في المنتدى الإقليمي لإغاثة اللاجئين وإعادة إعمار سوريا 01 June 2016

أيها الحفل الكريم

          يسعدني أن أكون بينكم، في هذا المنتدى البالغ الأهمية، وأن أنقل إليكم تحيات دولة الرئيس نجيب ميقاتي، وتمنياته الخالصة لكم بالتوفيق، والخروج من هذا المنتدى بتوصيات نافعة، تسهم في تخفيف حدة الأزمة المستعرة في سوريا، وإنهاء الحرب الأليمة الدائرة فيها.

 

أيها الإخوة الكرام

نعلم علم اليقين، أن الحرب في سوريا، التي إندلعت منذ خمس سنوات ونيف، قد أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً وكبيراً، على المجتمعات المختلفة. وإذا كان من البديهي القول، أن دول الجوار دفعت ثمناً غالياً جراء الحرب المستعرة في سوريا، على كافة المستويات، لا سيما منها الأمني والإقتصادي والإجتماعي والخدماتي. فإن هذه التبعات قد تعدتها، ولو بحجم أقل، إلى الدول البعيدة نسبياً، ولا سيما في أوروبا، التي أخذت على عاتقها أن تتحمل نصيباً من أزمة النزوح السوري، مع ما يترتب عن ذلك من تبعات إقتصادية وإجتماعية وبشرية.

وإننا، وفيما نتجه لدرس كيفية إغاثة اللاجئين وسبل إعادة إعمار سوريا، في هذا المؤتمر الهام، لا نرى خروجاً عن النص أو الوجهة، إذا ما ذكّرنا بما تحملته مناطقنا في لبنان عموماً، وفي منطقة الشمال خصوصاً، وفي طرابلس على الأخص، من نتائج، لا نزال نعيشها في ظل إصرار محلي رسمي وشعبي، على تحمل هذه المسؤولية، ونحن ماضون في هذه المهمة الإنسانية والأخوية والأخلاقية.

وفي هذه المناسبة، نود أن نشكر جزيل الشكر، سعادة الأمين العام للأمم المتحدة، الذي نوه بإستقبال مختلف المناطق اللبنانية للنازحين السوريين. وخص طرابلس بزيارة لافتة أكد فيها على أمرين بالغي الأهمية هما:

الأمر الأول بأن طرابلس مدينة آمنة ومستقرة، ولا توجد أية محاذير، تحول دون زيارتها والتجول فيها، وفي مناطقها المحرومة بالذات.

والأمر الثاني أن طرابلس، وبالإضافة إلى الحرمان الذي تعاني منه، فإنها تتحمل ما لا تطيق، جراء وجود النازحين السوريين في مناطقها الشعبية المختلفة.

وأضيف إلى ذلك ما تتمتع به طرابلس من بنىً تحتية كاملة، تشكل ضرورة للقيام بأي نهضة إنمائية مهما بلغ حجمها، ومهما بلغت وتيرة سرعتها (أعني بذلك مرفأ، ومنطقة إقتصادية خاصة ومعرض، وسكة حديد قيد التلزيم، وشبكات مياه ومجارير وإتصالات وما إلى ذلك).

لذلك فإنني أحمل إليكم من طرابلس، تحية كبيرة، على أمل أن تحظى هذه المدينة، بالإهتمام اللازم من المجتمعين العربي والدولي، قبل وخلال وبعد إعادة إعمار سوريا، الذي نرجو إلى الله تعالى أن يكون قريباً.

 

أيها السادة

قد يعتبر البعض، ان الحديث عن اعاددة اعمار سوريا هو استباق للامور، إلا انه ليس من الطبيعي ابدا، ان نسقط من حساباتنا التحضير لما بعد الحرب الدائرة في سوريا. هذه الحرب التي يجب أن تنتهي في أسرع وقت ممكن، لما تخلّفه من قتلٍ ونزفٍ ودمار، يجب على العالم بأسره أن يعمل لمواجهة ذلك، ونشر السلام في ربوع هذا البلد.

ويحضرني هنا معكم، كلام للدكتور عبد الله الدردري، نائب الرئيس التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الاسكوا)، ونائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية (سابقاً) والذي يرى أنه من الضروري جداً، انطلاق عملية التحضير، لإعادة بناء ما تهدم في سوريا عمرانياً وإنسانياً في السنوات الخمس الماضية، وعدم انتظار نتائج مفاوضات السلام، التي جرت وتجري حاليا بين الفئات المتنازعة (السلطة والمعارضة) في جنيف أو غيرها ، والتي تزداد وتيرتها في الآونة الأخيرة.

و اننا نعتقد جازمين ان الأمل دائماً يحيي في المرء إنسانيته. وأن الأمل في إعادة بناء سوريا من شأنه ان يحفّز القدرات الإبداعية للإنسان، وبالتالي فإن الأمل في مستقبل سوريا، هو الأمل في السلام فيها، وهو الأنجع والأقوى في مواجهة التشاؤم واللاإنسانية.

 

أيها السادة

ان وقف الحرب في سوريا، ورفع مستوى المساعدات للمجتمع السوري النازح والمقيم، إضافة إلى توفير الدعم الكبير للمجتمعات المضيفة، هي استحقاقات متلازمة مترابطة، متينة الصلة بعضها ببعض ، فلا يمكن إغاثة السوريين في الداخل السوري، بشكل مناسب وفعلي، في ظل استمرار الأعمال القتالية ، ولا يمكن الشروع بالتالي بتنفيذ خطة واقعية، تتناسب مع حجم الدمار في مدن سوريا المتعددة، إلا بتوفر قرار السلم الحقيقي الذي بدونه لا أفق لمستقبل السلام في سوريا، لا سمح الله.

وحتى يتوفر قرار السلم الحقيقي، فإننا نرى أن إقامة منطقة آمنة في الداخل السوري، برعاية وإشراف منظمة الأمم المتحدة، تسمح بجمع النازحين من مناطق الإشتباكات العسكرية، تشكل حلاً مؤقتاً، يوفر على الدول المجاورة، الكثير من الأعباء الناتجة عن النزوح السوري إليها.

لا يعني كل ذلك، أن التغاضي عن البدء بإعداد تصور واضح لإعادة إعمار سوريا، أو انتظار وقف الحرب، امر في محله.  بل ان هناك حاجة ملحة للمزج بين الأفكار التي وردت في مؤتمرات عدة في الداخل السوري وفي الكويت وفي بيروت وفي جنيف، وفي دول عدة، حول إغاثة الشعب السوري، او سبل انماء سوريا في زمن السلم، فهي حكما مسؤولية واجبة، وهي مسؤولية دولية مشتركة. لذلك دعوني أتقدم من إدارة هذا المؤتمر الموقرة، لعقد لقاء أو مؤتمر ملحق لمؤتمرنا هذا، ولنستحضر فيه كل الأفكار والآراء والمبادرات، ونعمل على إعداد ورقة عمل، نرفعها معا إلى جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن الدولي، والأمم المتحدة، كي ترد تالياً، في مناقشات ومباحثات أي مؤتمر يتعلق بالأزمة في سوريا.

 

أيها المنتدون أيتها السيدات والسادة

اصل الى مدينتنا طرابلس، حيث تؤكد المعطيات والمؤشرات المتوافرة، اضافة الى الاهتمام الدولي الاستثنائي المستجد بالمدينة طرابلس، وجود قرار دولي جدّي، باعتماد عاصمة الشمال، منصة لاعادة إعمار سوريا. ولا ياتي مثل هذا التوجه من فراغ. فقد كانت طرابلس دائما بمثابة الامتداد الجغرافي والتاريخي لسوريا ، وكانت ولا تزال تعتبر الرديف التكاملي الحقيقي لمدن سورية عدة .

ولطالما تمتعت طرابلس في الجغرافيا تحديدا بميزات تؤهلها للعب دور مهم، لا لإعادة بناء سوريا فحسب، بل لإعادة إعمار دول  اخرى كالعراق على سبيل المثال ، وكل ذلك نظرا لكونها المنطقة التي تحتل موقعا هاما، ورابطا بريا مهما لسوريا وبدءاً منها وصولا الى العمقين العربي فالاوروبي مرورا بتركيا .

وقد تسنى لي خلال التحضير لهذه الكلمة، الإطلاع على جدول واردات مرفأ طرابلس وصادراته إلى خارج لبنان، أي نسبة مرور الترانزيت للبضائع من خلال مرفأ طرابلس. فتبين لي أن إجمالي الواردات خلال الأعوام من 1970 لغاية آخر عام 1975 قد بلغت 3,093,401 طناً من البضائع. خرج منها إلى الدول المحيطة وأهمها سوريا والعراق، 1,739,175 طناً أي ما نسبته 56%. وقد تراجعت هذه الأرقام بشكل ملحوظ دون أن تتوقف خلال سنين الحرب الأهلية من 1975 حتى 1990. كما كان ذلك قبل توسعة المرفأ المهمة، التي جرت في أواخر القرن العشرين، وبداية هذا القرن، وقبل ظهور المنطقة الإقتصادية الحرة.

كل ذلك، بفضل موقع طرابلس الجغرافي المميز، وبفضل عمل مرفئها معظم أيام السنة، بمعدل 330 يوماً في السنة، بما يزيد بـ15 إلى 20%، من أيام عمل المرافئ الأخرى على شرقي البحر المتوسط.

ولا ننسى، انه وبعد افتتاح قناة السويس الجديدة ، ستتمكن السفن العملاقة، من جلب شحنات هائلة من السلع التجارية من الصين، على “طريق الحرير البحري”، إلى منطقة البحر المتوسط. ويتم الآن التخطيط وبناء سلسلة موانيء عملاقة جديدة في الشاطيء الاوروبي للبحر المتوسط مثلا في بيرايوس في اليونان وكروتون وجنوى في جنوب ايطاليا، لاستيعاب هذا الحجم الجديد من التجارة، كما انه  ينبغي أن تتحول كل منطقة حوض البحر المتوسط، إلى منطقة تنمية اقتصادية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، والبطالة المستشرية في جنوب اوروبا وشمال افريقيا. كما يمكنها ان تكون، اي منطقة شرق البحر المتوسط، وسيلة لنقل مستلزمات اعادة بناء سوريا وحيث يمكن لطرابلس، التي صار مرفؤها مؤهلا فنيا وواقعيا للعب الدور الهام، بل انه من الظلم ان لا يلعب هذا الدور .

وتشكل طرابلس معبرا طبيعيا الى سوريا كما سبق وذكرت، ويقيننا ان سكة الحديد التي ستنفذ قريبا ستتمكن من رفد المرفأ بافضل وسيلة نقل الى سوريا وما بعدها .

وفي هذا المجال أيضاً، فقد إنطلق مؤخراً العمل في رصيف الحاويات في مرفأ طرابلس، كما ان اعمال البناء في المنطقة الاقتصادية الخاصة استؤنفت، وبدأت عمليات الردم منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وتحتاج الى حوالي عام لتكون المنطقة جاهزة، لإستيعاب حجم العمل المرتقب لإعادة إعمار سوريا.

كما أن في طرابلس معرض رشيد كرامي الدولي، الذي تبلغ مساحته مليون متر مربع، ستحتاجه المنطقة في المرحلة المقبلة لاقامة معارض دولية لقطاع البناء وما يضمّه من الشركات العربية والدولية.

لقد حان الوقت، لكي يستفيد لبنان من المقوّمات الموجودة في طرابلس. فالاراء تجمع اليوم على انه من مصلحة المجتمع الدولي ومصلحة لبنان، ان تكون مدينة طرابلس شريكا في عملية اعادة اعمار سوريا، وليس صندوق بريد فقط.

ثم ان مختلف القوى المحلية في طرابلس، جاهزة لدعم اي توجه لتطوير فكرة و دور طرابلس كمنصة لاعادة اعمار سوريا بدءاً من القوى والفعاليات السياسية، وصولاً إلى المؤسسات الاقتصادية، من غرفة تجارة ومنطقة اقتصادية ورجال اعمال ، ونطمح بالطبع الى تعاون طرابلسي لبناني عربي ودولي في هذا الخصوص .

أيها الاحبة

 إسمحوا لي ختاما، أن أتحدث عن عمل جمعيتنا (جمعية العزم والسعاة الاجتماعية) في طرابلس منذ ما قبل نشوء الأزمة في سوريا وبعدها، وقد أخذت على عاتقها بداية، المجتمعات الأكثر فقرا. فهي قدمت المساعدات من غذاء ودواء واستشفاء وتعليم، لمختلف شرائح المجتمع بمن فيهم النازحين السوريين، وأقامت جسور تواصل مجتمعي دائمة مع مختلف الشرائح . وقد شكلت الأزمة السورية، ومعها معضلة النزوح السوري، مناسبة لترفع من مستوى تقديماتها، إلى جانب التقديمات الأممية والعربية، والتي خصصت بداية للنازحين دون سواهم فيما كان المجتمع المضيف، بحاجة ولا يزال إلى العناية والاهتمام، شأنه في ذلك تماما شأن النازح السوري العزيز على قلبه .

ثم إن جمعية العزم والسعادة، وبتوجيهات متواصلة من دولة الرئيس نجيب ميقاتي، تتابع تقديماتها الإجتماعية في مقابل إقامة المزيد من المشاريع التربوية والثقافية والجامعية . وأسمح  لنفسي في هذا المجال بتوجيه الدعوة لكم لزيارة مجمع العزم التربوي، الذي يضم جامعة ومدرسة ومعهدا فنيا في آن معا.

 كما اننا لا نقف في مجموعة العزم عند ما أنجزنا، فإننا نعمل جاهدين على توفير المزيد من مستلزمات المدينة، فنؤهل ونشارك في اعادة احياء الأسواق التراثية، ونساهم في رفع مخلفات أية معارك محلية عابرة ، ونبني بجهد كبير، الإنسان الذي نعول عليه في أي مستقبل لمديتتنا والبلد، فنحن جزء من منظومة وطنية و لبنانية.

إننا نتمنى لمؤتمركم هذا النجاح في تحقيق أهدافه، وأن تكون مقرراتنا على القدر الكبير من الفائدة لسوريا وشعبها.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته