في "ندوة اللامركزية هي الطريق إلى الإنماء والإستقرار" 06 August 2015

أيها الحفل الكريم

يطيب لي أن أكون معكم اليوم في هذا اللقاء العلمي المميز، وبدعوة كريمة من صاحب الكتاب المفيد "اللامركزية – الطريق إلى الإنماء والإستقرار" عنيت به د. زكريا حمودان، ومن الرابطة الثقافية ودار سائر المشرق.

وإذا كانت الأحداث السياسية والأمنية في لبنان وفي المنطقة، تتقدم على غيرها من المواضيع، من حيث الإهتمام والمتابعة المتواصلة، فإن الحديث عن اللامركزية الموسعة وربطه بالإنماء أولاً، الذي يؤدي بدوره إلى الإستقرار المنشود، يشكل أهمية بالغة، ذلك أنه يضع الأسس السليمة لعمل الإدارات المختلفة في مشروع الدولة الحديثة، التي نأمل أن تبصر النور في القريب العاجل إن شاء الله.

لا بد من التأكيد بأن مفهوم اللامركزية الإدارية ليس مفهوماً مستحدثاً في النظام اللبناني، بل هو مأخوذ عن النظام الفرنسي، حيث أنه لا يزال يحظى بتطور مستمر في مختلف دول العالم، لما له من تأثير مباشر على الإنماء المتوازن.

بداية وأولاً لا بد من القول أن المركزية الإدارية موجودة في لبنان بأوسع أشكالها، وفقاً لتعريفها "تركيز السلطات في العاصمة".

فالسلطات الثلاث، رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء مركزها في العاصمة بيروت كما أن نسبة 90% من وزارات الدولة، تقع في العاصمة أيضاً. والـ10% الباقية في ضواحي بيروت. وربما يكون هذا بديهياً. أما الإدارات العامة الأخرى فهي تتركز في العاصمة أيضاً، بما فيها هيئات الرقابة الأربعة: مجلس الخدمة المدنية، ديوان المحاسبة، التفتيش المركزي، والهيئة العليا للتأديب. وحتى المؤسسات العامة الكبرى ذات الإستقلال الإداري والمالي، وهي أحد العناصر الرئيسية في مفهوم اللامركزية المرفقية، فهي تقع في العاصمة أمثال: الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، أوجيرو، كهرباء لبنان ومجلس الإنماء والأعمار، والمؤسسة العامة لتشجيع الإستثمار في لبنان وغيرها.

وعلى الصعيد الإقتصادي – المالي، المركز الرئيسي لمصرف لبنان هو في بيروت، والمراكز الرئيسية للمصارف اللبنانية – حيث سلطة القرار - في بيروت، وكذلك الشركات التجارية الكبرى الأجنبية والوطنية، دون المؤسسات الصناعية التي هي مجبرة أن تكون في الضواحي أو المناطق.

وكان لهذا كله الأثر المباشر على الفارق في الإنماء ما بين العاصمة والمناطق، ونزوح وكثافة سكانية في العاصمة، وإزدحام في السير عند مداخل العاصمة وضمنها، وإرهاق وهدر للمواطنين في وقتهم ومالهم.

ثانياً: بدأت مظاهر الإبتعاد عن تطبيق المركزية الإدارية والتخفيف من حدتها في النظام الإداري اللبناني من خلال المرسومين الإشتراعيين 111 و112/ 59 المتعلقين بنظام الموظفين وتنظيم عمل الإدارات العامة، وهو نظام اللاحصرية بأبعاده الثلاث:

·        المحافظة

·        القضاء

·        الأقسام والدوائر والمصالح في المناطق

وهذا البعد الثالث، يقضي بتمثيل الوزارات من خلال موظفين إداريين في المناطق، تابعين للإدارات المركزية في العاصمة، وذلك بهدف تخفيف جزئي للإنتقال والمصاريف والوقت عن كاهل المواطنين وأصحاب المعاملات.

ثالثاً: نشأت في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب عدة مصالح مستقلة، مثل: الضمان الإجتماعي، الإنعاش الإجتماعي، مجلس تنفيذ المشاريع، الهيئات الرقابية، مجلس الخدمة المدنية، ديوان المحاسبة، التفتيش المركزي وغيرها.

إلا أن مفهوم اللامركزية الإدارية المرفقية، تطور عام 1972 من خلال صدور النظام العام للمؤسسات العامة، الذي ينظم عمل وإدارة هذه المؤسسات، مثل المرافئ، مصالح المياه، معرض رشيد كرامي الدولي، وهيئات أخرى متخصصة، تم إنشاؤها بموجب قوانين خاصة بها، مثال: كهرباء لبنان، أوجيرو، المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمار "إيدال"، ومجلس الإنماء والإعمار وغيرها.

رابعاً: اللامركزية الإدارية في عمل البلديات

تعتبر البلديات خير نموذج معبر عن اللامركزية الإدارية المناطقية وفق جغرافيا محددة ووفق القوانين الخاصة بها. ولها شخصية معنوية وإستقلال إداري ومالي. وهي تمتاز عن المؤسسات العامة أن مجلسها ينتخب مباشرة من الشعب، ولا يعيّن من السلطة السياسية. ورئيسها هو رئيس السلطتين التقريرية والتنفيذية. وينتخب من المجلس البلدي المنتخب بإستثناء العاصمة بيروت التي يعتبر المحافظ هو رئيس السلطة التنفيذية فيها.. كما تمتاز البلديات عن المؤسسات العامة، بإختصاصاتها وصلاحياتها، بدءاً من ترخيص المباني، وشق الشوارع، وتأمين النظافة، ومرافق السير في المدينة، والأمور الصحية والإجتماعية والتربوية والتنموية وسلامة الغذاء، ووضع الموازنة وقطع الحساب والأمور البيئية وإنشاء الحدائق وجباية الرسوم وغيرها. وتجدر الإشارة إلى أن قوانين البلديات لا تنص على طائفية الترشيح والإنتخابات، وهذه ميزة هامة يقابلها أعراف معتمدة يتم خرقها في كثير من الأحيان. (وهو الأمر الذي لم يركز عليه مؤلف الكتاب الذي نحن بصدد مناقشته)

خامساً: ملاحظات على اللامركزية الإدارية في عمل البلديات:

1.    وجود الوصاية التسلسلية بدءاً من القائمقام على بلديات المناطق، شمولاً بالمحافظ في عواصم المحافظات، وصولاً إلى وزير الداخلية والبلديات على بلدية العاصمة وباقي البلديات، بعد أن صار وزير الداخلية وزيراً للداخلية والبلديات. والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يكون لهؤلاء الأفراد سلطة تفوق سلطة مجلس بلدي، منتخب من الشعب مباشرة، ولو كانت سلطة وصاية أو رقابة مالية أو ما شابهها وهو أمر يحتاج إلى التعديل وإيجاد النص الأكثر ملائمة - مثل مجلس المحافظة كبديل أو مجلس القضاء.

2.    أما من الناحية المالية، فيحق للمجلس البلدي فرض الرسوم المناسبة على رخص المباني، والتسويات للمخالفات، أو على المعاملات البلدية الأخرى، ولكل بلدية بما يتناسب مع أوضاعها ومنطقتها. وتتشكل وارداتها من خلال التحصيل المباشر، كما لها نسبة معينة من إيرادات المؤسسات العامة الأخرى، كالكهرباء والهاتف المحمول والثابت والمياه والحفلات والمرافئ إن وجدت. تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة تحويل هذه المستحقات إلى البلديات للقيام بمشاريعها الإنمائية، ومساعدتها في إستقلالها المالي الفعلي.

3.    أما بالنسبة للمشاريع الإنمائية فيحق للبلديات أن يكون قرارها حاسماً في هذه المشاريع، ولا يجوز فرضها من مجلس الإنماء والإعمار، من حيث الدراسات وتوقيت التنفيذ والإشراف والرقابة (مثال: موضوع المرآب في طرابلس). لا شك بأن تكريس وتفعيل دور البلديات وإتحادات البلديات، هو الوسيلة الأسرع بإتجاه عملية تطبيق اللامركزية، لجهة تفعيل المشاريع الإنمائية في المناطق، ويجب أن تستغل النصوص القانونية الموجودة في حدها الأقصى.

سادساً: وفي معرض الحديث عن تفعيل العمل البلدي، تجب الإشارة إلى العملية الإنتخابية، والإصلاحات المطلوبة والملحة في هذا المضمار، وأهمها إقرار وتطبيق قانون النسبية في العملية الإنتخابية، لأنه يؤدي إلى أفضل تمثيل سياسي وفعلي. ذلك أن إستمرار تطبيق القانون الأكثري يؤدي دوماً إلى حرمان فئات وشرائح ومذاهب معينة في التمثيل النيابي والبلدي والسياسي عموماً.

سابعاً: إن دور الإتحادات البلدية من خلال رؤسائها يجب أن يكون هو المنطلق لتشكيل اللجان التحديثية للقوانين والأنظمة البلدية، بما فيها إعادة النظر بهيئات الوصاية والرقابة الإدارية والمالية، وبإتجاه تفعيل اللامركزية الإدارية وتحديثها بما يتناسب مع روح العصر، ومنطلقات التنمية الشاملة والمستدامة.

وبالعودة إلى كاتبنا ومؤلفه، لا بد من الإشارة إلى بعض الملاحظات في الشكل حيث أن الكاتب لم يشر إلى المراجع التي إستقى منها هذه المعلومات سواء في عرضه لنشأة اللامركزية في العالم، ولا في قراءته للتجارب العالمية، وما حققته اللامركزية في العالم، ولا في أي باب من أبواب وفصول الكتاب التي يراعيها في الفهرست، ولا يشير إليها داخل الكتاب. لا شك أن التسلسل الذي إنتهجه الكاتب قد أوصله إلى النتيجة التي أرادها في عنوان الكتاب، وسعى إليها في مجمل عناوينه. وهذا ما يجعلني أنتقل إلى الحديث في المضمون.

ينطلق الكاتب في مؤلفه، من التعريف "بأن اللامركزية الشاملة، ترتكز على تصدير شامل لجميع ما يخدم مصلحة المواطنين في مناطق جغرافية محددة (مثال المحافظة والقضاء) ضمن الدولة الموحدة القوية. الأمر الذي يستدعي تصديراً للعديد من المهارات والتقنيات والمهام المنوطة بالسلطة المركزية، فتنتقل لتصبح ضمن مهام السلطة اللامركزية المنتخبة، الأمر الذي يستلزم توزيعاً عادلاً ومتوازناً للموارد المالية على المجالس المحلية المنتخبة التي يجب أن تستحدث لإدارتها" والتي يتحدث عنها الكاتب لاحقاً وبالتفصيل. (ص 29)

لا شك في أن اللامركزية السياسية تعني الفيدرالية، وهي لا تتناسب مع طرح الكاتب حول اللامركزية الموسعة المراد تحقيقها في لبنان، إنطلاقاً من إتفاق الطائف وأهمية الحفاظ على الدولة القوية الموحدة. وبالتالي، فالتركيز في الكتاب هو على اللامركزية الإدارية، كسياسة تنظيمية لإدارة الدولة من الناحية الإنمائية.

ويرى الكاتب أن اللامركزية هي الطريق إلى الدولة المدنية ويشجع على تضييق دائرة المحاسبة وتوسيع صلاحياتها التنفيذية.

كما أن الكاتب في الصفحة 73 من الكتاب ينتقد النظام التوافقي الحالي ويصفه بأنه "تحاصصي بإمتياز، أما الحكومات التي يعتبرونها إئتلافية فهي طائفية بالدرجة الأولى".

وهنا لا بد لي أن أوضح بأن تعديل الدستور ووثيقة الوفاق الوطني في الطائف لم تطبق بكاملها، من حيث الإنماء المتوازن، ومجلس الشيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية، واللامركزية. ومن هنا تمسكنا بضرورة تطبيق هذا الإتفاق لأنه الأنسب في الوقت الحاضر، للإستفادة من التجربة، لا سيما بعد إستقرار أوضاع المنطقة.

 أما الحديث عن الفيدرالية السياسية والإتحاد الفيدرالي الذي يتحدث عنه الكاتب في الصفحة 74 من كتابه. فالإختلاط والتداخل لدى كثير من المواطنين أمر شائع، فاللامركزية السياسية لا توجد في الدولة الموحدة التي تقوم على فكرة الدستور الواحد والسيادة الواحدة والحكومة الواحدة تشريعاً وتنفيذاً وقضاءً، أما في دولة الإتحاد الفيدرالي فهناك الحكومة المركزية، ولها دستور هو الدستور الإتحادي، وإختصاصات وصلاحيات الحكومة المركزية، تتمثل فقط فيما هو محدد في الدستور الإتحادي، وتدور حول ما هو عام للإتحاد المركزي، من أمن ودفاع وسياسة خارجية وسياسة مالية. وأما ما عدا ذلك فهو يدخل ضمن إختصاصات الولايات التي تتشكل منها الدولة، ولكل ولاية دستورها الخاص وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ولها حاكمها الخاص الذي هو بمثابة رئيس لهذه الولاية، والعلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية تتحدد حسب الدستور الإتحادي والدساتير المحلية، وفي حالة ظهور أي تضارب في الصلاحيات بين أية ولاية والحكومة المركزية أو بين ولاية وولاية أخرى فإن المحكمة الفيدرالية العليا هي التي تبت وتفصل في الأمر وحكمها فوق الجميع. أما بخصوص الدعوة إلى اللامركزية الإدارية، فهي ترتبط بإتجاه أغلب الدول بمجتمعاتها نحو الديموقراطية والمشاركة بمفهومها الموسّع السياسي والاداري والاجتماعي والاقتصادي، وبرغبةٍ أكثر للدول في توزيع الوظيفة الادارية بين الحكومة المركزية في العاصمة وبين الهيئات المحلية الاقليمية أو المصلحية المرفقية. إن وجود اللامركزية الادارية في الدول، يساعد على حصر عمل ووظيفة الادارة المركزية على المسائل العامة، والأمور الأساسية الجوهرية في الدولة، مع ترك المجال للادارة المحلية والمجالس المحلية للقيام بالكثير من الادوار المهمة في مجال الخدمات والتنمية بكافة أشكالها التربوية والاقتصادية والثقافية والصحية، في سبيل تحقيق المزيد من التقدم والحياة الكريمة للمواطنين.

ولقد اهتم اتفاق الطائف باللامركزية الادارية تقديراً لدورها ولقدرتها على تحقيق التنمية والتوازن بين الأقاليم على كافة المستويات، حيث وردت خمسة بنود في إتفاق الطائف، واضحة المعالم فيما يخص تطبيق اللامركزية الإدارية، كاحدى الحلول العملية للمزيد من التنمية والتطوير. ولكن للأسف الشديد فإن هذا الشق هو أيضاً من البنود التي لم تطبق في إتفاق الطائف. وهذا ما يجعلنا نرفع الصوت عالياً حول تطبيق ما تبقى من بنود هذا الإتفاق، الذي أجمع حوله اللبنانيون وأخرج الوطن من حربٍ عبثية إستمرت 15 عاماً.

وقبل أن أختم، أود أن أشير بأن اللامركزية الإدارية تطبق حالياً في العراق، وهذا ما سمح بالإنماء المتوازن في مختلف الأقاليم، على الرغم من عدم الإستقرار السياسي المتواصل في هذا البلد، والمرتبط بوضع المنطقة عموماً. كذلك فإن إقتراح اللامركزية الإدارية في سوريا، يشكل جزءاً من الحلول المتداولة فيما يخص الوضع العام في سوريا.

وأخيراً، وبرأيي المتواضع أختم بالقول موافقاً على رأي الكاتب بأن اللامركزية الإدارية، هي الطريق للإنماء أولاً والإستقرار ثانياً، وأما اللامركزية السياسية فهي تنقلنا من النظام البرلماني الديمقراطي الحالي، إلى الفيدرالية والإتحاد الفيدرالي فإني أتفق مع الكاتب أيضاً على عدم ملاءمتها مع وضعنا في لبنان، والأفضل لنا العودة إلى دستورنا، وإنتخاب رئيس للجمهورية، وإصدار قانون إنتخابات نيابي جديد كما نص إتفاق الطائف على ذلك، وإنتخاب مجلس نواب جديد بدل بدعة التمديد، وكذلك التمسك بعراقة لبنان التعددية والديمقراطية، والتي كانت ويجب أن تكون مضرب المثل، حتى نكون وطن الرسالة، مع مراعاة وتثبيت وتكريس مبادئ اللامركزية الإدارية الفاعلة، التي تحظى بتطوير واسع في مختلف دول العالم، وتساهم في عملية الإنماء المتوازن في هذه الدول.

 

شكراً لحسن إستماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.