في إحتفال تخرج ثانوية المنية الإسلامية 19 May 2016

أيها الحفل الكريم

          يسعدني كثيراً أن أكونَ معكم في هذا الإحتفال التربوي البهيج، الذي ينضحُ بالعلمِ والثقافةِ وبالإيمان والقيم. في هذا الإحتفال نحتفل بثلة مميزة من الطلاب، تعبوا وكدّوا وإجتهدوا ليحصلوا على شهادة مميزة، تنقلهم إلى مستوىً جديدٍ في التعليم، فمنهم من ينتقل إلى التعليم الثانوي أو المهني، ومنهم من ينتقل إلى التعليم الجامعي، وفي كل خير. المهم في الأمر أن يكون ذلك بإرادتهم وبإختيارهم، خصوصاً، للإختصاص الجامعي أو المهني الذي يرغبون في متابعة تحصيلهم العلمي فيه.

 

أيها الإخوة الأكارم

          أود في حديثي إليكم اليوم أن أؤكد على أهمية إرتباط التربية بالعقيدة الدينية والقيم الحميدة إرتباطاً وثيقاً. فثانويتكم إنطلقت من "جمعية المنية الإسلامية الخيرية" التي أسستها ثلة من رجالات البلدة، منذ حوالي أربعين عاماً، وأعطت المدرسة من إسمها نصيباً كبيراً، فكانت "ثانوية المنية الإسلامية". ورحم الله المؤسسين، وبارك الله في جهود القائمين على الجمعية وفي إدارة الثانوية، على الجهود المتواصلة التي يبذلونها، لتستمر هذه المدرسة في أداء رسالتها كما أرادها المؤسسون، على أحسن وجه، وأتم جهد، وأفضل تربية.

وإذا كانت أول كلمة نزلت في القرآن الكريم، هي "إقرأ" فإن الآيات التي تلتها "إقرأ بإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم"  (العلق: 1-5) أوضحت أن مصدر المعرفة هو الله تعالى، وأن علم الإنسان هو فيض من علم الله عز وجل. وغاية المعرفة هي معرفة الله تعالى، ومن عرف الله تعالى وصفاته فقد عرف مصدر كل شيء في الوجود، وأدرك كنه العقيدة، وإذا كانت الحكمة هي أعلى مراتب المعرفة المقرونة بالعمل المناسب في الوقت المناسب والبيئة المناسبة، فإن "رأس الحكمة مخافة الله" كما يقول أهل الحكمة.

وإذا كان مصدر المعرفة هو الله نعالى، وغايتها أيضاً معرفة الله تعالى، فإن لا خير في علمٍ أو معرفةٍ لا توصل إلى الله تعالى، كما أنه لا خير في علمٍ أو معرفةٍ لا تكون منضبطةً بأوامر الله تعالى. من هنا كانت أهمية إرتباط التربية بالعقيدة الدينية عموماً، والإسلامية منها خصوصاً.

والقيم الإنسانية، فرع من فروع العقيدة الدينية، فقد خلق الله آدم عليه السلام، وبث فيه من روحه. ومع روح الله ومنها، زُرعت القيم في كيان الإنسان ومنها كان حبه للخير وكرهه للشر. ولذلك فمعظم القيم الإنسانية هي إشتقاق من صفات الله تعالى، وهذه القيم أساسها الثبات والإستقرار. ومن خصائصها في الإنسان، الواقعية والنسبية. بينما صفات الله تعالى هي صفات مطلقة، مميزة بالكمال المطلق.

أما الهدف والغاية من التعليم، فهما ولا شك يرتبطان إرتباطاً وثيقاً بعقيدة وفلسفة المجتمع الذي يقوم عليهما، فالمدرسة في الإتحاد السوفياتي السابق، زمن النظام الإشتراكي، تسمى "مدرسة العمل" لأن عليها إعداد العمال والفلاحين الذين يشكلون غالبية المواطنين ويمسكون بزمام السلطة. وفي الغرب، ومع ظهور الثورة الصناعية، إزدادت الدعوة إلى إعداد طبقة الصناع والحرفيين، الأمر الذي أدى إلى إعداد برامج التعليم الفني والتقني في مدارس أوروبا، والتي تجمع في برامجها ومناهجها بين قدر بسيط من العلوم الأكاديمية، إضافة إلى التدريب المهني لإعداد خريجين للعمل في ميدان الصناعة.

أما اليوم، وفي عصر المعرفة وثورة المعلومات والإتصالات، فإن الأهداف والغايات التي يجب أن تحكم مسار التعليم هي تمكين المتعلم من أدوات المعرفة، وتنمية القدرات والمواهب، وتزويده بالمهارات اللازمة لمواجهة العصر، وكذلك تنمية روح المبادرة والإبداع والريادة لديه.

ولا يكون ذلك، إلا إذا تواكب مع إعداد وتدريب مستمرين للمعلمين، وحداثة وتطوير دائمين للبرامج والمناهج التعليمية وتوجيه مهني سليم للطلاب في مراحل الدراسة المختلفة، يؤدي بهم إلى إختيار صحيح لإختصاصاتهم الجامعية، تتناسب مع كفاءاتهم العلمية وتكوينهم المعرفي، ومع حاجات المجتمع. كما يجب أن يترافق ذلك مع زرع حب التعلم المستدام في نفوسهم ليستطيعوا مواكبة العصر، وما فيه من تقدم علمي متسارع، ومن ثم مواكبة المستقبل بمستجداته وإكتشافاته وإبداعاته، خصوصاً أن واقع التعليم اليوم هو مرآة المستقبل والغد المرتجى.

أيها الإخوة الأكارم

          إن تطور إقتصاد العالم الحديث، يقوم بنسبة عالية على الأبحاث العلمية المتقدمة، التي تجد طريقها إلى الدخول المباشر في عملية تطوير المجتمع، وذلك من خلال إنشاء شركات ناشئة Start up Comp. تؤمن فرص العمل للناس، وتحد من البطالة وتدفع عجلة التطور إلى الأمام. وهذا كله هو مصداق دعاء الرسول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما". إذ لا خير في بحث علمي لا يقود إلى نفع الناس والمجتمع. من هنا كانت أهمية زرع روح الريادة Entrepreurship skill  في نفوس أبنائنا الطلاب، حتى يرغبوا ويتمكنوا من التعاطي بإيجابية مع الإبداع في أبحاثهم، وتطوير هذا الإبداع  ليصبح شركة ناشئة، تحقق لهم مدخولاً مادياً مجزياً وتؤمن فرص العمل لغيرهم.

 

أيها الأحبة الكرام

          في الختام كل التهاني للطلاب الخريجين الذين تعبوا وكدّوا، ولأهليهم الذين سهروا على راحتهم، وواكبوهم بالدعاء بالتوفيق والنجاح. كل الشكر والتقدير لإدارة الثانوية ولأساتذتها الكرام الذي لم يبخلوا بالعطاء المتواصل، وللجمعية المشرفة التي تسعى على القيام بكل ما يلزم حتى تكون ثانوية المنية الإسلامية في مقدمة المدارس المشابهة.

 

 

وفقكم الله لكل خير والسلام عليكم