في ندوة المركز العربي للإنماء الثقافي 08 November 2014

عنوان الموضوع الذي سأتناوله هو:

"دور المؤسسات التربوية والمناهج التعليمية في التربية على ثقافة السلام"

أيها الإخوة الأكارم

يخضع تكوين العقل البشري، الذي يُبرز شخصية الإنسان، إلى عدة عوامل أهمها:

الأسرة، المؤسسات التربوية والتعليمية، البيئة، عامل الوراثة، الإعلام بكل أنواعه، وسائل التواصل الإجتماعي، الألعاب الإلكترونية.

وإذا ما تأملنا في هذه العوامل نجد أن أكثرها فعالية وتأثيراً في تكوين العقل البشري، المؤسسات التربوية والتعليمية لأنها تستمر لفترة طويلة من الزمن منذ دخول الطفل إلى دور الحضانة، وتبقى معه لحين تخرجه من الجامعة إلى سوق العمل، وتنتقل به من مرحلة إلى مرحلة، ينمو فيها العقل، وتُكتسب فيها العلوم والمعارف، وتنشأ فيها الصحبة والزمالة، كما تكون فيها التربية والتوجيه المستمرين، وتبرز فيها المواهب وتتفجر الطاقات، وكل ذلك يستمر ضمن برامج ومناهج متواصلة ومتدرجة، ووفق طرائق تعليمية تحظى بالتطوير المستمر.

ومما لا شك فيه أن للتربية والتعليم دوراً أساسياً في إرساء الثقافة على أنواعها ومنها ثقافة السلام والوسطية.

وللسلام مفاهيم متعددة، تصطبغ بصفات شخصية وإجتماعية وسياسية، نذكر منها على سبيل المثال، السلام بمعنى غياب الحروب، أو السلام الداخلي، أو السلام مع البيئة، أو العدل الإجتماعي... . وتتباين تعريفات تربية السلام بحسب مفاهيم السلام المرتبطة بها، فقد تعني تربية السلام، تمكين الإنسان من تفادي الحروب، أو للوصول إلى السلام الداخلي، وقد تتضمن تعليم حقوق الإنسان، كشرط من شروط السلام.... وتربية السلام تهدف إلى تزويد الشخص بالمعرفة والمهارات والقيم التي تمكنه من مواجهة النزاعات وحلها بشكل لا عنفي. (1)

فتربية السلام تقضي بزيادة المعرفة بالحلول البديلة للصراعات العنفية وهي تهدف إلى تمكين الإنسان من تحليل أسباب العنف وتقييم نتائجه وإنعكاساته على الحضارة الإنسانية. وللأسف فإننا نلاحظ أن التاريخ، غالباً، ما يذكر ويمجّد الأحداث والإنتصارات وأبطال الحروب أكثر من تمجيده لأبطال السلام.

وتربية السلام تتطلب توافر بعض المهارات، كالتفاوض والحوار، وإقتراح الحلول غير التقليدية. فالإختلاف في الرأي والنزاع بين الإنسان وأخيه الإنسان، طبيعة بشرية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها. وهذا الإختلاف إذا ما أُحسن تأطيره فإنه يدل على وجود إحتياجات غير مشبعة عند فريق دون الآخر. والحوار هو السبيل الأسلم والأجدى للوصول إلى الحقيقة.

وتربية السلام تنطوي على قيم أساسية أهمها التسامح وقبول الآخر. فإذا ما سلمنا بأن الحقيقة ليست ملكاً لفريق دون آخر، ندرك أن الحوار العلمي البنّاء، والنقاش الصادق الفعّال هما اللذان يقودان إلى الحقيقة الناصعة، وهذا ما يعود بالفائدة على الجميع دون إستثناء. وهذا بدوره يستوجب تنمية وعي مجتمعي متكامل، ووضع مناهج تعليمية جديدة متطورة، تساعد في بناء أجيال تتمتع بهذه القيم الإنسانية والأساسية في بناء السلام.

 

 

وبالمقابل فإن الفكر المتطرف ينطلق من ثلاث محاور أساسية:

1.    أصحاب الأفكار المتطرفة لديهم رغبة جامحة في إقصاء الآخر.

2.    أصحاب الأفكار المتطرفة لديهم آحادية في النظر، فالحقائق لديهم ليس لها إلا وجه واحد.

3.    أصحاب الفكر المتطرف يحملون توجهات عقدية وفكرية تؤكد ما لديهم من قناعات ولا يرغبون في التنازل عنها.

وللتطرف مستويات ثلاث: المستوى العقلي أو المعرفي، المستوى الوجداني، والمستوى السلوكي.

لا شك في أن النظام التربوي يلعب دوراً أساسياً في مواجهة هذا الفكر المتطرف، بمستوياته الثلاثة، وبمحاوره الثلاثة. فلا يجوز أن يقتصر دور المؤسسات التربوية على التأهيل العلمي والمعرفي فقط، بل يجب أن يتعداه إلى بناء التوازن الفكري، والإعتدال السلوكي، والنقد البناء، ومنهجية التفكير، ونشر ثقافة الوسطية، والقيام بالتطبيقات المناسبة لكل ذلك، حتى يتسنى إعداد أجيال تؤمن بثقافة السلام، وتكون قادرة على مجابهة الأفكار المتطرفة.

ولكن وللأسف الشديد فإن معظم المؤسسات التربوية والتعليمية في عالمنا العربي والإسلامي قد حصرت جهودها ودورها في التحصيل العلمي، فأضحت مؤسسات تعليمية فقط، تعمل على حشو أذهان الطلاب بمعلومات ومعارف نظرية، وثقافات مستوردة لنيل الشهادات العلمية، مع إهمال مادة التربية المدنية، والتربية الدينية، والإرشاد والتوجيه، وعدم مراقبة سلوك الطلبة، وترك العناية بمواضيع التربية ومبادئها، فباتت تفتخر بنسبة نجاح طلابها في الشهادات الرسمية وتترك ما دون ذلك للشارع، أو لوسائل التواصل الإجتماعي أو غير ذلك مما يؤثر على تنشئة الأجيال دون رقيب أو حسيب، خصوصاً بعد أن تخلّى الأهل عن دورهم، وضَعُفَ أو غاب دور المؤسسات التربوية في مهماتها التربوية، التي يجب أن تسبق المهمات التعليمية، كما في المبنى، كذلك في المعنى.

إن نجاح المؤسسات التربوية في دورها يجب أن يرتكز على بناء الشخصية المؤهلة علمياً، المؤمنة بربها، والملتزمة بدينها، والمتوازنة في فكرها، والمعتدلة في سلوكها، والمخلصة لوطنها والناشطة في مجتمعها، والمنفتحة على الآخر، والقادرة على نقض الفكر المتطرف والمتعصب، والرافضة للإنغلاق وللتقليد الأعمى، والملتزمة بأدب النقد والإختلاف، وأهمية الحوار بالحُسنى.

وليتحقق ذلك لا بد من إشراك جميع مكونات العملية التربوية في هذه الأهداف. وهذه المكونات هي: العقيدة والقيم، المعلم، البرامج والمناهج التعليمية، والإدارة التربوية، والطالب. ولكل من هذه العوامل والمؤثرات دوره وتأثيره في العملية التربوية والتعليمية.

1.    العقيدة والقيم

يجب أن يكون إرتباط التربية بالعقيدة والقيم الحميدة، إرتباطاً وثيقاً، بحيث يكمل أحدها الآخر. نستدل على ذلك بالعقيدة الإسلامية كنموذج، كونها تدعو إلى السلام، وتحيتها "السلام عليكم" وكونها تدعو إلى الإيمان بالله، بالحكمة والموعظة الحسنة.

فقد نهى الإسلام عن قتال المشركين لإجبارهم على إعتناق عقيدة الإسلام، حيث يقول تعالى: "لا إكراه في الدين" (البقرة 256) ويقول أيضاً: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين – إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولو°هم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" (الممتحنة 8 و9) فالإسلام دين السلام في كل مفاصله ومندرجاته، فهو يرفض قتال الكفار والمشركين لمجرد كفرهم، بل يأمر ببرهم ويشجع على القسط إليهم والتعايش السلمي معهم. وفي آية أخرى يقول تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين" فالإسلام يقرُّ مقاتلة الأعداء إذا إعتدوا على المسلمين، ولا يقرّها بسبب مخالفتهم في الدين. وفي آية أخرى: "أذن للذين يقاتلّون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير".

2.    المعلم

يمثل المعلم النواة التي يتم توصيل المعلومة من خلالها إلى الطالب، فهو ينهض بالدور الأساسي في العملية التربوية برمتها، فإذا لم يكن متمكناً من المادة العلمية التي يعرضها لطلابه، فإنه لن يستطيع إيصالها بشكل سليم وفعال إلى طلابه وبالتالي لا بد من القيام والإستمرار المتواصل بإعداده إعداداً سليماً وعصرياً حديثاً، يتماشى مع متطلبات العصر المتجددة بإستمرار، وذلك من خلال دورات التدريب المتواصلة، والتي يجب أن تراعي عدة جوانب في غاية الأهمية. وهذه الجوانب هي:

الإعداد الشخصي، الإعداد التخصصي، الإعداد التربوي، الإعداد المهني، الإعداد الثقافي والفكري.

3.    البرامج والمناهج المدرسية

وهي عماد العملية التعليمية، وهي الوعاء الذي تقدم من خلاله المعلومات والمعارف للطالب لكي يستوعبها ويستقي منها كل ما يساعده في مسيرته التعليمية. وبالتالي يجب أن تكون مخارجها موافقة لإحتياجات المجتمع الحاضر والمستقبلي، وأن تُقدَّم إلى الطالب بعقلية منفتحة، تأخذ الأمثلة من الواقع المُعاش، وتؤكد على أهمية ثقافة السلام. وهذا ما يتطلب الإنتقال من التعليم التلقيني الذي يزرع في نفس الطالب خاصية الخضوع والإذعان، إلى التعليم التفاعلي النشط، الذي يتمحور حول الطالب والذي يقوم على الفهم والتحليل والنقد وصولاً إلى التفكير المنطقي والعمل على حل المشكلات بطريقة علمية سليمة. هذا التعليم يسمح ببناء الطالب المبدع والقادر على الحوار مع الآخر بالحجج والبراهين والأدلة، والقادر على تقديم الحلول المبتكرة التي تساعد على إرساء ثقافة السلام.

 

4.    الطلاب

لا يزال التعليم في معظم مدارسنا يقوم على أساس التعليم التلقيني، فالطالب يحفظ المعلومة حتى يتم إستردادها منه وقت الإمتحان. وبالتالي فهو يتلقى المعلومة دون أن يكون له دور في تحليلها وتمحيصها. إن تفعيل الدور الوقائي للمدرسة في مقاومة السلوك المتطرف، يجب أن يقوم على أساس تعويد الطلبة على التعليم التفاعلي النشط والحواري القائم على التفكير والإبداع الذي يسمح لعقل الطالب بتأمل الأمور بروية ورؤية الحقيقة، ونقد الأفكار المكونة لها، من أكثر من زاوية بما يمكنه من الإبتعاد عن أن يصبح فريسة سهلة للأفكار المتطرفة والداعية للعنف والإرهاب.

إن تربية الطلاب على الفكر الوسطي المعتدل القائم على مبادئ سامية، مستمدة من الآية الكريمة "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة 142). هذا الفكر يستوجب إعداداً وتربية مستمرة قوامها، "إحقاق الحق حيث ما كان، وإبطال الباطل بدون تسفيه أو عدوان".

5.    الإدارة التربوية

بديهي أن العملية الإدارية، عموماً، ليست مجرد تسيير للأعمال أو ممارسة للرئاسة، بل هي عملية قيادة بالدرجة الأولى، فالسلطة الإدارية وحدها قد ترغم العاملين في المؤسسة على الطاعة، ولكنها لا تلهمهم ولا تحفزهم ولا تبعث فيهم الحماس والإنتماء والتوجيه والإبداع والتفاني. والإدارة التربوية، خصوصاً، هي ممارسة أخلاقية تلتزم بمجموعة من القيم والفضائل التي لا يمكن الإستغناء عنها أو التفريط بها. أي أن الإدارة التربوية في جوهرها هي عملية قيادة بالمقام الأول، وقدرة على التأثير في الآخرين وتحفيزهم لإنجاز أهداف المؤسسة التربوية وأولوياتها والسعي الدائم لتطويرها. فالعمليات الإدارية بذاتها لا تتغير ولا تتطور، وإنما الناس هم الذين يعملون ويتعلمون، ويغيرون ويتغيرون، ويطورون ويتطورون. وهذا ما يؤدي إلى تطوير القيادة التربوية ضمن إطار فكري تفاعلي حديث.

من هذه المنطلقات، ومن أجل التربية على ثقافة السلام، وجب على الإدارة التربوية العمل على تهيئة الظروف والمناخات المؤاتية لمتابعة وملاحظة الظواهر السلوكية العامة لدى الطلاب، والتشجيع على:

1.    إعادة النظر في الكثير من المناهج الدراسية والطرائق التربوية بعقلية منفتحة، وحذف ما أصبح غير ملائم لمعطيات العصر، وإضافة ما هو ضروري لمعطيات العصر في عصر العولمة، وإضافة مناهج جديدة حول الوقاية من الإنحراف والتطرف.

2.    تطوير المناهج والبرامج المدرسية والأساليب التربوية بإتجاه ترسيخ مبادئ السلام والحوار.

3.    عقد الندوات حول مواضيع العنف ومضاره في المجتمع.

4.    تكوين مجالس طلبة في المدارس، حتى يتعود الطلاب على حرية الإنتخاب وممارسة الديمقراطية.

5.    تكوين نواد علمية متخصصة مثل: نادي اللغة العربية، نادي العلوم، نادي الإجتماعيات.... وذلك بهدف تشجيع ميول التخصص لدى الطلاب فيما بعد.

6.    تكوين مجموعات للأنشطة الصفية واللاصفية، مثل الإذاعة المدرسية التي تساعد على تكوين رأي عام بين الطلبة تجاه القضايا المختلفة وتوسيع معارف الطلاب، وربطهم بالأحداث الجارية في المجتمع والمحيط، وإتاحة الفرصة للنقد والتعبير الحر.

7.    الإهتمام بزرع مبادئ التربية على التسامح الفكري بين الطلبة عبر لقاءات مع المعلمين والمفكرين ورجال السياسة، وإتاحة الفرصة لهم في النقاش والحوار معهم.

8.    تعميق الحوار والإنفتاح الفعال بين المؤسسات التربوية والمؤسسات الأخرى، ومناقشة المشكلات التي تواجه المجتمع.

9.    التأكيد على أهمية دور المجتمع المحلي في تحقيق البيئة المدرسية الآمنة، وربط المدرسة بالمجتمع المحلي وتفعيل دورها في حماية أمن المجتمع المحلي عن طريق إشراك أسر الطلاب والمجتمع المحلي في مجالس المدارس والمناهج المدرسية.

10.          عقد المؤتمرات الطلابية التي تسعى إلى تنمية منظومة القيم النبيلة لدى الطلاب وإكسابهم المهارات التي من شأنها بناء الشخصية القادرة على المشاركة في بناء الوطن بفاعلية وترسيخ ثقافة السلام فيه.

11.          تعاون جميع المؤسسات التربوية لنبذ الأفكار الهدامة من المدرسة والجامعة والأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام.

12.          رفض الآراء التي قد تؤدي إلى الإنفعال ومحاولة إقصاء الآخر أو ربما إلغائه، وتربية الطلبة على قبول الرأي الآخر، وترسيخ مفهوم الحوار ومبادئه وآدابه.

 

13.          الدعوة للحفاظ على الكرامة الإنسانية لكل مخلوق، لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" وعلاقات الناس ببعضها يجب أن تكون قائمة على أصول السلام، والأمن، ونبذ التعصب والتزمت، ومحاربة كل أشكال العنف والتطرف.