في إفتتاح مؤتمر المنتدى العالمي للوسطية بعنوان "دور الوسطية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الإستقرار والسلم العالمي" 14 March 2015

أيها الحفل الكريم،

يسعدني أن أقف بينكم اليوم، وأن أنقل إليكم تحيات دولة الرئيس نجيب ميقاتي، في هذا المؤتمر الذي يدور حول الوسطية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الإستقرار والسلم العالمي، هذا الإستقرار الذي يشغل بال الكثيرين، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، نظراً لما يجري على الساحة الدولية من أحداث جسام، أصبحت تطال المنطقة بأسرها، وتنعكس على مجريات الأوضاع العامة في العالم كله.

لا شك في أن الوسطية تعود في أصلها ربما إلى الفلسفة اليونانية، ولكنها حظيت في صدر الإسلام بإهتمام خاص، إنطلاقاً من قوله تعالى في سورة البقرة "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً". وفي ذلك يقول إبن القيم الجوزية "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه".

كما كان لعلماء المسلمين، في عصرنا الحديث، باع طويل في تأصيل الفكر الوسطي، وإظهار معالمه، ومرتكزاته وسماته. وقد إنتشرت المنتديات والجمعيات الوسطية العاملة في الساحة السياسية في منطقتنا، لتجد نفسها في مواجهة موجة كبيرة من التطرف الفكري الذي بدأ ينمو في أواسط القرن الماضي، ويغزو الساحة الإسلامية وليأخذ هذا التطرف بعداً سريعاً في السلوك والممارسة.

وما يجري في المنطقة اليوم، من صراعات وحروب داخلية عبثية، تزداد رقعتها يوماً بعد يوم، تشكل خطراً داهماً على الإستقرار في المنطقة كلها، وتلامس في تهديداتها العالم بأسره.

 

 

أيها الإخوة الأكارم،

إنني على يقين، بأن أصحاب الفكر الوسطي، هم القادرون أكثر من غيرهم على رسم خارطة الطريق للخروج من دوامة العنف، التي تعصف بالمنطقة اليوم، ووضع مبادئ العمل الجاد والدؤوب، على جميع الأصعدة لتحقيق الإستقرار المنشود. ذلك أن الوسطية تنطلق من الواقع وتتعامل معه بمسؤولية جامعة، تجمع ولا تفرّق، بدون أن تستثني أحداً. وتتميز خطواتها دائماً بالتواصل مع الجميع، بإيجابية قابلة للتطبيق، وبإعتراف صريح بخصوصية الآخر، ومراعاة لها.

 إن على المنتديات الوسطية، أن تعمل جاهدة لمواجهة ثقافة العنف، بكل ما أوتيت من سلاح العلم والمعرفة، والحجة والبرهان، وأن تسعى في مؤتمراتها وندواتها لنشر ثقافة السلام، وأن تحشد لذلك العلماء والباحثين ورجال الدين، وأن تستفيد في ذلك من وسائل الإعلام المختلفة، الفضائية منها والإلكترونية وغيرها، وأن تدعو إلى الوسطية والإعتدال، التي تميز بها إسلامنا الحنيف على مر العصور والأزمنة. فمقارعة التطرف الفكري لا تكون إلا بمواجهته بالإعتدال الفكري ونشره على أوسع مجال.

إنني أرى، أن العمل الجاد في نشر الفكر الوسطي بين الناس، يجب أن يشمل، وبعناية فائقة، الأجيال الصاعدة. وهذا الأمر يشكّل ضرورة قصوى في التصدي للتطرف الفكري، الذي أصبح ينتشر في معظمه بين الشباب،  ويتطور بسرعة بالغة، إلى عنفٍ وإرهاب وإنحراف، تأباه النفس البشرية ويرفضه العقل والدين.

لذلك، فإن تربية الناشئة على الإعتدال في السلوك والتوازن الفكري، والإستقامة والثبات في العقيدة، وثقافة الإنفتاح، والحوار بالحسنى، ومقارعة الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان والدليل، وقبول الآخر، وحق الإختلاف، كل ذلك يجب أن يكون في صلب عملنا السياسي ودعوتنا للوسطية، من أجل العيش بسلام على هذا الكوكب.

ولعله من نافل القول أن تشمل تربيةُ الناشئة على كلِّ ذلك، تأهيل الأسرة وإعدادها تربوياً، وتعديل البرامج المدرسية والجامعية، وتطبيق المناهج التفاعلية، في سبيل تنمية ملكة الحوار عند الطلاب، وتعويدهم على الديمقراطية، من خلال الدخول في النوادي الفكرية الجامعية. كما علينا أن نولي الإهتمام الكافي بالبيئة المحيطة بنا، من جمعيات إجتماعية ودينية، ونوادٍ كشفية ورياضية، وأحزاب سياسية، التي تساهم، مجتمعةً، كلها في تكوين شخصية وسلوك أبنائنا. يضاف إلى كل ذلك طبعاً وسائل التواصل الإجتماعي على الشبكة الإلكترونية التي أضحت من أهم وسائل التواصل بين الأجيال الصاعدة وتلعب دوراً كبيراً جداً في تكوين فكر وثقافة وسلوك وممارسة الشباب في شتى الإتجاهات.

إن دعوتنا للوسطية تنطلق من إيمان ثابت بأن الوسطية الجامعة، هي محور التلاقي بين جميع الأطراف المتنازعة، التي، مهما طال وقت النزاع فيما بينها، لن يستطيع أحد منها أن يلغي الآخر، ولا بد لها أن تتحاور في النهاية وتلتقي حول الوسط الجامع. هذا الوسط الجامع، هو الواقع الأفضل الذي يلتقي حوله الجميع إذا أرادوا مصلحة الوطن، والعيش الواحد بأمانٍ وسلام. وقد أثبتت التجربة ذلك في لبنان، في ماضيه وحاضره. وآخرها كان إتفاق الطائف الذي أجمعت حوله جميع القوى السياسية. هذا الإتفاق شكّل الوسط الجامع للأطراف المتحاربة التي إستمرت في حروبها مدى خمسة عشر عاماً متتالية. فكان الحوار الصريح بين مختلف القوى السياسية، والإتفاق الذي نتج عنه هو الذي وضع حداً لهذه الحرب العبثية التي أزهقت أرواح حوالي خمسين ألف شهيد وما يزيد على مئة ألف جريح وكبدّت البلد خسائر تقدّر بمليارات الدولارات.

 

أيها الإخوة الأكارم،

إننا نتطلع لأن يكون هذا المؤتمر، وما فيه من أبحاث ومناقشات، دافعاً لنا جميعاً لتفعيل وتنشيط منتدياتنا الوسطية لتقدم للعالم أجمع الفكر الوسطي السليم، الذي يدعو دائماً لنشر ثقافة السلام العادل والمستمر في مختلف أرجاء المعمورة.

 

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.