اليوم العالمي لذوي الإعاقة 07 December 2018

أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          أرحب بكم أجمل ترحيب، بإسم راعية هذا الحفل الخاص السيدة مي نجيب ميقاتي التي كلفتني شرف تمثيلها في هذا اللقاء الإنساني الجامع بإمتياز، الجامع لمؤسسات عملت وتعمل بنجاح متواصل في خدمة المجتمع، وفي خدمة مجموعة من أبنائنا من ذوي الإحتياجات الخاصة.

أيها الإخوة الأكارم

يقول الله تعالى في محكم التنزيل "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها" وإذا كان الله تعالى قد ابتلى هؤلاء الأبناء بإعاقة معينة، فقد منّ الله عليهم بنعمٍ أخرى لا عدّ لها ولا حصر.

 وتعجبني في هذا المجال قصة عروة بن الزبير، الذي قُطعت رجله لمرض أصابه، وفي اليوم نفسه توفي أعز أبنائه السبعة على قلبه، بعد أن رفسته فرسٌ ومات. فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعطاني سبعة أبناء وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن إبتلى فطالما عافى، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

ومرت الأيام، وذات مرة دخل عروة إلى مجلس الخليفة، فوجد شيخاً طاعناً في السن مهشم الوجه أعمى البصر، فقال الخليفة: يا عروة، سلْ هذا الشيخ عن قصته. قال عروة: ما قصتك يا شيخ ؟. قال الشيخ: يا عروة إعلمْ أني بت ذات ليلة في وادٍ، وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفلاً صغيراً وبعيراً واحداً، فهرب البعير فأردت اللحاق به، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل، فالتفتُ فإذا برأس الطفل في فم الذئب، فانطلقت لإنقاذه، فلم أقدر على ذلك فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري !!!

قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا؟ فقال الشيخ: أقول اللهم لك الحمد، فقد ترك لي قلباً عامراً ولساناً ذاكراً.

لقد أحببت أن أبدأ كلمتي بهذه الواقعة لما فيها من عبر، علينا جميعاً أن نتأمل فيها. فلقد تعوّدنا للأسف الشديد على النعمة، وأصبحنا لا نشعر بالنعمة إلا بفقدانها، وهذا مرض خطير.

ومن ابتلي فصبر فله الرضا، ولعل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سرّاء شكر فكانت خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكانت خيراً له".

أيها الحفل الكريم

          ما تقوم به المؤسسات الأربع بالتعاون مع الكشاف العربي من عمليات دمج كاملة في المجتمع هو عين الصواب، لأن هؤلاء الأبناء هم أبناؤنا جميعاً، وهم جزء من المجتمع، وتقول إحدى الإحصائيات بأن أعداد ذوي الإحتياجات الخاصة في العالم قد قارب النصف مليار إنسان، وهذا العدد ليس بالقليل وهو في إزدياد متواصل. إنه قدرُ الله الذي لا بدّمنه، لنبقى دائماً شاكرين لله على ما أعطانا، صابرين بالله على ما فقدنا.

إن ما يقوم به الكشاف العربي من تأسيس فرق كشفية مطابقة للمواصفات العالمية، في دار الأيتام الإسلامية منذ خمس سنوات، وفي مجمع الرحمة منذ عامين لهو دليل ساطع على أنّ هؤلاء الأبناء بإستطاعتهم أن يكونوا جزءاً فاعلاً في مجتمعهم. وكذلك ما قمنا به في مدرسة العزم ومنذ تأسيسها بدمج بعض الطلاب من ذوي الإحتياجات الخاصة والنتائج التي حققناها، كل ذلك يؤكد أن هذا هو الطريق الصحيح لبناء مجتمع سليم يحقق فيه كل مواطن دوره وكل ما في إستطاعته. والقاعدة الشرعية الخالدة تقول "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها". وما إحتفالنا اليوم إلا دليل على ذلك.

أيها الإخوة الأكارم

أختم معكم بمقولة لطيفة لأحد الحكماء، يقول فيها:

قيل للسعادة: أين تسكنين؟ قالت: في قلوب الراضين

قيل: فَبِمَ تتغذيْن؟ قالت: من قوة إيمانهم

قيل: فبم تدومين؟ قالت: بحسن تدبيرهم

قيل: فبم تُستجلبين؟ قالت: أن تعلم نفسٌ أن لن يصيبها إلا ما كتب الله لها

قيل: فبم ترحلين؟ قالت: بالطمع بعد القناعة، وبالحرص بعد السماحة، وبالهمّ بعد السرور، وبالشكّ بعد اليقين.

علينا أن نشدّ أزر بعضنا بعضاً في هذا العمل الإنساني الكبير، وأن نتكامل فيما نقوم به من خدمة لمجتمعنا ولأبنائنا حتى نحقق السعادة لهؤلاء الأبناء، ما إستطعنا إلى ذلك سبيلاً، عندها تتحقق لنا السعادة في أنفسنا وفي بيوتنا وفي مجتمعنا.

إن عمليات الدمج التي تقومون بها في مؤسساتكم والتعاون فيما بينكم هو دليل حضارة ورقي، وهو عمل إنساني بإمتياز، يعلوه شعار: "أحب الخَلْق إلى الله أنفعهم لعياله".

بارك الله بكم وبجهودكم وبعطاءاتكم، وإلى مزيد من التنسيق والتكامل حتى تقدموا للمجتمع أفضل وأرقى الخدمات من نفوس زكية وقلوب عامرة بحب الوطن وكل أبناء هذا الوطن، من جميع فئاته وطوائفه ومذاهبه ومناطقه وليكون عطاءكم نموجاً ومثلاً، وتكونوا قدوة للآخرين.

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.