المؤتمر الدولي الثامن عشر - الوسطية والاعتدال وأثرهما في حياة المسلمين المعاصرة 30 November 2018

أيها الحفل الكريم

        يُسعدني أن أقف بينكم اليوم، وأن أنقلَ إليكم تحياتِ دولةِ الرئيسِ الأستاذ نجيب ميقاتي الذي كلّفني شرفَ تمثيلِه في هذا المؤتمرِ الجامع، بالغِ الأهمية، حول الوسطية والاعتدال وأثرهما في حياة المسلمين المعاصرة، نظراً لما يجري على الساحة الدولية من أحداث جسام، تتسارع يوماً بعد يوم، وتطال عالمَنا الإسلاميَّ بشكل واسع، وتنعكس على مجريات الأوضاع العامة في العالم كله.

كل الشكر والتقدير لاتحاد الجامعات الدولي ورئيسه البروفسور محمد خير الغباني، وللدكتور سعد الدين كبي، رئيس المؤتمر، ولجميع الجهات الداعية والمنظمة، وعلى أمل أن يخرج هذا المؤتمر بتوصياتٍ تجمع الشمل، وتوحِّد الجهود، لما فيه خير المسلمين والعالم أجمع.

أيها الإخوة الأكارم

        لاحظ الإنسانُ قديماً أهميةَ التوسط والاعتدال في الحياة، وقد تحدثتْ عن أهميتها وفضائلها الفلسفاتُ القديمةُ، حيث اعتبرها أرسطو طريقاً لبلوغ السعادة، وأسماها "الوسط الذهبي"، ورأى أنها تُنظِّمُ الأخلاقَ في شكلٍ ثلاثي، يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة، والوسط فضيلة؛ فالشجاعة وسطٌ بين التهوّر والجبن، والكرم وسطٌ بين البخل والإسراف....

وإلى أوسع من هذا، ذهب ابن القيم الجوزية في قوله: "ما أمرَ اللهُ بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريطٍ وإضاعة، وإما إلى إفراطٍ وغلو، ودينُ الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه". وهذا ما كان أساساً في التشريع الإسلامي الخاتَم، ليكون للعالمين كافة، حيث يقولُ الله تعالى في محكم التنزيل: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة 143).

وقد كان لعلماء المسلمين، وللباحثين الاجتماعيين، في عصرنا الحديث، باعٌ طويل في تأصيل الفكر الوسطي وإظهار معالمه ومرتكزاته وسماته. وانتشرت المنتدياتُ والجمعياتُ الوسطية العاملة في الساحتين الفكرية والسياسية في منطقتنا، لتجد نفسها في مواجهةِ موجةٍ كبيرةٍ من التطرف الفكري، الذي يظهر وينمو كلما ضعف الفكر الوسطي، ولقد انتشرت موجة جديدة من الأفكار المتطرفة في عالمنا العربي أواسطَ القرن الماضي كردة فعل على الظلم والفساد المستشرييْن. ومنذ عقدين من الزمان استفحل التطرف وازداد خطره بانتقاله إلى التكفير الجماعي وتبنيّه العنف والعمل المسلح، الأمر الذي تسبّب بتشويهٍ كبيرٍ لصورة الإسلام والمسلمين في العالم بأسره، وشَغَل الناسَ عن قضاياهم الأساسية في التنمية والتعليم والوحدة وتحرير فلسطين. وأصبح الشغل الشاغل للحكومات والمنظمات الدولية البحث في كيفية تجفيف منابع الإرهاب، فلم يجدوها حتى الآن وللأسف، إلّا في المواجهة المسلحة المباشرة، واتهام أصول الإسلام الفكرية السمحة بالتخلف والإرهاب.

وأتصوّر أنَّ أيَّ حديثٍ عن الوسطية يبقى ناقصاً إن لم نتحدّث عن نقيضها وهو التطرف الذي حاربه الإسلام وحذَّر منه. فقد ورد في الحديث: «إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ»، أي التشدد فيه، ومجاوزة الحد.

والتطرف أنواع أذكر منها: التطرف السياسي (اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف)، التطرف العرقي( شعب الله المختار)، التطرف الديني، الذي أصاب وباؤه كافة الشرائع السماوية وغير السماوية ( من الأمثلة على ذلك:عصابات الهاغانا "اليهودية"، جيش الرب "المسيحية" ، بوكو حرام "الإسلام"، الرهبان البوذيون في بورما). وقد شهد التاريخ الحديث كثيراً من ويلات التطرف بأنواعه التي ذكرت، والتي عادت على الشعوب بالكوارث والويلات.

ومن أشد أنواع التطرف التي تعاني منها مجتمعاتنا اليوم، التطرف الذي تمارسه مجموعات تحمل فكراً مغالياً بعيداً عن سماحة الإسلام، وترتكب جرائم مروعة باسم الدين وهو منها براء.

علاج التطرّف: بالنظر إلى تعدّد أسباب التطرف؛ من الصعوبة بمكان الحديث عن برنامج وقائي أو علاجي للتطرف كظاهرة، أو للمتطرفين كضحايا، فلكل منها أسبابه وأنماطه وشخصيته التي تميّزه. لكن من المفيد جداً محاولة الاكتشاف المبكر للتطرف الفكرى والوجداني، والسعي في علاجه قبل أن يتحول إلى تطرف سلوكي؛ الحوار ثم الحوار ثم الحوار، من قبل متخصّصين مع ضحايا التطرف، وكشف شبهاتهم وإرشادهم إلى الفهم الصحيح للإسلام؛ نشر الوعي الديني وبث المعاني الإيمانية التي ترتقي بروح الإنسان وتسمو بنفسه ما يدفعها لبذل الخير والابتعاد عن التكفير وترويع الآمنين، تدريس أدب الخلاف، وتعدد الآراء، وبيان أن الإسلام يسع هذه الآراء جميعها وأنْ: لا إكراه في الدين؛ منع الظلم على المستوى الفردي والاجتماعي، وإرساء العدل، ومنع تفشّي ما تراه شرائح مهمة في المجتمع فواحش ومنكرات، وإرساء قواعد التكافل الاجتماعي، ومحاربة الفساد، وإعطاء فرص حقيقية للتعددية السياسية والفكرية التى تمثل كافة التيارات الموجودة فى المجتمع دون استبعاد أو وصم أو إلغاء.

أيها الإخوة الأكارم

        إن ما يجري على الساحة الإسلامية اليوم من صراعاتٍ سياسية حادة، وحروبٍ داخلية عبثية، تزداد رقعتُها يوماً بعد يوم، تشكّل خطراً داهماً على الاستقرار في المنطقة، وتلامس في تهديداتها العالم بأسره.

إنني على يقين، بأن أصحاب الفكر الوسطي، هم القادرون أكثر من غيرهم على رسم خارطة الطريق للخروج من دوامة العنف، التي تعصف بالمنطقة اليوم، ووضع مبادئ العمل الجاد والدؤوب، على جميع الأصعدة لتحقيق الاستقرار المنشود. ذلك أن الوسطية تنطلق دائماً من الواقع وتتعامل معه بمسؤولية جامعة، تجمع ولا تفرّق، بدون أن تستثني أحداً. وتتميز خطواتها دائماً بالتواصل مع الجميع، بإيجابية قابلة للتطبيق، وباعتراف صريح وأكيد بخصوصية الآخر، ومراعاة لها.

إن الإسلام هو دين السماحة والوسطية، لا مكان فيه للتطرف والغلو، يقول تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعدَ ملوماً محسوراً" ، ويقول عزَ وجلَّ: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً"، ويقول أيضاً:" وما جعل عليكم في الدين من حرج".  وهناك أحاديث كثيرة  للنبي صلى الله عليه سلم، يُحذّر فيها من التطرف والغلو ويدعو للسماحة والاعتدال أذكر منها :" إياكم والغلو"، " هلك المتنطعون"، أي الغالون المبالغون في الأمور، "خير الأمور أوساطها"، "إن هذا الدين يسرٌ فأَوْغِلوا فيه برفق"، "ما شادّ هذا الدينَ أحدٌ إلّا غلبه"، "بُعثت بالحنيفية السمحاء"، "يسّروا ولا تعسّروا بَشّروا ولا تنفروا"، "ما خُيّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً" وغيرها..

إنّ على المنتديات الوسطية، أن تعمل جاهدة لمواجهة ثقافة العنف، بكل ما أوتيتْ من سلاح العلم والمعرفة، والحجة والبرهان، وأن تسعى في مؤتمراتها وندواتها لنشر ثقافة السلام، وأن تحشد لذلك العلماء والباحثين ورجال الدين، وأن تستفيد من وسائل الإعلام المختلفة، الفضائية منها والإلكترونية وغيرها، وأن تدعو إلى الوسطية والاعتدال، اللذيْن تميز بهما إسلامنا الحنيف، على مر العصور والأزمنة. فمقارعة التطرف الفكري لا تكون مواجهتُه إلا بالاعتدال الفكري ونشرِه على أوسع مجال.

إنني أرى، أن العمل الجاد في نشر الفكر الوسطي بين الناس، يجب أن يشمل، وبعناية فائقة، الأجيال الصاعدة. وهذا الأمر يشكّل ضرورةً قصوى في بداية الطريق للتصدي للتطرف الفكري، الذي أصبح ينتشر في معظمه بين الشباب،  ويتطور بسرعة بالغة، إلى عنفٍ وإرهاب وإنحراف، تأباه النفس البشرية ويرفضه العقل والدين.

إن تربية الناشئة على الإعتدال في السلوك والتوازن الفكري، والإستقامة والثبات في العقيدة، وثقافة الانفتاح، والحوار بالحسنى، ومقارعة الحجة بالحجة، وقبول الآخر، وحق الاختلاف، كل ذلك يجب أن يكون في صلب عملنا السياسي والإجتماعي ودعوتنا للوسطية، من أجل العيش بسلام على هذا الكوكب.

ولعله من نافل القول أن تشمل تربيةُ الناشئة كلَّ ذلك، من خلال تأهيل الأسرة وإعدادها تربوياً، وهنا أدعو لتعديل مناهجنا التربوية من المراحل التدريسية الأولى وحتى الدراسة الجامعية لتحصين الأجيال من لَوْثَةِ الغلو والتطرف وغرس روح التسامح والاعتدال في قلوبهم وعقولهم. وتطبيق المناهج التفاعلية، في سبيل تنمية ملكة الحوار عند الطلاب، وتعويدهم على الديمقراطية، من خلال الدخول في النوادي الفكرية الجامعية، والجامعة لمختلف الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية المختلفة.

كما علينا أن نولي الاهتمام الكافي بالبيئة المحيطة بنا، من جمعيات دينية واجتماعية، ونوادٍ كشفية ورياضية، وأحزاب سياسية، التي تساهم، مجتمعةً، كلّها في تكوين شخصية وسلوك أبنائنا. يضاف إلى كل ذلك طبعاً وسائل التواصل الإجتماعي على الشبكة الإلكترونية التي أضحت من أهم وسائل التواصل بين الأجيال الصاعدة وتلعب دوراً كبيراً جداً في تكوين فكر وثقافة وسلوك وممارسة الشباب في شتى الإتجاهات.

إن دعوتنا للوسطية تنطلق من إيمان ثابت بأن الوسطية الجامعة، هي محور التلاقي بين جميع الأطراف المتنازعة، التي، مهما طال وقت النزاع فيما بينها، لن يستطيع أحد منها أن يلغي الآخر، ولا بد لها أن تتحاور في النهاية وتلتقي حول الوسط الجامع.

أيها الإخوة الأكارم

        علينا أن ندرك بأن خطاب الوسطية هو خطاب العقل والفكر، أما خطاب التطرف فهو خطاب النفس والغريزة. لذلك كان خطاب التطرف أسهل وأسرع في الوصول إلى نفوس الناس. وتزداد فعالية هذا الخطاب، أي خطاب التطرف، كلما زاد الفقر والجهل والظلم والتعصب الأعمى في المجتمع. لذلك وجب علينا أولاً إظهار أثر هذه الآفات الأربع على انتشار التطرف وتحوله إلى سلوك وإرهاب. كما يجب علينا أيضاً أن نعمل بالتعاون مع جميع شرائح المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية لمعالجة هذه الآفات الأربع التي تفتك بالمجتمعات، وتزداد خطورتها يوماً بعد يوم في ظل الأوضاع الإقتصادية المتراجعة في العالم كله، كما في منطقتنا الإسلامية بشكل كبير.

والوسطية لا تكون أبداً بين الحق والباطل، ولا بين الخير والشر، ولا بين الإيمان والكفر، لأنها هي الحق والخير والإيمان وهي صراط الله المستقيم حيث يقول تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم" (سورة الأنعام – 153). وهي لا تشمل جانباً واحداً من جوانب الحياة، بل هي منهج حياة وصفة من صفات الأمة الإسلامية.

فالوسطية في الدين تنهى عن الرهبانية والإنصراف الكلّي للعبادة والطقوس الفردية فقط، وقد جعل الله الدنيا مزرعة الآخرة، وجعل عمارة الأرض، وطلب العلم ونشره، جزءاً من عبادة المسلم، بالمفهوم الشامل للعبادة. ولعل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته، خير دليل عن الوسطية حتى في العبادة. يقول الحديث: إن رهطاً من الصحابة ذهبوا إلى بيوت النبي يسألون أزواجه عن عبادته، فلما أخبروا، كأنهم تقالوها (أي اعتبروها قليلة) ثم قالوا، أين نحن من رسول الله، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر فلا أفطر. وقال الثاني، وأنا أقوم الليل فلا أنام. وقال الثالث وأنا أعتزل النساء. فلما بلغ ذلك النبيَّ بيّن لهم خطأهم وعوج طريقهم، وقال لهم: "إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه أنس بن مالك).

والوسطية في السياسة هي مشروع الدولة العادلة التي تأبى الظلم، وتعطي كل ذي حق حقه، وتحمي الحريات التي لا تتعارض مع حريات الآخرين، وتدعو الجميع للقيام بواجباتهم تجاه مجتمعهم ووطنهم، بدون تمييز لطائفة أومذهب أومنطقة. والوسطية في السياسة تدعو إلى الإجماع حول الثوابت والأصول، كالسيادة، وحق مقاومة العدو، وتؤمن بالتعددية وبحق الإختلاف في المتغيرات والفروع، وتدعو إلى العيش المشترك لجميع المواطنين، وتدعوهم دائماً إلى الحوار بالحسنى، عملاً بالقول المأثور: نعمل معاً في ما إتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً في ما إختلفنا حوله.

والوسطية في الإدارة تدعو إلى الشفافية، وتحارب الفساد على أنواعه، وتدعو إلى الإنماء المتوازن، وتحث على الإخلاص والإتقان والجودة في العمل. ولعل في الحديث الشريف: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" خير دليل على ذلك.

 والوسطية في الاقتصاد، تدعو إلى تطوير “مفاهيم الرأسمالية الإجتماعية” القائمة على مبدأ ضمان الحرية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية لجميع الناس، مع توفير المتطلبات الأساسية لجميع المواطنين، كالسكن والتعليم والإستشفاء لمن هم في حاجة لها ويعجزون عن تأمينها. وهي التي تسعى إلى تأمين حدود الكفاية لجميع المواطنين، وحاجاتهم المشبعة بإستمرار. وهي التي تعمل على تعزيز دور الطبقة الوسطى في المجتمع، لأنها تشكل عامل استقرار فيه. كما تدعو إلى الإقتصاد في الموارد الطبيعية، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص، عبرة بالغة، عندما رآه يتوضأ ويسرف في الماء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسرف يا سعد. فقال سعد أفي الوضوء سرف يا رسول الله (والوضوء عبادة). فقال له النبي الخاتم معلماً البشرية جمعاء: ولوكنتَ على نهرٍ جارٍ.

والوسطية في الإعلام، تسعى إلى إيصال الواقع والحقيقة إلى الناس، بدون زيادة أو نقصان. تخاطب العقل والفكر، وترفض مخاطبة الغرائز، كما ترفض نشر الفتنة والإثارة على أنواعها، وتعمل على تنمية الحس الوطني والديمقراطي، وتسعى إلى بناء الأفكار والرؤى المرتكزة على إعتدال المقاصد، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وهي تمارس الرقابة الذاتية على المعلومات والمعارف وعلى البرامج التي تبثها أو تنشرها. ولا يخفى على أحد أثر الإعلام ودوره في بناء شخصية الإنسان وفي مواقفه وصياغة عقله وتوجهاته وسلوكه.

والوسطية في التربية والتعليم تدعو إلى زرع العلم النافع، والقيم الحميدة، ومكارم الأخلاق، خصوصاً وأن الفضيلة في السلوك غالباً ما تكون وسطاً بين رذيلتين. وهي في التعليم، تسعى إلى نشر التعليم النشط الذي يربي في الناشئة ملكة التفاعل والحوار العلمي القائم على البراهين والأدلة. وهي ترفض التعليم التلقيني الذي يزرع في نفس الطالب خاصية الخضوع والإذعان.

أيها الإخوة الأكارم

        الوسطية ليست خنوعاً أو ضعفاً أو هروباً من موقف أو قرار، إنما هي الخيار الجامع في المجتمعات التعددية، حزبية كانت أو مذهبية أو عرقية أو قبلية أو مناطقية أو فكرية أو غير ذلك. وهي شكل من أشكال التفكير المنفتح الذي يؤمن بحق الاختلاف، الذي يفسح المجال بإستنباط المعارف الكونية، والحقائق العلمية، وكل ما يفضي إلى تطور المجتمعات وتقدم الإنسانية ويؤدي إلى عمارة الأرض.

كل ذلك يجعل من الأمة الإسلامية في تشريعها الخاتم أمة وسطية بين سائر الأمم. وفي هذه الوسطية رسالة خالدة إلى العالم كله بأحقية الإختلاف ومشروعيته وحرمة الخلاف والشقاق والتناحر بين المسلمين فيما بينهم، وبين المسلمين وسائر الأمم الأخرى، إذ يقول تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا". ويقول علماء المسلمين: إختلاف الأئمة رحمة، وخلافهم نقمة.

أختم معكم بالشكر الجزيل للجهات المنظمة، راجياً إلى الله العلي القدير أن يمكننا من نشر مبادئ ومعالم الوسطية ومعالجة معوقات إنتشارها، لنعود كما أرادنا الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، ولنكون بحق شهداء على الناس، في كل زمان ومكان، نحق الحق بكل صدق وأمان، ونبطل الباطل بدون تسفيه أو عدوان.

وفقنا الله وإياكم لكل خير جامع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.