوجنا اليوم إلى المزيد من التمسك بالقرآن الكريم، كتاب الله الخاتم، الذي أنزله رب العالمين على قلب نبيّه الكريم، فأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والفُرقة، إلى نور العلم ووحدة الصف.

وبالتمسك بأحكام القرآن الكريم، وهدي النبي المصطفى عليه السلام، أصبح المسلمون رواداً في العلم والحضارة الإنسانية، فأفاضوا على العالم أجمع، من العلوم المتنوعة والمعارف الكثيرة، ما يعجز عن الحديث عنه، كتابٌ أو معجم. كما أصبح علماؤهم نبراساً يقتدى، ونموذجاً يحتذى في الشرق والغرب.

ولا عجب بعد ذلك أن نرى في نبينا المصطفى قدوة ومثلاً أعلى لجميع البشر. ولا عجب بعد ذلك أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام، وبإعتراف علماء الغرب من غير المسلمين، أن يكون محمد عليه السلام أولاً في قائمة أهم رجالات التاريخ، "لأنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي" كما يقول مايكل هارث. ويضيف قائلاً: "وفوق ذلك فإن محمداً يختلف عن المسيح عليهما السلام بأن محمداً كان زعيماً دنيوياً فضلاً عن أنه زعيم ديني". "وفي الحقيقة إذا أخذنا بعين الإعتبار القوى الدافعة وراء الفتوحات الإسلامية، فإن محمداً عليه الصلاة والسلام يصبح أعظم قائدٍ سياسي على مدى الأجيال".

هكذا ينظر الغرب إلى نبينا، فهلا تأسينا به كما أمرنا الله تعالى في محكم تنزيله حيث يقول "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً". فقد كان عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لمن معه ولمن بعده في نشأته يتيماً، وفي بيته حيث كان يخصف نعله ويعين أهله، وفي حبه وعطفه على أولاده وأحفاده، وفي صبره على فقد ولده إبراهيم، وكذلك في صبره على الجوع وعلى شظف الحياة، كما في عبادته وشكره لربه، وفي إعتداله وتوازنه بين الدين والدنيا. كما كان عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة في قيادة الأمة وفي صناعة القادة وفي معاركه وحروبه، وفي دعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي صبره على أذى المشركين بل ودعوته لهم في الدخول إلى الإسلام، وفي تفاؤله في مستقبل الدعوة، وفي بلاغة حديثة وصدق عظاته، وفي أمانته ووفائه بالعهود حتى ولو كانت مع المشركين، وفي وفائه لزوجاته، وعطفه على الناس ورأفته ورحمته بهم، وفي حلمه وأناته مع المسلمين وغير المسلمين، وفي حكمته وشجاعته وتواضعه وعزته بدينه وفي أدبه وثباته على الحق وفي عدله ورحمته ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وفي إصلاحه بين الناس، وفي معاملاته وتجارته. وفي كل شيء في حياته كان عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة لمن معه في زمنه، ولمن بعده.  

وبإيجاز بليغ فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام، كما تقول عنه السيدة عائشة أم المؤمنين،رضي الله عنها "كان خلقه القرآن".

فهنيئاً لمن حفظ القرآن وتخلق بأخلاقه، وعمل بأحكامه، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه. كيف لا وهو الذي يهدي إلى صراط الله المستقيم، من اتبعه فاز ونجا، ومن تركه ضل وغوى. وهو حبل الله المتين، من تمسك به وإعتصم وكان من أهله، أصبح من أهل الله وخاصته، ومن تعلّمه وعلّمه كان خير الناس كما يقول المصطفى عليه السلام، "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". ويقول أيضاً "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه".

 

أيها الإخوة الأكارم

أختم على أمل اللقاء بكم إن شاء الله في أعوام قادمة لنكرّم الحفظة الجدد، راجياً إلى الله العلي القدير أن يمنحنا وإياكم الأمن والأمان، والإستقرار والإزدهار.

 

 

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.