دور مؤسسات التعليم المهني والتقني في خدمة المجتمع – مدينة طرابلس نموذجاً 28 March 2019

أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحببت أن أبدأ مطالعتي لهذا الكتاب القيّم بالشكر الجزيل، والتقدير العميق، لمؤلفه الباحث الأخ الحبيب الدكتور رائد محسن، على هذا الجهد الكبير والمركّز على موضوعٍ في غاية الأهمية، ويستحق أن يلتفت إليه أولو الأمر، لما يشكّله من ركيزةٍ أساسية في مسيرة التنمية المستدامة، وخصوصاً في مراحل الأزمات الإقتصادية التي نمر بها حالياً، أو التي يبشّر بها للأسف بعض الإقتصاديين، سواء كان ذلك في لبنان أو في المنطقة أو على صعيد العالم.

بداية أودّ أن أؤكد، بأن التعليم المهني قد أخذ موقعاً هاماً في عملية بناء المستقبل في العالم الغربي، وكانت ألمانيا رائدةً في هذا التطور. وقد رأيتُ بأمّ العين، منذ ما يقارب الثلاثين سنة، كيف كان طلاب المعاهد الفنية يقضون يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع، من عامهم الدراسي في كبريات المعامل الألمانية، ليشكل ذلك إرتباطاً وثيقاً بين ما  يتعلمونه في صفوف معاهدهم وعلى مقاعد دراستهم، وبين ما يرونه في الحياة العملية، ويلمسونه بأيديهم في الواقع والتطبيق. 

كما أودّ أن أؤكّد بأن الكتاب وما جاء فيه ينسجم إنسجاماً كاملاً مع العنوان الذي أراده المؤلف، ووضعه هدفاً له في بحثه في رسالة الدكتوراه، التي سعى إليها وحاز عليها بجدارة. مع التنويه بسعة البحث، ودقة التفاصيل، وأهمية الإحصاءات، والإستناد إلى المراجع الرسمية والعلمية المتقدمة، وقد بلغت في مجموعها 129 كتاباً ومرجعاً ومقالة وبحثاً عربياً وأجنبياً، وهذا ما أكسب الكتاب قوة ومصداقية، وشمولية دون الخروج عن سياق الهدف الذي وضعه الكاتب أمامه.

يقسّم الكاتبُ مؤلَّفه إلى أربعة فصول أساسية. فالفصل الأول يسرد فيه واقع مؤسسات التعليم المهني والتقني في لبنان، وكيف تطورت ويورد المراسيم والقرارات المختلفة التي تناولت هذا الواقع، وخصوصاً، ما فتح منها المجال بمعادلة المرحلة الثانوية التقنية بموازاة المرحلة الثانوية، للدخول إلى الجامعات، وذلك في العام 1995 وهذا ما أفسح المجال، أمام طلاب المعاهد الفنية بالدخول إلى الجامعات، برصيدٍ متقدم في الخبرة العملية والتطبيقية، فأحرزوا نجاحات متقدمة.

وفي نهاية 2011، في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وضع وزير التربية الدكتور حسان دياب الخطة التربوية الإنقاذية الشاملة، التي ركّزت على ربط محاور التعليم التقني بإحتياجات المجتمع، وأكّدت على أهمية المحافظة على الموارد والخصائص الطبيعية في لبنان، وإستثمارها بشكلٍ متوازنٍ في تنمية المجتمع وتحسينها وصيانتها، وطالبت الخطة بأهمية التمييزبين المجتمع المنِتج والمجتمع المستهلك والإستفادة من تطور التكنولوجيا، والتفاعل الإيجابي والمنِتج معها، فكراً وأداءً وسلوكاً.

أودّ أن أضيف بأن القوانين والمراسيم التشريعية التي صدرت، لا تزال بحاجة إلى أن تُستكمل بتطبيقها، وبوضع معايير الجودة في التطبيق لهذه القوانين والمراسيم، وأهدافها التربوية، والمجتمعية حتى يقترن التشريع بالتطبيق ومع الجودة، ويصبحَ واقعاً ملموساً.

كما أود أن أضيف أيضاً هنا في هذا المجال بأنه لا يكفي أن يكون ربط التعليم التقني والجامعي بإحتياجات سوق العمل آنياً، لأن التعليم في ذاته هو بناءٌ للمستقبل. علينا أن نستشرف طلائع هذا المستقبل، بكل ما أوتينا من علم ومعرفة وإدراك، وكل ما يصدر عن المراكز البحثية والإستشرافية، المحلية والإقليمية والعالمية، ونبني على ذلك برامجنا التعليمية وتنوع إختصاصاتنا ومنهجية التعليم في مؤسساتنا التعليمية.

كما يبذل الكاتب جهداً كبيراً، في حديثه عن أهداف ووظائف الإدارة المدرسية، ويتوقف عند مهام المدير في المعاهد التعليمية الذي هو رأسُ المؤسسة، ونجاحُها من نجاحه، وكل ذلك يُعتبر مرجعاً مهماً في مضماره. 

وفي نهاية هذا الفصل يتطرق الباحث إلى دور الإرشاد والتوجيه المهني، ويعرض للمراسيم الصادرة في هذا المجال، دون التطرق لمدى ملاءمتها وتطبيقها في الواقع العملي. وبرأيي أنّ هذا الموضوع وإن كان لا يطال التعليم المهني بشكل أساسي، إلا أنه يعتبر بالغ الأهمية في جميع مراحل الدراسة وأنواعها، وهو يبدأ من مرحلة الروضات، حيث يجب أن تتم مراقبة الولد لمعرفة الألعاب التي تسترعي إنتباهه ويطلبها أكثر من غيرها ومداومته على ذلك، وينتقل بعد ذلك إلى مرحلة التعليم الإبتدائي والمتوسط، لربط الإهتمام في طفولته بإهتمامه بالمواد العلمية  المتعلقة بذلك، ثم في المرحلة الثانوية أو الفنية وبإرتباط كل ذلك بنجاحه في هذه المواد العلمية ذات الصلة، وفي مشاركته بالنشاطات المتعلقة بهذا الإهتمام. وصولاً إلى المعهد الفني والجامعة حيث تتشعب الإختصاصات ضمن ذات التوجه. تجدر الإشارة إلى وجود برامج إلكترونية متطورة تساعد كثيراً في هذا العمل، يمكن الإستعانة بها، للحصول على أعلى درجات ونتائج التوجيه المهني عموماً.

ومع تأكيدي على أهمية هذا الفصل وما فيه من معلومات قيمة، أود أن أضيف أمراً أراه من الضرورة بمكان، وهو أهمية ديناميكية تغيير الإختصاصات في المعاهد التقنية والفنية كما في الجامعات وفي التخصص العالي. أضرب مثالاً على ذلك، في إختصاص التمريض وحده هناك عدة مجالات منها ممرض قسم الأشعة، ممرض قسم العمليات، وقسم التخطيط وقسم الولادة وغير ذلك كثير، ولا يجوز أن يتخرج في المدينة أعدادٌ كبيرة من كل إختصاص، ولا يمكننا طبعاً أن نفتح جميع الإختصاصات في المعهد الواحد، لذلك وجب التنوع في المعاهد،

ووجب التنوع في التخصصات كل عامين أو ثلاثة. وما يصح في التمريض، يصح في غيره من الإختصاصات مثل إدارة الأعمال ومثل الفنون والتصاميم وغيرذلك.

وفي الفصل الثاني، يتناول الباحث خدمة المجتمع من منظورٍ تربوي، ويعرض لمفهومي "الخدمة الإجتماعية" و"خدمة المجتمع" من الجانب التربوي. ذلك أن خدمة المجتمع تنقسم إلى فئتين: إلزامية متممة للمناهج المدرسية، وتطوعية تنفذ بشكل طوعي، خارج البرنامج التربوي. ويؤكد الباحث، على ضرورة أن ترتبط كلاهما بتنمية قدرات ومواهب الطالب، وشعورِه ومعرفتِه بالبيئة المحيطة به، وعلى أهمية إنعكاس ذلك على كفاءاته وقدراته. أما الخدمة الإجتماعية، فهي ما تقوم به المؤسسات الإجتماعية التي لا تبغي الربح، NGO، فهي مؤسسات فاعلة في مجتمعها، إنسانية في أهدافها وقيمها، تهدف إلى سد الثغرات المتنوعة التي لا يقوى عليها النظام والدولة. (وما أكثرها في أيامنا هذه). إن ثقافة العمل التطوعي، في هذه المؤسسات، وتشجيع طلاب المدارس الأكاديمية والمعاهد الفنية والجامعات، تُغني عمل هذه المؤسسات وتُسهم في تعاضد أفراد المجتمع ونهضته. لذلك وجب أن يشمل العمل التطوعي جميع القطاعات الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والصحية والرياضية والثقافية والتراثية والسياحية والفنية وبكل تأكيد بل وفي مقدمتها كلها التربوية (التي هي برأيي الأساس في إعداد الأجيال الصاعدة الذين هم بناة المستقبل).

فالتربية هي الركيزة الأساسية، في وجود المجتمعات الإنسانية وتطورها وإنمائها، وهي الأساس في تكوين شخصية الأجيال الصاعدة، ورحم الله أجدادنا الذين كانوا يطلقون على المعلم في زمانهم لقب "المربي". فكانوا بذلك رواد الحضارة الإنسانية في حينها. فقد سبقت "التربية"، بكل ما في الكلمة من معنى ومغزى، كلمة "التعليم".

و"التربية" هي ما بتنا نفتقده في معظم مؤسساتنا التعليمية. ويعطي الباحث هذا القسم من الكتاب مجالاً واسعاً يستحقه، لما له من أهمية كبرى، ويركّز فيه على التربية على المواطنة، لما لذلك من أهمية بالغة في خصوصية التعددية المميِّزة لوطننا لبنان، ويركّز على ضرورة تعزيز ذلك في المؤسسات التعليمية. 

ويؤكد الباحث على دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في بناء شخصية الإنسان وتنشئته. وأضيف إلى ذلك، بأن هذا الدور يكتسب أهمية بالغة في عصرنا الحالي حيث أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي تغزو فكر أبنائنا في عمرٍ مبكر، ويواكب ذلك خصوصيةٌ معينةٌ تزيد في الأهمية البالغة لدور الأسرة والمؤسسات التعليمية، في موضوع التربية، وفي مواجهة الإنحراف والتطرف والسلوك السيء.

وفي الفصل الثالث يتناول الكاتب دور مؤسسات التعليم الفني والتقني في خدمة المجتمع، وهو الهدف الأعلى في الكتاب، فيشرح وظيفة هذه المؤسسات وأهمية علاقتها بالمجتمع، ويفنّد طرائق مشاركة مؤسسات التعليم المهني والتقني في خدمة المجتمع، وتنميته وأنواع النشاطات التي يمكن أن تقوم بها مؤسسات التعليم على جميع الصعد بدءاً من التنمية البشرية مروراً بالتنمية الإجتماعية والثقافية وصولاً إلى التنمية الرياضية وفي كل ذلك خير كبير ودور عظيم.

أسوق في هذا المجال مثالاً على ذلك وعلى أهمية دور مدير المؤسسة، ما حصل في القريب المنظور في إحدى المدارس الأكاديمية الرسمية، في منطقة فقيرةٍ في طرابلس، كان عدد تلاميذها يتراجع بإستمرار بسبب تردي مستوى الأخلاق فيها، إلى أن إستلم إدارتها مديرٌ كفوء ذو خلق قويم، وإدارة حكيمة، فاهتم بالمستوى التعليمي في المدرسة إهتمامه بربط المدرسة بالقيم التي يحافظ عليها. ففتح مكتبتها للأهل وزوّدها بما يلزم، وعمل على تنشيط مسرحها وشجّع التلاميذ على الأعمال المسرحية، وقام بتفعيل الملاعب الرياضية فيها للطلاب كما للأهالي وكل ذلك خارج دوام التعليم، بالتعاون مع لجنة الأهل في المدرسة، فحاز على ثقة الجميع في المنطقة. وكان دوام النشاطات اللاصفية فيها يصل أحياناً إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً. فأصبح بذلك تسجيل الطلاب في هذه المدرسة يتم على لائحة الإنتظار بسبب الضغط الكبير على التسجيل فيها كما تقدم فيها مستوى التعليم بشكل واضح.

وما ينطبق على المؤسسات الأكاديمية ينطبق وزيادة، على مؤسسات التعليم المهني، إذا فتحت أبوابها على مؤسسات الخدمات والإنتاج والتجارة والبلديات والجمعيات الأهلية وغيرها في مناطقها.

أود أن أؤكد على ضرورة إيلاء هذا الموضوع الأهمية البالغة، لما له من تأثير إيجابي أكيد وسريع وفعال على جميع الصعد.

ومن روائع هذا الكتاب أنه يقدّم مقاربة ميدانية للمؤسسات المهنية العاملة في طرابلس، فيقوم بعمل إحصائي ربما هو الأول من نوعه، لتقييم  تطبيق المفاهيم التي ذكرها المؤلف في الفصلين الأول والثاني، ومدى إستجابة المعاهد الفنية لهذه المفاهيم الضرورية، وهي خدمة المجتمع، ودور الإدارة في التوجيه المهني للتلاميذ، وفي ترسيخ قيم المواطنة والتربية على القيم الإنسانية، وتنمية المجتمع. ويعتمد المؤلف في مقاربته هذه على معايير علمية متقدمة ومتعددة، وكل ذلك دليلُ حرصه الشديد على الدقة المتناهية في العمل الإحصائي، كما في غيره.

وفي الفصل الرابع يقوم الباحث بعرض نتائج هذا العمل الميداني الكبير وتحليلها. وللأسف الشديد فإن نتائج الإحصاءات الميدانية خجولة جداً، وتظهر ضعف تعاطي الإدارات التربوية، مع المفاهيم الأساسية والضرورية في الترابط  والتكامل بين المعهد والمجتمع، والأهداف التي يجب أن نسعى إليها، هذا الترابط الذي برأينا يجب أن يتم ضمن رؤية وتخطيط، وسلّم أولويات، تتم مناقشته بين المعنيين في هذا الملف وإقراره لإحراز التقدم الملحوظ.

وفي الفصل الخامس والأخير، يقدّم الباحث تحليله للنتائج ومناقشتها، كما يورد نتائج دراسات أخرى حديثة ومشابهة لهذه الدراسة حول وضع التعليم المهني، وعلاقته الضعيفة مع سوق العمل. وهذه ثغرة هامة تجلت في إدخال التكنولوجيا في العمليات التجارية والصناعية وغيرها، دون تعديل المناهج الدراسية التقليدية التي لا تزال سارية المفعول للأسف في نظامنا التعليمي عموماً.

وقبل أن أختم أود أن أؤكد بأننا في مؤسسات العزم بتوجيهات دولة الرئيس نجيب ميقاتي، قد أنشأنا معاهد فنية مشتركة مع مديرية التعليم المهني والتقني، بالإضافة إلى معهد العزم في مجمع العزم التربوي بهدف إعداد طلابنا الأعزاء للإنخراط في عملية التعليم المهني لما له من دورٍ كبيرٍ في نهضة المجتمعيْن المنِتج والمستهلك على حدٍّ سواء.

وقد حصلنا في معهد العزم على شهادة الجودة من شركة Pearson العالمية وبإستطاعة طلابنا الحصول على شهادة B.Tech البريطانية في سبيل فتح أبواب سوق العمل الخارجية أمامهم إذا أرادوا ذلك.

هذا غيضٌ من فيضِ ما وجدته في هذا الكتاب، ولا أريد أن أطيل أكثر مما فعلت، وأود أن أختم بأن أقترح على المؤلف العزيز، أن يتم التنسيق مع المدير العام للتعليم المهني، لدعوة مدراء المعاهد الرسمية والخاصة، وأن يقوم الدكتور رائد محسن بعرض المعلومات، والنتائج القيمة التي توصّل إليها في هذا الكتاب، ومناقشتها معهم، وتشكيل لجنة من الأخصائيين لوضع خطة عمل، وسلّم أولويات، لمعالجة الواقع الأليم الذي يمرّ به التعليم للوصول به إلى الغد المرتجى.

كل الشكر والتقدير للمؤلف على هذا الجهد الكبير وهذا الكتاب. وفقنا الله وإياكم لكل خير، ولكل ما فيه منفعة بلدنا ومجتمعنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.