في ندوة "القطاع التربوي في لبنان بين الواقع والمرتجى" تنظيم مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية في الجيش اللبناني 26 May 2016

 

أيها الحفل الكريم

          بداية كل الشكر والتقدير لمركز البحوث والدراسات الإستراتيجية في الجيش اللبناني على هذه الدعوة الكريمة، والقيام بهذه الندوة الهامة، حول القطاع التربوي في لبنان بين الواقع والمرتجى. والإهتمامُ بهذا القطاع يمثل الإهتمام بمستقبل لبنان. ذلك أن التعليم كان ولا يزال مرآة المستقبل.

حديثي إليكم اليوم بعنوان الحداثة والتحديث في التعليم وإعداد المعلمين ينقسم إلى ثلاثة محاور، هي:

1.     الحداثة في المناهج التعليمية

2.     التحديث في إستعمال الوسائل التعليمية والتكنولوجيا

3.     إعداد المعلمين وتدريبهم

 

1.     الحداثة في المناهج التعليمية:

ﻻ ﺷــﻚ في أن اﻟﻌﻮلمة،وﻣـﺎ راﻓﻘﻬــﺎ ﻣــﻦ اﻧﻔﺘــﺎح ﻣﻌــﺮفي وثورة في الإتصالات والتكنولوجيا، أوﺟﺒت الحاﺟﺔ إلى ﻣﻬﺎرات وﻛﻔﺎﻳﺎت ﻋﺎﻟﻴﺔ وﻣﺘﻘﺪﻣﺔ، عند الأجيال الناشئة. وﻛﻠﻤﺎ ﺗﻘﺪم اﻟﻌﻠﻢ، ﻛﺎﻧﺖ الحاجة إلى المزيد من ﻫﺬﻩ المهـﺎرات واﻟﻜﻔﺎﻳـــﺎت اﻟــتي يجـﺐ أن يحصـﻞ ﻋﻠﻴﻬـا المتعلم، وخصوصاً في مراﺣﻞ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻷولى.

 

ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈن الحداﺛﺔ في اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ يجـﺐ أن ﺗﺮﺗﻜـﺰ، ﻋﻠـﻰ اﻻﻧﺘﻘﺎل ﻣـﻦ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﺘﻠﻘﻴني، المتمحـﻮر ﺣـﻮل المعلم واﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ الحفظ والمذاﻛﺮة وﺗﻨﻤﻴﺔ اﻟـﺬاﻛﺮة، إلى اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﺘﻔﺎﻋﻠﻲ، المتمحور ﺣـﻮل المتعلم واﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﻬـﻢ واﻟﺘﺤﻠﻴـﻞ واﻻﺳـﺘﻨﺘﺎج، واﻟﺘﻔﻜير المنطقي، واﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠـى ﺣـﻞ المشكلات، وخصوصاً في ﻣـﻮاد اﻟﻌﻠـﻮم واﻟﺮﻳﺎﺿـﻴﺎت، واﻟﺘﻤﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ كيفية الحصـﻮل ﻋﻠﻰ المعلومات ﺑﺴﺮﻋﺔ، وإستخدامها بشكل فعّال وصحيح، وﺧﻼﻓــﻪ. ﻛـﻞ ذﻟـﻚ ﻣـﻦ ﺷــﺄﻧﻪ أن ﻳـﺆدي بالمتعلم إلى اﻟﻮﺻـﻮل إلى اﻻﻛﺘﺸـﺎف واﻹﺑـﺪاع، وﺗﻘـﺪيم الحلول المبتكرة، وﻣﻮاﺟﻬـﺔ اﻟﺘﺤـﺪﻳﺎت الناجمة ﻋـﻦ اﻻﻧﻔﺘاح المعرفي، وﺗﻨوع اﻟﺜﻘﺎﻓﺎت. ﺧﺼﻮﺻﺎ أن اﻟﻌﺎلم اﻟـﺬي ﻧﻌﻴﺸﻪ اﻟﻴﻮم ﻳﺸﻬﺪ ﺗﻐـيرات ﻣﺘﺴـﺎرﻋﺔ في ﻛﺎﻓـﺔ ﺟﻮاﻧﺐ الحياة، محورها اﻷﺳﺎس اﻹﺑﺪاع وﻧﺸﺮ المعرفة، وتطبيقات ذلك على صعيد الحضارة الإنسانية عموماً.

وأﺣﺪث ﻃﺮق اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ وأﺳﺎﻟﻴﺒﻪ ﻫــﻲ اﻟﻄﺮق اﻟﻨﺸــﻄﺔ، اﻟتي ﺗﺸﺠﻊﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺎون بين المتعلمين، والمتمحورة حول المتعلّم.  وهي الطرق التي تشرك المتعلمين في عمل أشياء تجبرهم على التفكير في ما يتعلمونه ومنها:

·        التعلم اﻟﺘﻌﺎوﻧﻲ: وﻓﻴﻪ ﻳتم ﺗﻘﺴـﻴﻢ ﻃﻠﺒﺔ اﻟﻔﺼﻞ إلى مجموﻋـﺎت ﺻـغيرة ﻏـير متجاﻧﺴﺔ، تُعطى كل مجموعة مهمة تعليمية، وﻳﻌﻤﻞ ﻛﻞ ﻋﻀـﻮ في المجموعة وﻓـﻖ اﻟﺪورالمكلف ﺑﻪ، ﻟﺘﺤﻘﻴـﻖ الهدف المشترك. ثم ﺗﻌﻤـﻢ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻋﻤﻞ المجموعات ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻓﺔ المتعلمين. وهذا النوع من التعلم يمكن تطبيقه في مختلف المواد النظرية والتطبيقية على حد سواء.

·     التعلم ﺑﺎﻟﺘﻘﺼﻲ: وﻓﻴﻪ ﻳﺴﺘﻜﺸﻒ اﻟﻄﻼب اﻟﻈﻮاﻫﺮ المحيطة، والمواضيع اﻟﻌﻠﻤﻴــﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻷﻧﺸـطﺔ اﻟﻴﺪوﻳﺔ (Hands on)، وﻳﻄﺮﺣﻮن اﻟﻔﺮﺿﻴﺎت، وﻳﻘـﺪﻣﻮن اﻟﺘﻔﺴيرات وتحاليل اﻟﺒﻴﺎﻧﺎت، ﻟﻠﻮﺻﻮل إلى المعرفة اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ المطلوﺑﺔ. وهذا النوع من التعلم يمكن تطبيقه في مواد العلوم على إختلافها مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وغيرها.

·        التعلّم اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﺣﻞ اﻟﻤﺸﻜﻼت: في ﻫـﺬﻩ اﻻﺳـتراﺗﻴﺠﻴﺔ ﻳﻘﻮم المتعلم ﺑﺒﻨﺎء المعرﻓـﺔ ﺑﻨﻔﺴـﻪ، وﻳﺘﻤﺜﻞ دورالمعلم فيه ﺑﺘﻮﻓير ﻣﺼﺎدراﻟـﺘﻌﻠﻢ المختلفة، وﻣﺴـﺎﻋﺪة المتعلم ﻟﻠﻮﺻﻮل إلى المعرﻓﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل ﺣﻞ ﻣﺸـﻜﻼت ﻣﻌﻴﻨــﺔ وﻳﺴــﺎﻋﺪ ﻫــﺬا اﻟﻨـﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﻌﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻤﻴﺔ اﻟﺘﻔكير واﻟﺘﺤﻠﻴﻞ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻋﻨﺪ المتعلم. وهذا النوع من التعلم يمكن تطبيقه في مواد الرياضيات على إختلافها.

 

·   التعلّم اﻟﺘﻤﺎﻳﺰي: ﻫـﺬا اﻟﻨﻮع ﻣـﻦ اﻟﺘﻌﻠّﻢ ﻳﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﻣﺮاﻋﺎة اﻟﻔﻮارق في إﻣﻜﺎﻧـﺎت المتعلمين وﻗـﺪراتهم، وﻳﻘﺘﻀﻲ ﻣﻌﺮﻓـﺔ ﺧﺼـﺎﺋﺺ وﻗـﺪرات ﻛﻞ ﻣﺘﻌﻠّﻢ ﻋﻠﻰ ﺣـﺪة، وﺗﻘـﺪيم ﺑﻴﺌﺔ ﺗﻌﻠّﻤﻴﺔ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴـﻊ، ﻣﻊ ﻣﺮاﻋـﺎة اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت بين المتعلمين، خصوصاً أن ﻛﻞ متعلّم يأتي إلى المدرسة محملاً بخبرات مختلفة، ومن بيئة مختلفة. وهذا النوع من التعلم يمكن تطبيقه في المواد النظرية على تنوعها.

لا شك في أن التعليم التقليدي كان يقتصر على إيصال المعلومات، المتدرجة والمترابطة، جاهزة إلى الطالب من خلال الكتاب المقرر وشرح الأستاذ. أما التعليم الحديث والطرق النشطة في المناهج التعليمية فهما يعتمدان على طبيعة التفاعل بين الطالب والمعلم، وعلى مدى الإعتراف المتبادل بينهما كشريكين في المشروع المعرفي. أي أن التعلم أصبح يعتمد على أسلوب التفاعل والإكتشاف الفكري، والنشاطات التي تشحذ الذهن والتفكير لدى الطالب، وتوفر له ممارسة مهارات التعلم والربط بين الموضوعات مستعيناً بالتقنيات المتطورة وبالمعلوماتية، كجزء متكامل مع العملية التعليمية.

أختم بالقول، إن تطبيق هذه المناهج التعليمية الحديثة، يستوجب تعديلاً في البرامج ونمط الأسئلة في الإمتحانات الرسمية، حتى يكون التكامل كاملاً بين ما يتعلمه الطالب، وما هو مطلوب منه في الإمتحانات الرسمية.

 

2.     اﻟﺗﺣدﻳث ﻓﻲ اﺳﺗﻌﻣﺎﻝ اﻟوﺳﺎﺋﻝ اﻟﺗﻌﻠﻳﻣﻳﺔ واﻟﺗﻛﻧوﻟوﺟﻳﺎ:

إذا ﻛﺎﻧﺖ الحداﺛﺔ ﺗﻄـﺎول ﺟـﻮﻫﺮ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، وﻃﺮﻗﻪ وﻣﻨﺎﻫﺠﻪ، وﺗﺸﺠﻊ ﻋﻠﻰ إﺳــﺘﺨﺪام اﻟﻌﻘﻞ، في سبر أﻏـﻮار اﻟﻌﻠﻮم والمعارف، وإﺳـﺘﺨﺮاج المفيد ﻣﻨﻬـﺎ واﻟﻨﺎﻓﻊ، ﻓﺈن اﻟﺘﺤـﺪﻳﺚ ﻫـﻮ إﺳـﺘﻌﻤﺎل أﺣـﺪث اﻟﻮﺳـﺎﺋﻞ واﻷدوات، واﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ المتطورة في ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ واﻟﺘﻌﻠّﻢ، ﺧﺼﻮصاً أن اﻷﺟﻴﺎل اﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﺑﺎﺗﺖ ﺗُﻌﺮف ﺑﺄﺟﻴﺎل اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ، ﺑﻔﻀﻞ إتقانها لإﺳـﺘﻌﻤﺎل التكنولوجيا الحديثة، إتقاناً بالغ النظير، وإستعمالها لها سواء في ألعابها، أو في تواصلها فيما بينها، على مواقع التواصل الإجتماعي، كما في مختلف أوجه إستعمالاتها الأخرى.

 

وﻗـﺪ ﺑﺪأ ﻫـﺬا اﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﻳﻄﺎول اﻟﻴﻮم مختلف ﻣﺮاﺣﻞ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، وﺻﻮلاً إلى التعلم الذاتي، ﺑﻔﻀﻞ ﻫـﺬﻩ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ المتطورة، وﺑﻔﻀﻞ الحاسوب، واﻟبرامج المتقدمة ﻋﻠﻰ اﻟﺸﺒﻜﺔ اﻟﻌﻨﻜﺒﻮﺗﻴﺔ كما بفضل الألواح التفاعلية ومشتقاتها.  وﻗﺪ شمل ﻫـﺬا اﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﻛﻞ ﻣﺮاﺣﻞ التعليم بدءاً ﻣﻦ اﻟﻄﻔﻮﻟﺔ وﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ في اﻟﺮوﺿـﺎت، وﻣﺎ ﻳﻨﺎﺳﺒﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺑﺎﻷﻟﻌﺎب المختلفة وﻣﺎ ﻓﻴﻬـﺎ ﻣـﻦ ﺗﻨـﻮع ﻛﺜير، ﻳﺘﻤﺎﺷـﻰ ﻣﻊ مختلف أذواق اﻷﻃﻔﺎل ورﻏﺒﺎتهم. ثم ﺗﺘـﺪرج ﻫـﺬﻩ اﻟـبرامج ﻟﺘﻨﺎﺳـﺐ ﺗﻨﻤﻴـﺔ ﻣﻬﺎراﺗﻪ وﻛﻔﺎﻳﺎﺗﻪ المختلفة  في ﻣﺮاﺣﻞ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ المتقدمة، وصولاً إلى التعلّم الذاتي، واﻟﺘﻌﻠّﻢ اﻹﻟﻜتروني، واﻟﺘﻌﻠﻢ ON LINE، وإﺟﺮاء اﻷبحاث اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ المشتركة، بين طرفين أوأﻛﺜﺮ، وفي مختبرات متباعدة، وﻛﻞ ذﻟـﻚ ﺑﻔﻀﻞ اﻟبرامج اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ المشتركة، ووصولاً أيضاً إلى إجراء المحاضرات وورش العمل عن بعد، وعقد المؤتمرات والندوات والمشاركة في المناقشات عن بعد.

وﻣﻦ إيجابيات إﺳـﺘﻌﻤﺎل اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ الحدﻳﺜﺔ اﻟتي يجب أﻻ ﺗﻐﻴﺐ ﻋﻨﺎ، قدرتها ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﻋﺪة اﻟﻄﺎﻟﺐ، في معالجة المعلومات، وتخزين المكتسبات، ونقل المعرفة، بالإضافة إلى ما تقدّمه من ﺗﻨﻮع في المعطيات، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻟﺼﻮت واﻟﺼﻮرة واﻟﺮﺳـﻮﻣﺎت واﻟﺘﺼﺎﻣﻴﻢ والخطوط اﻟﺒﻴﺎﻧﻴﺔ... إلخ.

ﻛﻤﺎ ﻧﻠﻔـﺖ اﻟﻨﻈـﺮﻫﻨﺎ إلى أن ﻣﻦ إيجابيات إﺳـﺘﻌﻤﺎل اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴـﺎ الحديثة أيضاً، ﻫـﻮﻣﺎ ﺗﺴﻤﺢ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺗﻌـﺪﻳﻼت في البرامج والمناهج، وبما تـﻮﻓﺮﻩ ﻣـﻦ وﻗـﺖ في اﻟﻘﻴﺎم ﺑﻌﺮض اﻟﺮﺳﻮﻣﺎت واﻟﺘﺼﺎﻣﻴﻢ، بدلاً ﻣﻦ رسمها ﻋﻠﻰ اﻟﻠـﻮح، وما يستغرقه من وقت، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إلى الجودة في اﻟﻌـﺮض، وإﻣﻜﺎﻧﻴﺔ اﻹﺿﺎﻓﺎت واﻟﺘﻌﺪﻳﻼت ﺑﺒﺴــﺎﻃﺔ، وبما ﻳﺴــﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺳﻴﺦ  ذﻟﻚ أﻛﺜﺮ ﻓﺄﻛﺜﺮ في ذﻫﻦ المتعلم. وغير ذﻟـﻚ ﻛﺜير مما ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻻﺳــﺘﻔﺎدة ﻣـﻦ ﻫـﺬا اﻟﻮﻗـﺖ، بما ﻳﺘﻼءم ﻣﻊ زﻳﺎدة المعلومات والإيضاحات واﻟﺸـﺮوﺣﺎت، وإﺟﺮاء ﺣﻠﻘﺎت اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﺘﻌـاوني، واﻟﺘﻤﺎﻳﺰي أواﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺑﺎﻟﺘﻘﺼﻲ وغيره. ﻛـﻞ ذﻟـﻚ ﻳﺴﺘﻮﺟﺐ ﻣﻬﺎرات وﻛﻔﺎﻳﺎت ﺟﺪﻳـﺪة وﻣﺘﻘﺪﻣﺔ ﻋﻨﺪ المعلمين، يجب ﻋﻠـﻰ اﻹدارة المدرﺳﻴﺔ أن ﺗﻘﺪﻣﻬﺎ لهم وﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﻮاﺻـﻞ. ﻛﻤﺎ ﻳﺘﻄﻠﺐ ذﻟـﻚ ﻣﻮارد ﻣﺎﻟﻴﺔ إﺿﺎﻓﻴﺔ ﻟﺸـﺮاءﻫﺬﻩ التجهيزات الجديدة والمتسارعة جداً في تطورها، وبالتالي يتطلب تغييرها أو الإستعاضة عنها بما هو أحدث صنعاً وأكثر تميزاً.

أختم هذا المحور بما قاله العالم الأميركي Symour Pappert الباحث في معهد الـMIT في أواخر القرن العشرين، "إنه إذا سافر ضيف قادم من أوائل القرن التاسع عشر، عبر الزمن ووصل إلى مستشفى أو مصرف، فإنه سيصاب بالدهشة مما يرى، غير أنه إذا ما زار مدرسة في أواخر القرن العشرين، فإن ما يجري أمامه سيكون مألوفاً، إذ لم يتغير شيء مما إعتاد أن يراه في المدرسة".

لذلك كان لا بد من إحداث "ثورة في التعليم، تستفيد من ثورة التكنولوجيا والإتصالات، كما باقي القطاعات، خصوصاً وأن التعليم هو بناء المستقبل ولا يجوز أبداً بأن يجري بناء المستقبل بأدوات الماضي، بل يجب أن يكون بأحدث ما توصل إليه الحاضر من أدوات وتكنولوجيا وفكرٍ وإبداع.

3.     إعداد المعلمين وتدريبهم:

 ﻻ ﺷﻚ في أن المتعلّم ﻳﻨﻬﺾ  بدورٍ أﺳﺎﺳﻲ في اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟتربوية. وﻟﻜﻲ ﻳـﻨﻬﺾ بهذا اﻟــﺪورالهام، ﻻ ﺑﺪ ﻟﻺدارة اﻟترﺑﻮﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﻘﻴﺎم ﺑﺎﻹﻋـﺪاد واﻟﺘـﺪرﻳﺐ اللازمين والمستمرين، والمتناسبين ﻣﻊ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت ﻋﺼﺮ المعرﻓﺔ، بما ﻳﻮاﻛـﺐ ﻣﺘﻐيراﺗﻪ المتسـﺎرﻋﺔ، وبما ﻳﺘﻄﺎﺑﻖ ﻣﻊ فلسفة اﻟترﺑﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻢ في المجتمع. ﻟﺬﻟﻚ ﻛﻠﻪ، وﺟﺐ أن ﻳﻐﻄﻲ ﻫـﺬا اﻹﻋﺪاد الجواﻧﺐ المختلفة في ﺷﺨﺺ المعلم وأداﺋﻪ وﺑﻠﻮرة ﺻﻔﺎﺗﻪ، ﻧﺬﻛﺮ ﻣﻨﻬﺎ:

·        اﻹﻋـﺪاداﻟﺸﺨﺼـﻲ: فالمعلم ﻫـﻮ قِبلة إهتمام طلابه، وقدوتهم، ومن منا لا يذكر المعلم الذي أحبه، وﺣﺮﻛﺎﺗﻪ وﺳﻜﻨﺎﺗﻪ، وأدﺑﻪ وﻫﻨﺪاﻣﻪ!. ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪ لهذا المعلم  أن يكون نِعم اﻟﻘــﺪوة، عارفاً بأمور دينه، محافظاً على القيم اﻟﺴـﺎﻣﻴﺔ  واﻷدب اﻟﺮﻓﻴﻊ، ذا ﺧﻠﻖ ﺣﺴــﻦ، محباً لطلابه، ويسعى لأن يبادلوه هذا الحب، متزناً في علاقاته بهم، بدون تمييز أو إنفعال، قوي الشخصية معهم بدون عنف، وﻣﺘﻮاﺿﻌﺎً في اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴـﻪ ﻣﻦ ﻏـير ﺿﻌﻒ، ذكياً ﺷـﺪﻳد الملاحظة، ﻓﺼﻴحاً جيد النطق، إﺟﺘﻤﺎعياً  ﻻ ﻳﻌﺘﺰل اﻟﻨﺎس، ﺑﻞ ﻳﻘﺒﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﻘﻠﺐ ﻣﻨﻔﺘﺢ وﺑﺸﺎﺷﺔ ﻇﺎﻫﺮة، ﺻﺤﻴﺢ اﻟﺒـﺪن، قادراً على اﻟﻨﻬﻮض ﺑﺄﻋﺒﺎء اﻟﺘﺪرﻳﺲ، يتمتع ﺑﺮوح اﻟﻘﻴﺎدة وﺿﺎبطاً ﻟﺼﻔﻪ ﺑﺪون ﻣﻴﻮﻋﺔ وﻻ ﻗﺴﻮة.

·        اﻹﻋﺪاداﻟﺘﺨﺼﺼﻲ: يجب أن ﻳﻜﻮن المعلم متمكناً من مادته، التي سيعلمها لطلابه، مدركاً  ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ ﺑين مكوناتها المختلفة ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ، وﻟﻌﻼﻗﺎتها ﺑﺒﺎﻗﻲ اﻟﻌﻠﻮم والمعارف ﻣـﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ أﺧـﺮى، عالماً بالمهارات التي تساعد المتعلم على حل المشكلات التي ﺗﻨﺪرج في ﻫــﺬا اﻟﻌﻠﻢ، ﻛﻤﺎ في اﻟﻌﻠﻮم اﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ﻣﻨﻪ، واﻟتي ﺗﻌترض المتعلم  في ﺣﻴﺎﺗﻪ اﻵﻧﻴﺔ أوالمستقبلية، قادراً ﻋﻠﻰ ﺿﺮب اﻷﻣﺜﻠﺔ اﻟﺘﻄﺒﻴقية المفيدة، حين ﻳﺴﻤﺢ الموﺿﻮع ﺑﺬﻟﻚ، ﻣﺘﻔﺎعلاً مع أسئلتهم، مهما كانت بريئة أو معقدة، وﻣﺴﺘﻘﻄباً لإﻫﺘﻤﺎﻣﻬﻢ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﻮاﺻﻞ، ﻓﻼ يملّون درﺳﻪ، وﻻ ﻳﺸﺎﻏﺒﻮن في ﺣﺼﺘﻪ، ﺑﻞ يحرﺻـﻮن ﻋﻠـﻰ المشارﻛﺔ في ﺻﻔﻪ، وفي اﻟﺘﺤﻀير لمادته، وفي ﻓﻬﻤﻬﺎ وﺣﻔﻈﻬﺎ واﻹﺑﺪاع ﻓﻴﻬﺎ.

·   اﻹﻋـــﺪاداﻟﺘﺮﺑـــﻮي: لما ﻛﺎﻧـﺖ اﻟترﺑﻴـﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، رﺳـﺎﻟﺔ اﻷﻧﺒﻴﺎء، وﻣﻬﻨـﺔ اﻟﻌﻈﻤـﺎء واﻟﻌﻠﻤﺎء، وﺻﻨﺎﻋﺔ اﻷﺟﻴﺎل واﻷﺑﻨﺎء، ﻓﻬﻲ ﻗﻄﺎع ﻟﻪ أﺻﻮﻟﻪ وﻣﺒﺎدﺋﻪ وﻣﻬﺎراﺗﻪ، وﻟﻪ ﻋﻠﻮﻣﻪ اﻷﺳﺎﺳـــﻴﺔ، وأﺧﺮى ﻣﺴـﺎﻋﺪة، ومتمّمة لها ،ﻛﻌﻠﻢ اﻻﺧﺘﺼـاص وﻻ ﺗﻘـﻞ ﻋﻨﻪ أهمية، ﻣﺜﻞ ﻋﻠﻢ اﻟﻨﻔﺲ، اﻟﺬي يساعد المعلم ﻋﻠﻰ ﺗﻌـﺮف المكوﻧﺎت اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻋﻨﺪ المتعلم، وﻋﻠﻢ أﺻﻮل التربية اﻟﺬي ﻳﺴــﺎﻋﺪ المعلم ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺑﻂ بين اﻟﻌﻘﻴـﺪة وﻓﻠﺴـﻔﺔ اﻟترﺑﻴﺔ وأﻫـﺪاف اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ وﺳﻴﺎﺳﺘﻪ. وﻛـﻞ ﻫـﺬﻩ اﻟﻌﻠـﻮم ﺗﺴـﺎﻫﻢ ﺑﺪرﺟﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ في ﺑﻨﺎء ﺷﺨﺼﻴﺔ المتعلم بما ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﻃﺒﺎﺋﻌﻪ وﺻﻔﺎﺗﻪ وﻧﻔﺴﻴﺘﻪ.

اﻹﻋــﺪاداﻟﻤﻬﻨــﻲ: وﻫــﻮﻳﺸﻤﻞ ﺗﻘﻨﻴـﺎت اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ الحديث وأﺳﺎﻟﻴﺒﻪ، وﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻣــﻦ ﻧﻈﺮﻳﺎت ﺣﻮل اﻟﺘﻮاﺻﻞ ﻣﻊ المتعلمين، واﻻﻫﺘﻤﺎم بمختلف اﻟﻄـﺮق والمنهجيات الحديثة في عالم اﻟﺘﺪرﻳﺲ، واﺧﺘﻴﺎراﻷﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻬـﺎ، وبما يتناسب ﻣﻊ ﻧﻮﻋﻴﺔ اﻟـﺪروس، وﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ المتعلمين، ﻣﻊ ﻣﺮاﻋﺎة اﻟﻔـــﻮارق في ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ، وﻣﻊاﻟﺴﻌﻲ اﻟﺪاﺋﻢ ﻟﻠﻮﺻـﻮل إلى أﻓﻀﻞ اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﻋﻨﺪ جميع اﻟﻄﻼب ﺑـﺪون إﺳﺘﺜﻨﺎء. ﻓﺘﻜﻮن المراعاة بمساعدة اﻟﻄﺎﻟﺐ المتميزﻋﻠﻰ تميزه، واﻟﻄﺎﻟﺐ اﻟﻀﻌﻴﻒ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻮﻳﺘﻪ.

●  اﻹﻋـــﺪاداﻟﺜﻘـــﺎﻓﻲ واﻟﻔﻜـــﺮي: يجب أن ﻳﻜﻮن المعلم واﺳـــﻊ اﻟﺜﻘﺎﻓـﺔ واﻻﻃﻼع ﻋﻤﻮﻣﺎ، ذا فكرٍ مرنٍ وسلس منفتحٍ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﻳﻦ، بدون ﻗﻴﻮد، متمتعاً بملكة الحوار معتدلاً، متسامحاً، ومدافعاً عن رأيه بالحجة والبرهان وبمنهجية علمية.

وبالمقابل، فإنه لا يستطيع ناقد أو محلل أن ينكر دور المعلم أو أن يقلّل منه في بناء المجتمع من خلال بناء الأجيال الناشئة، وتكوين شخصياتهما، وأثر ذلك في بناء مستقبل الوطن والأمة. يقول أحد الحكماء: "إن بناء الإنسان بناءً سليماً وقويماً، يسمح لنا ببناء العالم وحكمه". لذلك كان واجباً وطنياً أن يحظى هذا المعلم بالإحترام والتقدير، والإهتمام والتدريب، والعناية التي يستحقها في المجتمع لكي يقوم بدوره في بناء الإنسان السليم، خير قيام.

 

وأختم معكم هذه المداخلة بما قاله نيلسون مانديلا: "التربية والتعليم هما أقوى وأفعل سلاح، يمكننا إستعماله لتغيير العالم". وما قاله أحد المستشرقين: "إذا أردت أن تهدم حضارة أمة ما، فهناك وسائل ثلاث، هي: هدم الأسرة، وهدم التعليم، وإسقاط القدوة" ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن الحلقة الأساس في الوسائل الثلاث، هي التربية والتعليم، لما لهما من أثر كبير على الوسيلتين الأخرتين.