ندوة "الحضور المسيحي ودوره الإيجابي في الشرق" بدعوة من "الجمعية الخيرية لرعاية المسنين" و"الملتقى الثقافي العربي" 29 October 2016

أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          يسعدني أن أكون معكم اليوم، مشاركاً في هذه الندوة الهامة، حول أهمية الحضور المسيحي ودوره الإيجابي في الشرق.

وقد قسمت مطالعتي في هذا الموضوع إلى العناوين الآتية:

1.     مواجهة المشروع الغربي لخلق شرق أوسط جديد، من خلال نشر الفوضى الخلاقة.

2.     المسيحيون في الشرق هم رسالة المسلمين إلى الغرب، خصوصاً في ظروف الإسلاموفوبيا التي يعيشها الغرب حالياً.

3.     لبنان، وطن الرسالة، يجب أن يكون نموذجاً للتعايش المشترك.

 

في العنوان الأول: مواجهة المشروع الغربي لخلق شرق أوسط جديد من خلال نشر الفوضى الخلاقة.

أذكر أنه بعد وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في العام 1970، وضعت مراكز الدراسات الغربية، مخططاً لمواجهة مشروع الوحدة العربية، الذي سعى إليه الزعيم الراحل، وأراده أن يكون في مواجهة الكيان الصهيوني الغاصب. وكان هذا المخطط يقوم على ثلاثة محاور، هي:

1.     العمل على تفريق وشرذمة المسلمين السنة في المنطقة، وتزكية الخلافات فيما بينهم، دولاً وجماعات مختلفة. فنشأت التنظيمات الإسلامية المتعددة، وإنتشرت في أرجاء العالم الإسلامي إنتشاراً واسعاً، منهم من يرفض الآخر، ومنهم من يكفّر الآخر، ومنهم من يقاتل الآخر. وإنتشر السلاح في أيدي معظمهم. وتزايدت الخلافات بين الدول العربية وارتفعت وتيرة الخطاب المتشنّج فيما بينها. وتوالى في الساحة الإسلامية ظهور التنظيمات المسلحة وغير المسلحة، والتوجهات الفكرية المتعددة، التي تتصارع فيما بينها وتتصارع مع الأنظمة القائمة في هذه الدول، وباتت تهدّد الأمن والإستقرار في هذه الدول. وهذا ما تشهده الساحة الإسلامية اليوم للأسف الشديد وفي تصعيدٍ متواصل.

 

 

2.     تأجيج الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، وإخراج الشيعة من الصف العربي، وقد إستطاعت الأجهزة الغربية، إيقاظ فتنة نائمة لما يزيد على ألف سنة، والعمل على تزكيتها وتأجيجها، سواء في داخل بعض الدول الإسلامية، أو في علاقات هذه الدول مع جاراتها. وهو ما تشهده الساحة الإسلامية اليوم وفي تصعيدٍ متواصل.

3.     إخراج المسيحيين من المنطقة. وهنا بيت القصيد.

أجل، لقد عمل الغرب على إخراج المسيحيين من المنطقة، ورفعوا شعاراً يقول: "المسيحيون بين شرق طارد وغرب جاذب"، ولا أدلّ على ذلك من الحرب العراقية التي أدت إلى تغيير نظام صدام حسين والدخول الأمريكي إلى العراق والبقاء فيه مدة من الزمن. وعوضاً عن أن يشكل الوجود الأميركي حماية للناس وفي مقدمتهم المسيحيون، فقد شكلت الهجرة المسيحية أرقاماً غير مسبوقة في تاريخ العراق، حتى أنها زادت على 80% من السكان المسيحيين في العراق!! وكذلك الأمر بالنسبة لهجرة الأقباط من مصر من خلال تأشيرات دخول الـGreen card التي كانت تقدمها السفارة الأميركية في القاهرة، فقد كانت في غالبيتها العظمى تخصص للأقباط المصريين.

أما في لبنان فالرواية التي إنتشرت خلال الحرب اللبنانية، بل وفي بداياتها، عندما زار المبعوث الرئاسي الأميركي، السفير دين براون، الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية في العام 1976، ليقول له: "لقد قضي الأمر يا مسيحيي لبنان، ... مآلكم كندا، وها هي البواخر الأميركية قبالة شواطئكم بإنتظاركم في عرض البحر، فلستم هنا إلا فائضاً بشرياً لا مستقبل له". وكان رفض الرئيس سليمان فرنجية قاطعاً ومطلقاً. هذه الرواية تؤكد المحور الثالث في المخطط الغربي للمنطقة. ويقال أن دين براون فاتح الزعماء ريمون إده وكميل شمعون وبيار الجميل بهذا الإقتراح. وقد دونه ريمون إده بقلم أحمر في مفكرة صغيرة يكتب فيها غالباً بالفرنسية الملاحظات المهمة التي تكون عُرضت عليه بغية حفظها للتاريخ.

يذهب بعض الباحثين إلى القول، بأن الحرب اللبنانية كانت تربة خصبة لتجربة وبداية المشروع الغربي، نظراً للتعددية الطائفية والمذهبية التي يتمتع بها لبنان. ونظراً للجوء المقاومة الفلسطينية إلى لبنان بعد حوادث الأردن، في العام 1970.

لا شك في أن مواجهة هذا المخطط الغربي الظالم، الذي يخدم بالدرجة الأولى مصالح العدو الإسرائيلي، توجب التمسك بالوجود المسيحي في المنطقة، لأنه يشكل عامل إستقرار وازن في لبنان كما في المنطقة عموماً. كما أن حضور الإخوة المسيحيين ومشاركتهم في الحياة العامة وفي صنع القرار يشكلان ضمانة مهمة للسلام، لأن ذلك يسهم في نشر غطاء دولي يهتم بالسلام ويرفض العدوان الإسرائيلي وغيره.

 

 

 

العنوان الثاني: المسيحييون في الشرق هم رسالة المسلمين إلى الغرب،

هذه العبارة هي للمطران الراحل يوحنا فؤاد الحاج، قالها في بداية القرن الحالي. ولعل الحاجة إليها اليوم هي أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن موجة التطرف التي إجتاحت العالم، والتي إتخذت ستاراً إسلامياً لها في بعض مظاهرها، أصبحت تقضّ مضاجع الغرب، وخصوصاً بعد تفجير برج التجارة في نيويورك في أيلول عام 2001.

وكانت حملات بعض وسائل الإعلام الغربي تشكل حاضنة تسويقية لظاهرة الإسلامافوبيا التي إنتشرت في الغرب إنتشاراً واسعاً. ولا شك في أن مواجهة هذه الظاهرة من قبل إخواننا المسيحيين، الذين عاشوا مع المسلمين في سلام ووئام، ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان، تشكل دليلاً قاطعاً وعاملاً بالغ الأهمية عند الغرب في دحض الفكر المتطرف ونسبته إلى الإسلام.

إن دور المسيحيين المشرقيين، في إظهار القيم الإسلامية السمحة القائمة على الإعتدال والوسطية، وعدم الإفراط والتفريط، وعدم الإكراه في الدين وغير ذلك، يشكل حجة دامغة إلى الغرب، بل وإلى العالم بأسره، بأن الإسلام، ليس ديناً إلغائياً للآخر، بل هو دين السلام مع الآخر، ودين البرّ بالآخر، والقسط مع الآخر، عملاً بقوله تعالى في سورة الممتحنة: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين".

أما في العنوان الثالث: لبنان وطن الرسالة والعيش المشترك

فقد أثبت اللبنانيون، مسلمون ومسيحيون، بأنهم أصحاب تراث حضاري مشترك على جميع الأصعدة، سواء كان ذلك على صعيد العلوم واللغات وفي مقدمها اللغة العربية، أم على صعيد الإقتصاد والإجتماع وغير ذلك. وهذا التراث المشترك يستوجب عملاً مشتركاً يكون في خدمة السلام والإعتدال والقيم المشتركة. فالله في إعتقاد المسلمين والمسيحيين هو إله السلام والمحبة والقيم الأخلاقية الواحدة. فلا مكان للتطرف أو الإرهاب في الديانتين.

لذلك فإن التمسك بالعيش المشترك وتطويره من خلال نبذ مناخات الإنقسام والخلاف لنكون جميعاً رسل سلام ومحبة وإعتدال وتضامن فيما بيننا لنفوّت على إسرائيل فرصة مشروعها المعروف والقائم على تقسيم اللبنانيين والعرب لتضمن سيادتها المتمادية.

وقد جاء في البيان التأسيسي للقيادات الروحية الإسلامية والمسيحية، الذي عقد في دار الفتوى في طرابلس في مطلع القرن الحالي أن "حضورنا المشترك فوق أرض لبنان، وفي طرابلس تحديداً، لا نريده حضوراً مغلقاً غير متكامل بل نريده حضوراً لشهادة ورسالة. إنها الشهادة لمحبة متبادلة، تجسدها أفعال الخدمة والرحمة المتبادلة. وإنها رسالة السعي إلى حياة وطنية يسودها الحق والعدل والمساواة" ويضيف البيان: "إننا نجمع على إدانة وشجب كل أعمال العنف التي تستهدف الأبرياء المدنيين العزّل".

 

 

أيها الإخوة الأكارم

إننا نؤمن بأن لبنان بما فيه من تعددية مذهبية وطائفية، وتعددية حزبية وإعلامية، وبما فيه من حرية الرأي والفكر والمعتقد، هو وطن الرسالة كما سمّاه البابا الراحل يوحنا بولس السادس، وهو يجب أن يقوم على هذه المبادئ التي ذكرها البيان التأسيسي للقيادات الروحية. ولا يتحقق ذلك إلا بالعيش المشترك بين كل أبنائه، مسلمين ومسيحيين. فهو وطن نهائي لجميع أبنائه، كما ينص الدستور بشكل واضح وجلي.

ولا يمكن لهذا الوطن أن يحلّق في فضاء التقدم والحضارة إذا اعترى الخلل أحدُ هذين الجناحين.

إن تعزيز هذه الصيغة يكمن في إحترام الكل للآخر، وثقة الكل بالآخر، ورغبة الكل بالتعايش مع الآخر. إن الشعور بالظلم عند أي جناح فيه، يولّد التعصب والطائفية، والتطرف والإرهاب. لذلك علينا جميعاً أن نسعى جاهدين لتحرير الثقافة الدينية والتربية الروحية من سطوة الثقافة الطائفية والتربية المنغلقة.

إن التربية على ثقافة الإنفتاح أصبحت ضرورة ماسة في مجتمعاتنا، حتى نواجه بها الفكر المتطرف الذي يغزو عقول شبابنا اليوم. ويجب أن نؤسس لذلك في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وفي مؤسساتنا الإجتماعية، وفي مواعظنا الدينية ومن خلال الإعلام على أنواعه، وبما فيه وسائل التواصل الإجتماعي التي أصبحت تشكل قوة ضاغطة ومؤثرة في الرأي العام.

أختم معكم بقول الله تعالى في سورة  المائدة: "لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون".

 

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.