بمناسبة توزيع جوائز اللغة العربية 29 March 2014

أيها الإخوة الأكارم

يطيب لي أن أقف بينكم اليوم لنكرم هذا العام ثلاثة من أساتذة اللغة العربية الكرام الذين عملوا في هذه المدينة الصامدة على تعليم اللغة العربية لطلابهم فزرعوا في نفوسهم عشق هذه اللغة وجمالها وفهمها وكتابتها وأدبها وتراثها ودقة وصفها.

ورسخوا في عقولنا على أن اللغة في الواقع لا تعكس التراكمات المعرفية والتاريخية فحسب، بل تحمل معها هذا الفيض من التراكمات لتصنع ربطاً واضحاً بين أبنائها ومستخدميها، فهي العروة الوثقى للمجتمع كله، وهي شريانه الحيوي، فهي تقوي أواصر التفاهم بين أبناء المجتمع الواحد. ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على هذه اللغة، فحفاظنا عليها، هو حفاظٌ على هوية الإنسان العربي، وروحيته ومبادئه صدقاً ومروءةً وثقافةً وفكراً وسلوكاً وتعايشاً.

لا ولن أستطيع أن أفيَ هؤلاء الأساتذة الكرام حقهم، وخصوصاً وأن من بينهم من تتلمذت على يديه فكان لي شرف معرفتي الأولى به، ولا أزال أذكر كيف كنت أصغي إلى كلماته وحركاته وسكناته، فقد كان يعيش جمال اللغة العربية في شرحها لنا وإستطاع أن ينقل إلي حب هذه اللغة والإيمان بشموليتها وسعتها الكبيرة وطواعيتها الفريدة بين اللغات الأخرى عنيت به أستاذي الحبيب د. نزيه كبارة.

حقاً وصدقاً لن أستطيع أن أفي هؤلاء حقهم وفضلهم على المدينة وأهلها، ومن بينهم الأستاذ مارون عيسى الخوري صاحب الأيادي البيضاء في التعليم والترجمة، والمثال الذي يحتذى في السهر والعمل خصوصاً زمان الحرب الأهلية وقبلها وبعدها، وشقيق مؤسس قسم اللغة العربية في مدرستنا هذه المرحوم الأستاذ كمال خوري.

أما ثالثهم فهو الدكتور ياسين الأيوبي الذي أعطى تعليم اللغة العربية في جميع مراحلها المدرسية والجامعية، كما أعطى الشعر العربي في طرابلس منتدىً يزخر بنشاطاته وعلاقاته العربية وحاز على أفضل الجوائز والتقديرات.

بداية مع د. نزيه كبارة من مواليد طرابلس عام 1936.

حائز على دكتوراه دولة في الحقوق، القانون العام من الجامعة اللبنانية، عام 1980

ودبلوم في التخطيط التربوي من المركز الإقليمي لتخطيط التربية وإدارتها في البلاد العربية – بيروت عام 1970

ودبلوم في التخطيط التربوي المتقدم عام 1972

وحائز على إجازة في الحقوق عام 1963 من كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية

وكفاءة للتعليم الثانوي من معهد المعلمين العالي في الجامعة اللبنانية عام 1958

ويبقى الأساس الإجازة في اللغة العربية وآدابها من معهد المعلمين العالي في الجامعة اللبنانية عام 1957

مارس التعليم منذ العام 1959، وعمل مديراً لدار المعلمين والمعلمات في طرابلس من العام 1986 حتى العام 1985

أرجو من د. نزيه كبارة التفضل إلى المسرح لإستلام درع التكريم.

أسس ورأس المجلس الثقافي للبنان الشمالي في العام 1980 ولا يزال يرأسه حتى تاريخه، كما عمل في إتحاد الكتاب اللبنانيين وجمعية طرابلس السياحية والتجمع الوطني للعمل الإجتماعي.

له إثنا عشر مؤلفاً والعديد من الأبحاث والدراسات والمقالات الصحفية وغيرها.

أما الدكتور ياسين الأيوبي فقد ولد عام 1937 في بلدة الهري قضاء البترون، وتلقى علومه بداية في مدرسة القرية، ثم في طرابلس.

حائز على شهادة الدكتوارة من جامعة السوربون – باريس الثالثة، وكان موضوع الرسالة "معجم الشعراء في لسان العرب"

أما دبلوم الدراسات العليا الماجستير في الأدب العربي فقد نالها من معهد الآداب الشرقية التابع للجامعة اليسوعية عام 1969

وكان قد إلتحق بمدرسة الآداب العليا التابعة لجامعة ليون الفرنسية ونال منها شهادتين في علم النفس وفي اللغة العربية وآدابها عام 1965

عمل مدرساً في ثانوية البترون ثم ناظراً عاماً، كما عمل مدرساً في كلية التربية بجامعة بغداد ثم في الجامعة اللبنانية ورئيساً لقسم اللغة العربية مرتين، وما زال مدرساً فيها ومشرفاً على الرسائل الجامعية.

مارس ولا يزال نشاطاً ثقافياً مميزاً ومتواصلاً، فعمل في إتحاد الكتاب اللبنانيين إبتداء من عام 1970 وإتحاد الكتاب العرب، ومنتدى طرابلس الشعري والمجلس الثقافي للبنان الشمالي.

له ثمانية عشر مؤلفاً وديواناً شعرياً منها: دياجير المرايا ومنتهى الأيام وآخر الأوراد.

أما على الصعيد الفكري، فقد تأثر أولاً بالقرآن الكريم وعالمه القدسي البلاغي الخلاب، وثانياً بعدد من الكتاب العرب بينهم ميخائيل نعيمه وجبران وتوفيق الحكيم والمنفلوطي وطه حسين وغيرهم.

أرجو من د. ياسين الأيوبي التفضل إلى المسرح لإستلام درع التكريم.

أما الأديب والباحث والأستاذ مارون عيسى الخوري، فلقد وجدت مما قاله د. عبد الغني عماد فيه، في مؤتمر أدباء طرابلس الذي عقد في جامعة الـNDU منذ ثلاثة أعوام ما شفى بعضاً من غليلي، فإقتبست منه بعض المقاطع.

إنه مارون عيسى الخوري، الحيفاوي الفلسطيني الولادة، اللبناني الجذور، العالق في طرابلس حباً بها حتى الثمالة، النادب نفسه لمهمات تترجح بين المحلي والكوني، بين الحضاري والثقافي والتاريخي. قلة الذين يعرفون مارون عيسى الخوري الشاعر، المتمكن من لغته، يعالج عورات المجتمع والواقع شعراً من موقع الحالم.

أقام مارون عيسى الخوري الجسور النشطة بين الفلسفة والتاريخ والترجمة والتحقيق والتأليف والمراجعة والتعليق والأدب والشعر، لم يقطع بينها التواصل يوماً، كانت هذه الجسور بالنسبة إليه إستراتيجية ثقافية يتنقل فيها برشاقة الباحث المتمكن الذي يشعر بمتعة البحث والتنقيب والحركة فيما بينها، وكان تدريس الفلسفة والأدب العربي لطلابه في ثانويات طرابلس بدءاً بالثانوية الأرثوذكسية في الميناء (1968) إلى ثانوية الرشيد (1972) إلى القلبين الأقدسين وعبرين والآباء الكبوشيين والفرير حتى العام 2002. بل وحتى في مدينة حماه في سوريا (1969) ورياق في البقاع (1971) وشكا والبترون (1972) وغيرها في رحلة طويلة يصعب تتبعها، كان التعليم بالنسبة إليه حقل تواصل وتفاعل يجد فيه الراحة والسعادة المعرفية، يكفي أنه كان يشعر من خلال دروس الأدب والفلسفة التي كان يلقيها على تلامذته بشغفه المعهود، أنه يفتح نافذة على الضوء ويترك لكل ما يراه على طريقته، وهو بهذا كعادته التي لم يتخلَّ عنها أبداً يلقي بذور الأفكار أينما إستطاع ويتركها تنضج بهدوء، وهي بين تلاميذه أينعت جيلاً بل أجيالاً تحفظ الوفاء والحب لأستاذها.

عمل في التنقيب عن الآثار تحت إشراف العالم الأركيولوجي السويسري المعروف جان بيلر Jean Beller في أنقاض مدينة أفاميا غرب مدينة حماه السويسرية. ومن التنقيب عن الآثار إلى التنقيب عن الأفكار إلى التدريس والتعليم والحفر المعرفي في عقول الناشئة، جملة من الأنشطة والأعمال والمشاركات الثقافية لعب فيها دوراً هاماً ومحورياً، فكان رئيساً للرابطة الأدبية الشمالية (1980-1989) كما كان إلى جانب الأستاذ فضل مقدم نائباً لرئيس رابطة أحياء التراث الفكري في طرابلس والشمال (1984-1989)، فضلاً عن عضويته في إتحاد الكتاب اللبنانيين وإتحاد الكتاب العرب وعضو الرابطة الثقافية.

في إنجازات الأديب والمفكر والشاعر والمحقق التاريخي مارون عيسى الخوري أكثر من ثلاثين عملاً منشوراً فضلاً عن عدد لا يحصى من الأبحاث والمقالات المبثوثة على صفحات المجلات والدوريات والصحف في مواضيع شتى.

أرجو من الأستاذ مارون عيسى الخوري التفضل إلى المسرح لإستلام درع التكريم.

كما يسرّنا في هذه المناسبة أن نكرم راعية التربية والتعليم في الشمال رئيسة المنطقة التربوية السيدة نهلا حاماتي نعمة التي لا تألو جهداً في تقديم ما بوسعها لرفع مستوى التربية والتعليم في الشمال رغم الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا القطاع بسبب الأوضاع الأمنية الراهنة في المدينة وبسبب الظروف الإقتصادية التي تعصف بالوطن عموماً.

 

 

أشكركم جميعاً والسلام عليكم ورحمة الله