ندوة البحث العلمي السلام الإقتصادي في القرآن الكريم 24 March 2018

أيها الحفل الكريم

          يطيب لي أن أرحب بكم جميعاً في هذه الندوة التي تشكل جزءاً هاماً في فعاليات جائزة عزم طرابلس لحفظ القرآن الكريم وتجويده،التي أطلقها الرئيس نجيب ميقاتي لتقوم بها جمعية العزم والسعادة بالتعاون مع دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية.

لقد كان قرار اللجنة المنظمة للجائزة بأن يكون البحث العلمي القرآني في هذه الدورة المحلية لهذا العام متواصلاً مع ما كانت عليه ندوةُ العام الماضي في المسابقة الدولية، حول السلام في القرآن الكريم، مع التخصيص هذا العام في موضوع السلام الإقتصادي الذي لم ينل نصيبه الكافي من البحث في العام الماضي.

وقد إشترك في هذه المسابقة ثلاثة عشر باحثاً، إختارت منها لجنةُ تحكيمِ الأبحاث العلمية، أربعة أبحاثٍ تطرق فيها كل باحث إلى جانب معين وهام من جوانب السلام الإقتصادي. وسوف تُقدّم هذه المواضيع إليكم في هذه الندوة.

ما أودّ أن أشير إليه في هذه المقدمة هو أن الله تعالى خلق الإنسان وفطره على حب الإجتماع. ومن العلماء من يقول أن الإنسان سمّي إنساناً لأنه يأنس بغيره، ولذلك كانت جميع العبادات في جزء منها تمثل علاقةً بين الإنسان وربه، وفي أجزاءَ كثيرةٍ منها تمثل أيضاً تواصلاً مع المجتمع، وتلاحماً وتراحماً بين مكوناته قلّ مثيلهما في المجتمعات غير الإسلامية. فالقرآن العظيم ليس فقط كتاباً يُتلى، وتلاوته وحفظه عبادةٌ يتقرب كلٌ منّا بها إلى ربه، ولكنه أيضاً تشريع سماويّ للمجتمعات وخُلُقٌ وقيمٌ إنسانية أمر بها الإسلام وحض عليها تشكل في مجموعها ناموسُ تطور الحضارة الإنسانية على مَرّ العصور والأزمان. وعندما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُقِ النبي عليه الصلاة والسلام قالت: كان خلقه القرآن. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحفظون عشراً من الآيات الكريمة ويطبقونها في حياتهم وفي معاملاتهم وعلاقاتهم المجتمعية ثم ينتقلون إلى غيرها.

وموضوعنا حول السلام الإقتصادي في الإسلام يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي الزكاة والصدقة والوقف، ليتحقق بذلك التكافل الإجتماعي.

وبالإضافة إلى ذلك فقد حضّ الإسلام على العمل الذي هو العمود الفقري في النهوض الإقتصادي للمجتمعات، فقرنه في معظم الآيات القرآنية بالإيمان "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات..." وردت في العديد من الآيات وكذلك "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

 كما أمر الإسلام  بالعلم والإستزادة فيه على الدوام "وقل رب زدني علماً" لأن الأبحاث العلمية والإكتشافات الحديثة، هي التي تنضوي تحت عنوان "الزيادة في العلم" وبالتالي فهي محور التقدم والتنمية والتطور الإقتصادي في المجتمعات.

 وقد جاء القرآن الكريم والسنة الشريفة بقواعد وضوابط تنظم النشاط الإقتصادي. فجعل اللهُ أفضلَ الكسبِ كسبُ الرجل من عمل يده، ونهى عن التسوّل، ونظّم أمور التجارة بين البائع والمشتري، وحرّم الغش والربا في المعاملات، وفي البيع والشراء، وبيّن أمور الإرث، وكيفية تقسيمه حتى لا يؤدي ذلك إلى تكديس الثروات، وجعل الزكاة فرض عين. ولم يحرّم الغنى إذا كان من حلال، فجعل اليدَ العليا خيرٌ من اليد السفلى. وأمر بالوسطية في الإنفاق فقال تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"

لقد أظهرت الأبحاث المقدمة في هذه الندوة سعة أفقٍ كبيرةً في هذا الموضوع، نرجو إلى الله العلي القدير أن يوفقنا وإياكم لكل ما فيه الخير والسلام وأن يوفق محاضرينا بإدارة صاحب السماحة مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار، للإضاءة والإحاطة بهذا الموضوع الهام.  والله ولي ذلك وهو القادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.