في حفل توقيع كتاب "بيت في القصيد" للأستاذ فيصل طالب 17 March 2016

أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          وبعد، يسعدني أن أكونَ معكم اليوم، بعد أن شرّفني الأخ والصديق الأستاذ فيصل طالب، بالحديث إليكم، حول كتابه "بيت في القصيد". وما أن أهدى إليّ هذا الكتاب حتى وجدتُ نفسي أقرأه بنهم بالغ وسرور كبير، لما حواه من عناوين لأبواب وفصول، منها ما صدر كمقالات في بعض الجرائد، ومنها أبحاث قُدّمت في مؤتمراتٍ وندواتٍ تربوية وغيرِ ذلك. وكلها مصاغةٌ بأسلوبٍ راقٍ جداً، ولغةٍ تأخذ بالألباب، ومنهجية بحثية وعلمية عميقة. فالكلمةُ في مكانها مسكوبة، لا تكاد تجد أبلغ منها في التعبير عما أراده الكاتب، والفكرة تلو الفكرة، في تسلسلٍ غايةٍ في الإبداع. رغم أن الجمل تطول وقد تصل إلى عشرة أسطر أحياناً في الجملة الواحدة، مما يستوجب تركيزاً مهماً حتى لا يضيع الهدفُ والمعنى.

وإذا كان لا بد من كلمةٍ أيضاً في الشكل، فقد قسّم الكاتب كتابه إلى ثلاثة أقسام غيرِ متساوية;

القسم الأول: في البناء التربوي وفيه 15 باباً ويقع في 138 صفحة،

القسم الثاني: في الإنماء الثقافي وفيه14 باباً ويقع في 63 صفحة،

 والقسم الثالث: في الإنماء الإداري وفيه باب واحد ويقع في 11 صفحة.

فقد حاز القسم الأول على الحيز الأكبر من الكتاب لأهميته البالغة جداً في بناء المجتمع على أسس سليمة ومبادئ قويمة وقيمٍ مستقيمة.

ففي "البناء التربوي" يفتتح الكاتب هذا القسم بفصل بعنوان "بالتربية نبني..." وفيه يؤكد "على الإرتكاز على ركني التربية الأسرة والمدرسة". ذلك أن هذا الركنان، يشكلان المحوران الأساسيان في إعداد الإنسان، وبناء شخصيته، و"لا بناء لوطن قبل إعداد هذا الإنسان. وكل عمل خارج هذا الإطار، هو زخرفة وتمويه لبنيان متصدع من الداخل، لا يلبث أن ينهار عند الإمتحان الأول". ويكتسب هذان الركنان الأهمية البالغة في عصرنا اليوم، عصر المعرفة، حيث أصبحت كل أنواع المعلومات والمعارف في متناول اليد، بما فيها من غثّ وسمين، ومفيد وضار، وخير وشر. ولا يحمي الناشئة من ذلك إلا تربيةٌ مبكرةٌ تبدأ في الأسرة وتتواصل في المدرسة والجامعة. "فالمؤسسات التربوية ليست مركزاً لتلقي العلم فقط، وإنما هي معمل بشري، ومكان طبيعي مناسب للتفاعل الإنساني بشقيه الفاعل والمنفعل، والذي يشكل نواة التكامل والتوازن النفسيين عند الفرد، بحيث يصح القول في هذا التفاعل أنه المؤشر الحقيقي لنمو المجتمع وتطوره، من خلال تطور القدرة الذاتية للإنسان على العطاء والإبداع" كما يقول الكاتب. فلا يجوز لهذه المؤسسات أن يقتصر دورها على التعليم، كما هو حالنا اليوم. ويحضرني هنا قول الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله الذي كان يقول: إذا كنا محتاجين إلى مثقال من التعليم، فنحن أحوج منه إلى قنطار من التربية. هذا ما قاله الإمام في بداية القرن العشرين. فكيف هو حالنا اليوم؟ بعد قرن من الزمان، وقد إجتاحت العالم وسائل التواصل الإجتماعي المشرّعة أبوابها في كل إتجاه؟

ويرى الكاتب، أنّ أهم المرتكزات الأساسية، التي قامت عليها المناهج التعليمية الجديدة إثنتان: الإلتزام بمفاهيم جديدة منفتحة على عالم الحياة، ومواكبةٍ  لمسار التطورات المعرفية، وتحقيق ذات التلميذ وتمرّسه بالمسؤولية في بوتقة الجماعة والعمل التعاوني المؤسسي... وتربية الروح النقدية. كما يرى أن هذه المناهج يجب أن تقوم على ثلاثة أعمدة هي: العنصر البشري، والمسلتزمات المادية، والنصوص التنظيمية. فالتلميذ هو محور العملية التربوية، ولذلك وجب أن يكون تعليمه قائماً على مبدأ التكوين والتفاعل لا التلقين، وإكتساب المهارات، لا تخزين المعارف.

وفي باب "إعداد المعلمين بين كلية التربية والمركز التربوي: معطيات وتساؤلات" يعرض الكاتب لأهمية إنشاء دور المعلمين والمعلمات، وكيف أن هذه الدور التي وصل عددها إلى 34 داراً في لبنان، قد أنقذت كثيراً من المدارس التي أصابها الترهل والتراجع، وعادت إليها الحياة من جديد في حينها بفضل هؤلاء المتعلمين المتخرجين من هذه الدور. ويسلط الكاتب الضوء على الأعداد الضخمة من المعلمين المتعاقدين في المدارس الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، ويقول بأن "هذا الأمر يشير إلى الخطأ الكبير الذي وقع على المؤسسات التعليمية، لجهة عدم تمكين المراجع المختصة من أداء دورها في إعداد المعلمين المختصين".

كما يتناول الكاتب موضوع الإدارة المدرسية، وما لها من أهمية بالغة، فيعدّد مواصفات المدير الناجح في 16 بنداً هي في غاية الأهمية، وتصلح لتكون برنامجاً لتقييم مدراء المدارس الرسمية والخاصة على أساسها.

أما في موضوع الثانوية الرسمية والعلاقة مع المحيط، فهو يؤكد على دور مجلس الأساتذة، ويبرز العلاقة مع مجالس الأهل، ومع البلدية. وهذه العلاقة هي من الأهمية بمكان، ليتأمّن إحتضان المدرسة من قبل مؤسسات المجتمع المحلي والمدني. ويخصص الكاتب باباً كاملاً لعلاقة إدارة المدرسة بالأهل. فالعلاقة بينهما تكاملية، وتهدف إلى تنشئة التلميذ تنشئة سليمة، في كل المضامين العلمية والنفسية والصحية والإجتماعية وغيرها. ويتناول بالتفصيل التفتيش التربوي، أصوله ومرتكزاته وكل مضامينه، خصوصاً وأنه أمضى في التفتيش التربوي زهاء عشرين عاماً. ويؤكد على أهمية التحضير اليومي للدروس ويركّز على التحضير اليومي لدروس اللغة العربية كمثال، كونه الأستاذ البارع في تعليم اللغة العربية في بداية مشواره الطويل مع التربية والتعليم والثقافة، أستاذاً ومفتشاً تربوياً ومديراً عاماً للثقافة.

وفي مجاراته للحداثة في التعليم، يرى أن الهدف الأسمى للمناهج التعليمية الجديدة، يتمثّل في مساعدة المتعلم على التعلم الذاتي، والحدّ من دور المعلم التلقيني، والسعي إلى تكوين مهارات لدى التلامذة، وليس تزويدهم بالمعارف فحسب. فالتعليم التفاعلي بمختلف أنواعه هو المنهاج الحديث في عملية التعليم.

وفي باب "المطالعة بين تحديات الإنترنت ومسؤولية التربية"، يتوقف الكاتب عند هذا الموضوع البالغ الأهمية، الذي نعتبره جميعاً من أهم التحديات التي تواجه أبناءنا في بناء شخصيتهم، وتكوين ثقافتهم، وصقل معارفهم. وإذا كان الإهتمام بالقراءة الورقية يتضاءل أمام الثورة الإلكترونية، وشيوع مواقع التواصل الإجتماعي، فإن على الأهل، كما على المدرسة أن يدرّبوا أولادهم على المطالعة، فخير جليس في الأنام كتاب.

ولا يغفل الكاتب عن دور الأندية المدرسية، من رياضية وكشفية وثقافية وبيئية وغيرها، ومالها من دور في تقوية شخصية التلميذ ودوره في المجتمع.

ويختم برأيه في الإمتحانات الرسمية، ويضع فيه النقاط على الحروف، مبدياً ملاحظاته القيمة على طريقة إجراء هذه الإمتحانات.

وبذلك يستكمل مشواره التربوي، وما يجب أن يكون عليه هذا البناء التربوي محيطاً بكل جوانبه، وملماً بجميع تفاصيله.

وهنا لا بد من الإشارة في ختام هذا القسم من الكتاب، بأن المؤلف قد إستطاع أن يتناول بالبحث والتمحيص، العديد من المواضيع ذات الصلة بالتربية والتعليم، بشكل ناجح وموفّق، خصوصاً، وأنه أمضى في هذا الحقل واحد وعشرين عاماً، أستاذاً ومفتشاً تربوياً، وكان ناجحاً في عمله.

وإذا كنا بالتربية نبني، فبالثقافة نحمي البناء، هكذا يبدأ المؤلف قسمه الثاني حول الثقافة وشجونها. فهو يرى في الثقافة، تعزيزاً للتنمية المستدامة، على قاعدة التفاعل بين السلطات المركزية والمحلية، وهيئات المجتمع المدني، لذلك كان لا بد من صونٍ للهوية الثقافية، وحمايةٍ للغتنا العربية من أخطار العولمة، إنطلاقاً من التربية والتعليم.

وفي محاضرة له في بيت الفن بحضور ممثلين عن المنتديات الثقافية في طرابلس في 23/4/2015،  وكان وقتها مديراً عاماً للثقافة يقول: "وإنه من الضرورة بمكان الإنتقال بمجتمعنا من ثقافة الأزمات المستمرة وارتداداتها على مختلف نواحي حياتنا، إلى ثقافة الحياة المستمرة، رغم كل الصعاب والمشكلات.... فثقافة "إضاءة شمعة خير من لعن الظلام". ويطرح في هذه المحاضرة سبعة عشر سؤالاً، في سبيل أن تكون طرابلس مدينة للثقافة، خصوصاً وأنها تختزن في تراثها وتاريخها، سجلاً ناصعاً في جميع الميادين. ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن هذه المحاضرة تصلح لأن تكون خارطة طريق لجعل طرابلس عاصمة مستدامة للثقافة، ولو كان العرف يقضي بأن يكون لقب عاصمة الثقافة متنقلاً بين الدول العربية من مدينة إلى مدينة. ثم يضيف في باب التراث الثقافي ومسؤولية إبرازه وإنمائه، ما بدأه في طرابلس ليعمّ لبنان ولينهض بالثقافة على صعيد الوطن من شماله إلى جنوبه.

ويسخِّر كل هذه المفاهيم في سبيل نشر ثقافة العيش الواحد في وطن واحد، فيؤكّد على تعميم مفهوم المواطنة وتكريس مبادئها ومرتكزاتها، وأن الرهان على التربية يشكل التحدّي الأساس، حتى نبني الأجيال بناءً جديداً سليماً، بعيداً من التقوقع والإنغلاق والخوف، مؤمنين بأن التعددية نعمة لا نقمة، ومصدر إغناءٍ وحيوية. ولا يكتمل ذلك إلا إذا كان الحوار بالحسنى سبيلاً للتواصل، وطريقاً للعيش الواحد.

ولا يخفى على القارئ إهتمام الأستاذ فيصل باللغة العربية، وكما تناولها في أكثر من باب في قسم التربية، فإنه يعود إليها في قسم الثقافة ليتناولها تمحيصاً، وهو الضليع بها، وخصوصاً أمام تحديات العولمة، فيحلل أسباب التراجع الناتج عن قصور أبنائها، وليس عن قصور فيها. ويطرح عدة تساؤلات في سبيل إتقان هذه اللغة.

أما في القسم الثالث والأخير، فيتناول الكاتب موضوع الإنماء الإداري في باب واحد، وضع له عنواناً شيقاً "الإدارة اللبنانية وفرص إصلاحها"، وكيف العمل للإنتقال من موسمية الإصلاح الإداري، إلى رحاب التأسيس لإدارة عصرية فاعلة ومتفاعلة. ويذكر الأسباب الموضوعية لسوء الإدارة الحالية وأهمها: التدخل السياسي في الإدارة، والقوانين التي تحكم الإدارة اللبنانية، التي مضى عليها ما يزيد عن الخمسين سنة بدون تحديث، وعدم إطلاق تقييم الأداء الوظيفي وتوصيفه، والمداورة التي أقرها إتفاق الطائف، وبقيت بدون تطبيق، وعدم إطلاق الإدارة الإلكترونية وعدم تطبيق اللامركزية الإدارية. وللحقيقة فإن هذا الباب يستأهل أن يكون كتاباً أو أكثر، وأرجو أن يحزم الكاتب أمره على ذلك.

 

وفي الختام، أؤكد لكم مشاطرتي للكاتب في جميع هواجسه التي تطرق إليها. ولعل في جميع هذه المقالات والأبحاث والكلمات التي تناولها الكاتب في أكثر من مناسبة، لدليل صادق على الإهتمام المركّز الذي أولاه الكاتب لهذه المواضيع التربوية والثقافية، في عمله وجُلّ إهتماماته.

كما ولا يسعني أخيراً إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل للدار المضيفة مؤسسة الصفدي الثقافية على إستضافتها هذا النشاط وإقامتها لمثله بشكل متواصل، ما يشكل حركة ثقافية مستدامة ومميزة في المدينة.

 

أشكر لكم إصغاءكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.