في إحتفال تكريم دار الفارابي والسيد طلال شتوي 05 March 2015

معالي الوزير الأستاذ فيصل كرامي، راعي هذا الإحتفال

أيها الحفل الكريم،

          يسرني ويسعدني أن أكون بينكم اليوم مرحباً بكم جميعاً، بإسم جمعية العزم والسعادة الاجتماعية، في هذا اليوم البهيج العابق بأريج الثقافة والفكر، لتكريم مؤسسة لبنانية عريقة، عنيت بها دار الفارابي التي حازت المركز الأول في معرض الشارقة الدولي وحصولها على جائزة أفضل دار نشر عربية للعام2014، وكذلك تكريم الكاتب والأديب والناشط الإجتماعي الأستاذ طلال شتوي، والإحتفال بتوقيع كتابه الجديد "بعدك على بالي".

إن تكريمنا لشركة المطبوعات اللبنانية – دار الفارابي، هو تكريم للثقافة والفكر عموماً. فهذه الدار التي تأسست عام 1956 في بيروت، قد إستطاعت في هذه الحقبة القصيرة من الزمن، أن تحتل هذا المركز المرموق في مهرجان الشارقة للعام 2014. وذلك على رغم الغزو الكبير لعالم الإنترنت، والتراجع الملحوظ في قراءة الكتب عند العرب عموماً، الذي رافقه تراجع مباشر في طباعة الكتب الثقافية على صعيد العالم العربي كله.

وأهمية هذه الدار تكمن في أنها رائدة في نشر وطباعة الكتب والمجلات والدوريات في مختلف نواحي العلوم والفكر والثقافة والأدب، سواء منها الصادر باللغة العربية، أم المترجم عن اللغات العالمية الأخرى. كما أن نشاطها الواسع يشمل طباعة الكتب للمؤلفين على ندرتهم في هذه الأيام. وقد عُرف عنها إلتزامها بقضايا الشعوب والطبقات الإجتماعية المستضعفة والمقهورة.

 

أما تكريمنا للسيد طلال شتوي، الذي كتب "بعدك على بالي" ليكون سيرة أزمنة وأمكنة مرّ الكاتب فيها ونقلها بدقة وأمانة، عايش فيها ومعها رجالاً كباراً تركوا بصماتهم على مسيرة الوطن بمختلف أرجائه وقطاعاته السياسية منها والفنية، الأمنية منها والرياضية وغيرها، نقلها بأسلوب شيق رائع، شدّني للقراءة والذكرى لأيام خلت في تاريخ الوطن الحبيب، وعاصمة الشمال الحبيبة طرابلس.

 

أيها الإخوة الأكارم،

          نلتقي اليوم في مركز العزم الثقافي – بيت الفن في هذا الإطار الثقافي المميز الذي نسعى من خلاله معكم جاهدين لنؤكد على سمة طرابلس التي عُرفت بأنها مدينة العلم والعلماء. والتي إشتهرت بمواسمها الثقافية، وصالوناتها الأدبية، ومبارزاتها الشعرية، ومنازلها العامرة برجال الفكر، كما عُرف عنها الترابط الوثيق بين عائلاتها، والتعاضد الإنساني المميز بين جميع سكانها. وإذا ما إختلف أبناؤها في إنتماءاتهم الدينية أو السياسية، فإن هذا الخلاف لا يفسد في الود قضية.

آمنوا بأن الدين لله والوطن للجميع، فكان قبول كل منهم للآخر، طريقهم إلى العيش الواحد في هذه المدينة التي أحبوها جميعاً، وكانوا يحافظون عليها بأهداب عيونهم، وثقافتهم المنفتحة، وفكرهم المستنير. فإستحقت معهم بحق لقب مدينة العلم والعلماء.

عرفوا أدب الإختلاف فطبقوه جميعاً وبدون إستثناء. فكان إختلافهم مولّد الحركة والتقدم والرقي في طرابلس. خصوصاً وأنه في النقاش الهاديء تولد الحقيقة التي كان الوصول إليها هدفهم الجامع.

أيقنوا بأن الإعتدال والوسطية هما سمة الإسلام الحقيقي فرعَوهما حق رعايتهما، فلم يعرف التطرف سبيلاً إلى فكرهم أو إلى سلوكهم، فتعاونوا فيما بينهم ودائماً على البر والتقوى ورفضوا الإثم والعدوان، كما رفضوا التطرف والإرهاب.

آمنوا بأن الإيمان والعمل الصالح صنوان لا يفترقان ويزينهما الخلق الحسن، فكان الواحد منهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويقول لزبونه إذا جاءه شارياً، "إذهب لجاري، فإني قد إستفتحت والحمد الله، أما جاري فلم يستفتح بعد". وكان الله تعالى يرزق الإثنين معاً، رزقاً فيه بركة محبة بعضهم بعضاً.

 

 

أيها الحفل الكريم،

في هذا اللقاء الثقافي والفكري، لا بد من التطرق إلى التطرف الذي تشهده الساحة العربية والإسلامية في هذه الأوقات العصيبة. ذلك أن غياب صوت الإعتدال والدعوة إلى الوسطية، وغياب منهج تربية الأجيال الصاعدة، في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة على ثقافة الوسطية والإعتدال، كل ذلك، قد أفسح المجال أمام نمو ظاهرة التطرف الفكري، الذي سرعان ما إنقلب إلى سلوك متطرف وإلى ممارسات إرهابية، إنتشرت هنا وهناك.

إن علينا أن نعمل جاهدين لمواجهة ثقافة العنف، بكل ما أوتينا من سلاح العلم والمعرفة والفكر والثقافة، والحجة والبرهان، وأن نسعى دائماً لنشر ثقافة السلام، وأن نستفيد في ذلك من وسائل الإعلام المختلفة والمتاحة، الفضائية منها والإلكترونية وغيرها، وأن ندعو إلى الوسطية والإعتدال، التي تميز بها إسلامنا الحنيف على مر العصور والأزمنة. فمقارعة التطرف الفكري لا تكون إلا بمواجهته بالإعتدال الفكري ونشره على أوسع مجال.

إن العمل الجاد على نشر الفكر الوسطي بين الناس يجب أن يشمل، وبعناية فائقة، الأجيال الصاعدة، لأن التطرف الفكري ينتشر في معظمه بين صفوف الشباب، ويتطور بسرعة بالغة، إلى عنف وإرهاب وإنحراف تأباه النفس البشرية ويرفضه العقل والدين.

لذلك فإن تربية الناشئة على الإعتدال في السلوك والتوازن الفكري، والإستقامة والثبات والإعتدال في العقيدة، وثقافة الإنفتاح، والحوار بالحسنى وقبول الآخر، وحق الإختلاف كل ذلك يجب أن يكون في صلب عملنا السياسي والتنموي والثقافي والفكري، وفي صلب دعوتنا للوسطية من أجل العيش بسلام في بلدنا ومنطقتنا والعالم.

لقد أثبتت التجربة في لبنان وفي غيره بأن الوسطية الجامعة، هي محور التلاقي بين جميع الأطراف المتنازعة، التي مهما طال وقت النزاع فيما بينها، لن يستطيع أحد منها أن يلغي الآخر، ولا بد لها أن تتحاور في النهاية وتلتقي حول الوسط الجامع. هذا الوسط الجامع، الذي يلتقي حوله الجميع إذا أرادوا مصلحة الوطن والعيش الواحد بأمانٍ وسلام.

عشتم وعاش لبنان

وفقنا الله وإياكم لكل خير

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته