نظرة تفاؤلية 23 January 2012

إن نظرة علمية دقيقة لواقع الحضارة الإنسانية اليوم تجعلنا ندرك أن هذه الحضارة تمر بأزمة حادة بعد أن بلغت أوجها في الماضي القريب. فالإنحدار في التربية والأخلاق في العالم الغربي عموما والذي يبدو بطيئاً لأول وهلة، لا بد له وأن يتسارع لاحقاً ليأخذ بالحضارة نحو الضعف والإنهيار.

يذكر إبن خلدون في كتابه "المقدمة" أن سبب سقوط الحضارات هو الإنهيار الأخلاقي، وهو عامل مشترك في سقوط كل الحضارات ويشارك إبن خلدون في مقولته هذه عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين والباحثين، قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً من أمثال مالك بن نبي وسارتر وأرنولد توينبي وغيرهم كثير.

من هذه المقولات وغيرها كثير حول أسباب سقوط الحضارات، وتحليلاً لما يجري اليوم في الغرب، نرى أن إنفصام العُرى بين الدين والعلم يأخذ بعداً متجدداً ومتقدماً اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، ويلعب الدور الأبرز في إنهيار الحضارة الغربية.

فالإنحسار الكبير في عدد رواد دور العبادة من مساجد وكنائس في أوروبا وصل إلى درجة جعلت العديد من القيّمين على هذه الدور، يقفلونها إقفالاً تاماً، بل ويعرضونها للبيع، أو للتحويل إلى قصور ومتاحف وقاعات موسيقية ومراكز خدمة إجتماعية ومدنية مختلفة.

وهذه الظاهرة قد بدأت منذ عشر سنوات أو أكثر تظهر بوضوح، وهي في إزدياد ملحوظ. ففي دراسة أجراها البروفسور في جامعة لوفت الكاثوليكية في بلجيكا، مارك هوفا توصل إلى أنه في عام 1967 كان حوالي 50 في المئة من البلجيكيين يذهبون في أيام الآحاد إلى الكنائس، لكن هذا العدد تقلَّص تدريجياً، ليصل في العام 2009 إلى 5 في المئة فقط. (جريدة السفير العدد 11817 – 18 شباط 2011 مقالة بعنوان كنائس بلجيكا تتقاعد كدور عبادة)

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فمحاولات الفسخ بين الدين والعلم في الماضي قد إنقلبت وبالاً على أصحابها ومجتمعاتها، ولا أدلّ على ذلك مما كان يجري في أوروبا في القرون الوسطى، التي عُرفت̊ بالقرون المظلمة عندما إشتد الخلاف بين رجال الكنيسة والعلماء، لدرجة أن رجال الكنيسة عملوا، من خلال أهل السلطة والحكام في حينها، على حبس ونفي وقتل عددٍ كبيرٍ من العلماء والباحثين، لأنهم إعتقدوا، ولأسبابٍ واهية، بعيدةٍ كل البعد عن الحقيقة والواقع، أن إكتشافات هؤلاء العلماء والباحثين، تهدّد سلطاتهم الروحية وتضعف إيمان الناس بما يدعونهم إليه من إيمانٍ بالغيبيات، وغاب عنهم أنّ عقل الإنسان المخلوق، مهما سما وعلا وتقدّم، فإنه لا يستطيع أن يدرك قدرات خالقه، الذي أعطاه العقل ليدرك به ما حوله من المحسوسات والماديات، وليستنتج الظواهر الكونية بالدلالات عليها، وليؤمن بالغيبيّات كما جاء بها خالقه. فشهدت تلك الفترة إنهيارات سياسية وإنحطاطاً علمياً وثقافياً متزايداً، وحروباً أهلية متنقلة، بدأت في القرن السادس الميلادي، وإستمرّت حتى القرن الخامس عشر، وعُرِف هذا العصر بعصر الإنحطاط العلمي في أوروبا.

أما المثل الثاني للدلالة على الفشل في نتائج الفصل بين الدين والعلم، فهو ما رافق الثورة الإشتراكية في روسيا في مطلع القرن العشرين، من دعوةٍ إلى العلم، ورفضٍ للدين، وإعتبار "الدين أفيون الشعب" كما كان يقول كارل ماركس. فهُدّمت الكنائس والمساجد، وقُيّدت دعوة رجال الدين، وإنتشر الإلحاد والكفر. هذا من ناحية، أما على الصعيد العلمي، فبُنيت المعاهد والجامعات والمدارس والمكتبات الضخمة، وإنطلقت المشاريع العمرانية، وتم تشجيع العلماء وإكرامهم وتقديرهم ليصلوا إلى القمر. ولكن ذلك لم يدم طويلاً، ولم يحقق أهدافه في الوصول إلى رفاه الإنسان وإشباع حاجاته المتزايدة وكفاياته المادية، لأنه ترافق مع خواءٍ روحيٍّ وعقائدي. فانقلب الناس على النظام الإشتراكي قبل نهاية القرن، وأول ما فعلوه أنهم بدأوا بتشييد الكنائس والمساجد من جديد، وترميم القديم منها. فتنامت أعداد المؤمنين بسرعة قياسية، وعادوا يؤمّون المعابد من جديد، وبأعدادٍ كبيرة، وكأنهم كانوا في غربةٍ قسريةٍ عنها. أي أن الدعوة إلى العلم وما رافقها من نهضة علمية، سرعان ما تهاوت خلال أقل من قرنٍ من الزمان، لأنها إنفصلت عن الدين، فأصبحت ماديةً محضةً، خالية من الأهداف الإنسانية والقيم السامية.

أخلص إلى القول أن العلاقة بين الدين والتطور العلمي هي علاقة تكاملية وعلاقة إمتداد، وليست علاقة متوازية أو متقابلة. فالدين هو عقيدة إيمانيّة مستقرّها القلب والفؤاد، وهو تشريعٌ لما يجب أن تكون عليه حياة البشر وعلاقاتهم ومعاملاتهم. والأصول والثوابت في الدين لا تقبل التغيير أو التبديل أو الزيادة أو النقصان.

 أما العلم فهو ثمرة من ثمرات العقيدة، ومستقرّه العقل. فالعقل ينمو مع الإنسان ويتطور معه، ثم يشيخ ويموت معه أيضاً. والعلم هو نتاج العقل، يبقى في المجتمع الإنساني بعد موت صاحبه، ليكون تراكمياً، وليؤكد على الشق الثاني في الهدف من خلق الإنسان ألا وهو عمارة الأرض.

عوامل ومؤشرات إنهيار الحضارة الغربية

ومع وصول التطور العلمي إلى جعلِ العالم قرية كونية بين يدي الإنسان، ومع التقدم العلمي الغير مسبوق الذي حصل في إطار ثورة المعلومات والإتصالات، وما رافقها من إنفجار المعرفة وفتح أبوابها أمام الجميع بدون إستثناء، وذلك في الربع الأخير من القرن العشرين، نرى أن ذلك كان يترافق، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مع تراجع في الإلتزام الديني، وغياب للأهداف والغايات والمثل الإنسانية التي فطر اللهُ الناسَ عليها، و جَعَلَها في صلب العقيدة الإيمانية التي دعت إليها الشرائع السماوية.

لذلك يمكننا القول، بأن الحضارة الغربية، وإن إنطلقت بعد القرون المظلمة، من خلال المدارس التبشيرية والجمعيات الدينية والتعليمية. فإنها سرعان ما تحولت عن مسارها، لتكون حضارةً، الإنسانُ القريب دون غيره، مبدؤها وغايتها، وخاضعةً لمقولة: العالِم لا يكون متديناً، والمتدين لا يكون عالِماً، وبالتالي فهي بعيدة كل البعد عن أن تكون حضارة إنسانية شاملة (كما كانت الحضارة الإسلامية موجهة إلى جميع الناس بدون إستثناء، عربيهم وأعجميهم، مسلمهم وغير مسلمهم).

 لذلك كان لا بد لهذه الحضارة من الإنحدار والأفول، والمؤشرات على ذلك كثيرة جداً، نذكر منها:

·         على الصعيد الصحي، الأمراض الواسعة الإنتشار، كمرض السيدا، ومرض جنون البقر، وأنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور وغيرها، وقد أوجبت كمرض جنون البقر، إعدام عشرات الملايين من الأبقار - وكذلك مرض أنفلونزا الطيور -  في محاولات حثيثة من المنظمات العالمية لوضع حدٍ لإنتشار هذه الأمراض بين البشر. وعلى الرغم من ذلك فقد طاولت هذه الأمراض الآلاف من البشر وتسببت في وفيات عدد غير قليل منهم. يضاف إلى ذلك ظهور فيروس شمالينبرغ (نسبة إلى القرية الألمانية التي ظهر فيها هذا الفيروس في العام 2011). وهو يضرب الحيوانات في شمال أوروبا، ويتسبّب في تشوهات لدى الحيوانات المولودة حديثاً. والأجنة في قطعان الأبقار والغنم والماعز ومنها 20 ÷ 50 يولد ميتاً. كما تسبب في إنخفاض كبير في مستوى إنتاج الحليب. ولا يعرف شيئاً حتى صدور التقرير، عن إمكانية إنتقاله إلى الإنسان. (السفير العدد 12085 – تاريخ 16-1-2012)

·         على الصعيد البيئي، فالحضارة الغربية لم تراع الجوانب البيئية في كل ما أفرزته من صناعاتٍ متقدمة، وتطورٍ علميٍّ هائل، بل على العكس من ذلك فالدول الغربية مجتمعة في مؤتمر كوبنهاجن عام 2008، بل وفي جميع المؤتمرات التي سبقتها منذ العام 1972 لم تستطع أن تقدم حلولاً حذرية وعملية للتغيير الحاصل في البيئة وأن تتجنّب كلّ ما أدى إلى ثقب طبقة الأوزون وما ينتج عن ذلك من تدهور وتلوث بيئيي يتجلى في مزيد من المساحات المتصحرة وإرتفاع في منسوب مياه بعض البحار (البحر المتوسط وبحر قزوين).

·          على الصعيد المالي، أثبتت الأزمة المالية التي بدأت في أمريكا في العام 2008، مع إنهيار وإفلاس إحدى المؤسسات المالية فيها، وطالت شظاياها العالم أجمع بدون إستثناء ولا تزال إرتداداتها تطال العديد من الدول الأوروبية مهددة أنظمة هذه الدول بالإنهيار الإقتصادي، على الرغم من مضي ما يزيد على 3 سنوات على حدوثها. كما أثبتت هذه الأزمة أيضاً هشاشة النظام الرأسمالي العالمي، ويُرجع علماء الإقتصاد أسباب ما حصل إلى عمليات مالية مشبوهة (عمليات بيع الدّين̊ المحرّمة وفق الشريعة الإسلامية). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأزمة ليست الأولى من نوعها بل سبقها عدد من الأزمات المتلاحقة منذ بدايات القرن العشرين. ولكن هذه الأزمة كانت هي الأقوى ولا شك.

·         على الصعيد الإقتصادي، إذا كان العالم الغربي خصوصاً والعالم عموماً، يعاني من البطالة وإقفال المؤسسات بين الحين والآخر، بسبب التغير المتموج للإقتصاد الرأسمالي، فأنّ هذه المعاناة قد زادت بحدة غير مسبوقة بعد الأزمة المالية في العام 2008، وقد ألقت هذه الأزمة بالملايين من العمال والموظفين في الشوارع، عرضة للجوع والمرض، فإنتشرت السرقات وأعمال العنف والقتل بسبب ذلك. كما بدأت مسيرات الإستنكار في عدد كبير من المدن  الأوروبية ضد النظام الإقتصادي وسياسة الشركات والمصارف الكبرى فيها. وقد سارت هذه المظاهرات في أكثر من 950 مدينة في 82 بلداً في العالم، شارك فيها عشرات الملايين من المواطنيين، تحت شعار "إحتلوا وول ستريت" – الشارع الذي يعتبر رمز الأسواق المالية – وطالبوا بجعل يوم 15 تشرين الأول يوماً للتضامن العالمي ضد جشع وفساد الطبقة المهيمنة على المؤسسات المالية الكبرى والإقتصاد العالمي والتي لا يتجاوز تعدادها الـ1% من سكان العالم.

·         على الصعيد الإجتماعي: لا شك أن العلاقات الأسرية عموماً أصبحت مصابة في التفكك، فتراجع نسبة الزواج والمطالبة بالمزيد من فرص العمل، وتعزيز العدالة الإجتماعية، وإرتفاع نسبة الطلاق، مؤشرات خطيرة لما يجري على الصعيد الإجتماعي. والعائلة هي نواة المجتمع، وإذا تفككت هذه النواة، فإن المجتمع بأسره يصبح مهدداً بالتفكك والإنحلال والتراجع. أضف إلى ذلك ما يجري في العالم الغربي اليوم من سماح لزواج المثليين، بدءاً من أمريكا التي بدأت بالسماح بذلك ولاية تلو الأخرى، وكانت ولاية نيويورك قد سمحت بذلك في شهر تشرين الثاني من العام 2011 ومن المتوقع زواج 800 ثنائي مثلي في اليوم الأول للبدء بالعمل بهذا التشريع. أما إيسلندا فقد سبقت ولاية نيويورك، إذ سمحت بذلك في حزيران 2010، وفي اليوم الأول للبدء بالعمل بهذا التشريع تزوجت رئيسة وزرائها من رفيقتها. ومن المتوقع أن تسمح بريطانيا بذلك قبل العام 2015، كما صرحت وزيرة الدولة المعنية بالمساواة.

·         على الصعيد السياسي: لا شك أن الحروب التي تقوم بين الدول هي حروب من أجل الثروات أولاً وآخراً، ولعل آخرها في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كانت الحرب على العراق والحرب على ليبيا، ولعل الدوافع الإقتصادية في كلتي الحربين لا تخفى على أحد، لما في هذين البلدين من ثروات نفطية وغيرها. ومقارنةً بالفتوحات الإسلامية التي خاضها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين، وما تبعها، فقد كان نشر الدعوة الإسلامية هو الهدف الأول والأسمى في جميع فتوحاتهم وغزواتهم. وشتّان شتّان بين ما رافق الفتوحات الإسلامية وما فيها من تعامل إنساني مع الأطفال والنساء والعجائز، وما رافق حروب القرن الواحد والعشرين من ظلمٍ، وقتلٍ، ونهب ثروات، وتشريد...

·         على الصعيد الأخلاقي: فتحت ثروة المعلوماتية أبواب المعرفة على مصراعيها، خيرها وشرها، صالحها وطالحها، فانتشرت المواقع الإباحيةحتى بلغت 4.2 مليون موقع، تحظى بعددٍ كبير من الزائرين من المراهقين والشباب الذين لم تحصّنهم تربية دينية أو أخلاقية وازعة،ويذهب بعض المحللين إلى أن هذه المواقع هي الأكثر رواجاً وتسويقاً على الشبكة العنكبوتية. ويذكر أحد المواقع الإحصائية بأن حجم المبيعات الإباحية على الشبكة بلغت 4.9 مليار دولار.

من ناحية أخرى فقد هبط المستوى الأخلاقي والشعور الإنساني عند بعض الغربيين إلى حدود اللامعقول، فقد نقلت بعض وكالات الأنباء فيلماً مصوراً لجنود أميركيين في العراق يفجرون كلباً للتسلية، وفيلماً آخر لجندي أمريكي، في أفغانستان، ينهال ضرباً على خروف فيرديه قتيلاً بأقل من 30 ثانية !!

وأما موضوع تعاطي المخدرات فهو يفوق الوصف والخيال، ويذكر العديد من المواقع الإلكترونية بعض الإحصاءات التي تشير إلى ما يزيد عن 200 مليون إنسان يتعاطون المخدرات في العالم، ويعتبرونها ثالث تجارة في العالم بعد النفط والسلاح، وتشكل 8 % من حجم التجارة العالمية، وتبلغ قيمتها 600 مليار دولار سنوياً. وأوضح تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهدا إنتشاراً كبيراً لتعاطي المخدرات والعقاقير غير القانونية، وأن الأرقام العالمية أوضحت أن حوالي 200 ألف فرد توفوا في عام 2000 بسبب تعاطي المخدرات. كما أوضح التقرير الإرتباط الوثيق بين تعاطي المخدرات والأمراض الخطيرة المؤثرة على الصحة العامة. (www.barasy.com)

وفي تقرير للجنة العالمية لمكافحة المخدرات تضمّن تقديرات الأمم المتحدة حول زيادة إستخدام الأفيون بمقدار 35 بالمئة ما بين عامي 1998 و2008، كما زاد إستخدام مخدر الكوكايين بمعدل 27 بالمئة والقنب بمعدل 8.5 بالمئة. (www.annabaa.org)

وتشير الأرقام أيضاً إلى أن 75 % من مختلف الجرائم التي تقع في بريطانيا لها علاقة بالمخدرات. كما يكشف المؤتمر السادس للإتحاد الطبي الأميركي إلى أن ما لا يقل عن أربعة آلاف طبيب يتعاطون الكوكايين والأفيون وأنواعاً أخرى من المخدرات إلى حد الإدمان (www.cksu.com المخدرات بلغة الأرقام).

كما أن إنتشار المخدرات في الوسط المدرسي المتزامن مع قلة التوجيه التربوي، بل وإنعدامه أحياناً قد زاد في أعمال العنف المدرسي. ولقد أظهرت النتائج الإحصائية التي أجرتها الهيئة العليا للمدارس القومية في أمريكا عن العنف في المدارس الأمريكية على عينة قوامها 2216 موظف إداري أن 54 % من موظفي مدارس الضواحي، وأن 64 % من موظفي مدارس المدن قد ذكروا أن أحداث العنف في مدارسهم في سنة 1993 تفوق بكثير الأحداث التي حدثت قبلها بخمس سنوات (National School board Association 1994) (www.ac.ly/ktb/3onf.doc)  

لا شك أنه بموازاة عوامل الضعف والإنهيار في الحضارة الغربية المكورة، هناك عوامل قوة وتقدم لا تزال تلعب دورها نذكر  منها، التقدم العلمي المتواصل وما يرافق ذلك من إكتشافات وإختراعات نافعة تفيد الإنسانية، والممارسة الديمقراطية وما ينتج عنها من إختيار الأفضل، والأمانة والنزاهة في الحكم والوظيفة وغير ذلك.

عوامل نهوض الحضارة الإسلامية من جديد

مما تقدم يتبين لنا أن عوامل إنهيار الحضارة الغربية آخذة بالإزدياد وبوتيرة متسارعة. بالمقابل فإن عوامل نهوض الحضارة الإسلامية، بدأت تتكون من جديد. فالصحوة الإسلامية المعاصرة التي بدأت في أواخر القرن العشرين، قد ظهرت ثمارها في القرن الواحد والعشرين هي أيضاً على إزدياد. فالإعلام الديني، والقنوات الفضائية الإسلامية على نمو مطرد والدعاة الذين يظهرون بشكل مستمر على هذه القنوات أصبحوا وجوهاً لامعة في عالم الدعوة، ولهم روادهم ومريديهم وتلاميذهم، والمواقع الإسلامية الإلكترونية تزداد يوماً بعد يوم وتحظى بعددٍ متزايد من الزوار يومياً، والكتب الدينية هي الأكثر رواجاً في العالم العربي، كما تشير إلى ذلك جميع الإحصائيات. كل ذلك ترك أثراً كبيراً في نفوس الناشئة. وإذا كان رواد المساجد في أواسط القرن العشرين هم من الرجال الطاعنين في السنّ عموماً، فإن عدد الشباب في المساجد قد تزايد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة مما يشير وبشكل واضح إلى أن الصحوة الإسلامية تتفاعل يوماً بعد يوم، وهي ولا شك تترك بصماتها الجلية على الحوادث الأخيرة التي تجري في العالمين العربي والإسلامي، والتي بدأت مع الثورة في تونس، لتنتشر في عدد غير قليل من الدول العربية، مع إنتصارٍ واضح للقوى الإسلامية المعتدلة فيها.

وقد أثبتت هذه الحوادث أنّ الحَج̊ر المعرفّي والإستعباد الفكريّ اللذين كانا مفروضين على الأمّة الإسلامية قد زالا فعلاً من النفوس كما في الواقع، بفضل تيسير سُبُل المعرفة. وساهمت مواقع التواصل الإجتماعي في سهولة إنتشار هذه المعرفة، كما حققت في ذات الوقت، الحد الأدنى من التخطيط المشترك والتنظيم الهادف، والتحرك السريع، لفئة الشباب خصوصاً، من أجل القضاء على الإستبداد السياسي، وبالتالي البدء بالخروج من شرنقة التخلف الفكري والإقتصادي والإجتماعي والتنموي عموماً.

وفي الوقت عينه فالأزمات المتلاحقة للحضارة الغربية التي أشرنا إليها في البداية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وتزامنها مع الإنفجار المعرفي الواسع الذي شمل العالم كله وجميع جوانب الحياة فيه عجّل وأوحى للعلماء والباحثين والمفكرين الغربيّين بالإطلاع على الدين الإسلامي وما فيه من تشريعات مقابلة، بحثاً وتمحيصاً وتفتيشاً عن المسببات كما عن الحلول لما يحدث في العالم. فوجدوا فيه ما يشفي غليلهم من مبادئ ناصعةٍ، وحلولٍ ناجعة، لا تسمح – إذا ما طُبّقت -  بحصول ما يجري في العالم من كوارث إقتصادية وأمراضٍ مستشرية، ومشاكل بيئية وإنتشار للرذيلة وحروب عبثية وإجرام وإرهاب و...

فبعيد الأزمة المالية العالمية كتب "بوفيس فانسون" رئيس تحرير مجلة "تشالينجر" مقالاً إفتتاحياً بعنوان "البابا أو القرآن" يقول فيه "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل، لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا إحترام ما ورد في القرآن من تعاليمٍ وأحكامٍ وطبقوها، ما حلّ بنا من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري، لأن النقود لا تلد النقود".

وفي الإطار ذاته، كتب رولاند لاسكينRoland Laskine ، رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال دفنيانس" مقالاً إفتتاحياً بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لإعتناق الشريعة الإسلامية؟". ينادي فيه بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجالين المالي والإقتصادي لوضع حدّ ٍ لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم، من جرّاء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات  الوهمية غير المشروعة. (www.ikhwan.net)

ويقول مارسيل بوازار – رجل القانون الفرنسي المعاصر: "إن هذا الدين (الإسلامي) يعود إلى الظهور في العالم المعاصر بوصفه أحد الحلول للمشكلات التي يطرحها مصير الإنسان والمجتمع" ويقول أيضاً: "إن في وسع العالم الإسلامي – من بين عوالم أخرى – أن يقدم مشاركة أساسية في تكوين المجتمع الدولي المرتقب" وأنه "يبدو أحد العوامل الممكنة الهامة في الإنسانية العالمية الحديثة".

وإلى مثل ذلك ذهبت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية، وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك، قراراً يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية، والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي وإشتراط التقابض في أجلٍ محدّد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الشريعة الإسلامية، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: "النقد، يداً بيد". (www.ikhwan.net)

كما أقرت لجنة الشؤون المالية في مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي الذي يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية، مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وسمحت اللجنة للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامية في السوق الفرنسية.

وإذا كانت الأزمة المالية العالمية في العام 2008 قد أثارت هذه الموجة من الردود المباشرة، فإنها أضاءت في الوقت ذاته على عوامل إنهيار الحضارة الغربية الأخرى، وما كتبه الباحثون الغربيون في هذا المجال، مثل برناردشو، وأرنولد توينبي، وجان بول سارتر، وكولن ولسون، وروجيه جارودي، ورينيه جينون، وشبخلر وغيرهم كثير... شكّل دليلاً دامغاً على أن الحضارة الغربية قد بدأت مرحلة الإنحدار لصالح فهم الشريعة الإسلامية، وعودة الروح إلى نموٍ جديدٍ للحضارة الإسلامية.

وذهب كل من برناردشو وأرنولد توينبي (أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد وصاحب نظرية "التحدي والإستجابة") إلى أن الحضارات تسقط في اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن قوّته أشد من قوّة الدين (أ.د. كارم السيد غنيم www.nusrah.com).

وتترافق هذه الدعوة الغربية  لفهم الشريعة الإسلامية مع نمو مضطرد لإعداد الباحثين والمثقفين الغربيين الذين يعتنقون الإسلام، ولكلٍ منهم نشاطه وعمله ودعوته إلى الله، خصوصاً وأن إيمانه كان بفضل إعجازٍ علميٍ لآيةٍ قرآنية، أو حديثٍ نبويٍ شريف، أو فهمٍ لمقاصد التشريع الإسلامي او غير ذلك. فجاء إيمانه راسخاً صلباً متيناً، فهو يدعو إلى الله على بصيرةٍ وهدىً. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ويترافق ذلك أيضاً، مع ازدياد متواصل لأعداد المسلمين في العالم، بنسبةٍ هي الأعلى بالمقارنة مع باقي الديانات الأخرى. ففي دراسة إحصائية على موقع Google  الإلكتروني تشير إلى أن زيادة عدد المسلمين في العالم تبلغ 1,66%، وبالمقابل فإن زيادة عدد المسيحيين تبلغ 1,07%، ويشير تقرير لصحيفة الدايلي تلغراف البريطانية إلى إحتمال أن يتفوّق عدد المسلمين على سواهم في معظم دول أوروبا الغربية في منتصف القرن الحالي (الواحد والعشرين).

أضف إلى ذلك أن العولمة الجديدة قد ساهمت بدورها بهجرة عدد كبير من المسلمين إلى الغرب سعياً وراء فرص العمل المعروضة هناك، مما يزيد في انتشار المسلمين في الدول الغربية بشكل ملحوظ، ففي فرنسا يتراوح عدد المسلمين اليوم بين 5 و 6 ملايين مسلم، وحسب وزير الداخلية الفرنسي كلود غيان فإن هذا التزايد "يخلق مشكلة  لفرنسا". وقد نشرت صحيفة  الدايلي تلغراف البريطانية تقريراً حذر من أن أوروبا تواجه قنبلة زمنية ديموغرافية، تتمثل في تزايد مطرد للجاليات المسلمة المهاجرة مما يهدد تلك القارة بتغييرات جذرية لا يمكن تدارك أبعادها خلال العقدين المقبلين.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الجاليات الإسلامية في الغرب تحافظ على إلتزامها بالدين الإسلامي كما لو كانت في بلادها أو أكثر، وذلك في ظل الحريات التي توفرها الأنظمة الأوروبية، فالمساجد تغص بروّادها الذين تزيد أعدادهم على الإستيعاب في مرة واحدة فيلجأون إلى الشقق ومراكز الأندية الثقافية، ومنهم من يؤدي فروض الجماعة كصلاة الجمعة والعيدين وتراويح العشاء في رمضان على دفعتين أو ثلاث دفعات، بالإضافة إلى النشاطات الدينية والدعوية التي يشارك فيها الآلاف من المسلمين في الغرب.

وجاءت حوادث أيلول 2001، وإنتشار موجة الإسلامافوبيا لتبعث في نفوس الغربيين عموماً والمثقفين منهم خصوصاً حب الإطلاع على الدين الإسلامي وتشريعاته، وأصوله ومبادئه هذا الإطلاع الذي أصبح متوفراً للجميع بدون استثناء بفضل عولمة المعرفة وإذا بالكتب التي تتحدث عن الدين الإسلامي تلقى رواجاً هائلاً بين الغربيين.

كما أن الهجرة المعاكسة للعلماء المسلمين العاملين في الغرب قد بدات تنمو بسبب ما يلاقيه هؤلاء من تمييز عنصري يصل إلى حدّ عدم الترقي في السلّم الوظيفي، وأحياناً إلى حدّ المهانة، وهذا ما بدأ يحدّ من نزف الأدمغة المسلمة إلى الغرب، ويدفعها  للبقاء في أوطانها والعمل على خدمة بلدها وأهلها.

وفي نفس الوقت فإن هجرة رؤوس الأموال العربية والإسلامية إلى الغرب (الأمريكي خصوصاً)، التي برزت مع الفورة النفطية في النصف الثاني من القرن العشرين، قد بدات تنحسر بعد أن فقد أصحاب هذه الأموال السيطرة المباشرة على تحويلها في ظروف سياسية معينة، وخصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008 والتي أدّت إلى ما أدّت إليه من خسارات فادحة عند بعض المتمولين العرب وحكوماتهم، ولم يسلم منها إلا من حافظ على طبيعة إستثماراته في بلده، وراعى فيها الحدود الشرعية السليمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا العرض السريع، هل تكفي هذه العوامل والدلائل للقول ببدء أفول الحضارة الغربية، وصمود الحضارة الإسلامية من جديد؟

وقبل الجواب عليه مباشرة، أتوقف عند العنوان الرئيس الذي ميّز سرعة صعود الحضارة الإسلامية عن باقي الحضارات الأخرى. إنه الإسلام الذي إلتزم بالجانبين الروحي والمادي عند الإنسان، كما إلتزم شؤون الدين والدنيا معاً، وجعل عمارة الأرض جزءاً من عبادة الله، والدعوة إلى الله. فقوّم الحضارة الإنسانية، وإستشعر غايتها وحاجة الناس إليها، وجعل الهدف الأسمى للرسالة السماوية مصلحة الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك فقد جعل في كل العبادات و الفرائض، كما في السنّة والتشريع والمعاملات هدفاً نحو إنسانٍ أفضل، ومجتمعٍ أفضل. ولذلك أيضاً كان من أهم ميزات الفتوحات الإسلامية الحفاظ على التراث الحضاري عند الشعوب التي أسلمت، ووضع هذا التراث بتصرف النمو الحضاري للإنسانية عموماً، والعمل على تطويره، لتتكامل بذلك مسيرة الحضارة الإنسانية، بكل أبعادها ومكوناتها. وبفضل ذلك كانت الحضارة الإسلامية الأطول زمناً بين باقي الحضارات (أكثر من عشرة قرون) والأوسع إنتشاراً (من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً) وكانت أيضاً، كما وصفها بعض العلماء بأنها "حضارة القمة" شاملة لجميع نواحي العمران والتقدم وجميع مجالات العلوم الطبية والفلكية والصناعية والطبيعية وغيرها.

لا شك أن هذه الميزة في التشريع الإسلامي هي ثابتةٌ وأصلٌ من أصول الدين، وإن إعتراها اليوم بعضٌ من الفتور وشابها تقصير المسلمين في أدائها. فتخلينا، نحن المسلمون، عن الإبداع، والإختراع والإتيان بكل جديد ينفع الإنسان والإنسانية عموماً، لغيرنا، كما تراجع العلم والبحث العلمي بين صفوفنا، ليأخذ مكانه في الغرب، عند من وضع نصب عينيه أهدافاً ثلاثة: العلم والتقنية والمال، وجعل هذه الأقانيم الثلاثة في صلب فلسفة التربية والتعليم في عصر العولمة.

وإذا كانت سرعة أفول الحضارة الغربية، يحدّدها الغربيون أنفسهم، فإن مقومات صعود الحضارة الإسلامية من جديد يحدّدها المسلمون بدورهم، خصوصاً وأن أبواب المعرفة قد باتت مفتوحة على مصراعيها أمام ناظريهم، ولا ينقصهم سوى إيمان راسخ قوي يجمع في السعي إلى خيري الدنيا والآخرة. ولا يكون ذلك إلا إذا إنطلقت فلسفة التربية والتعليم من هذا العنوان العريض، وكانت جزءاً من الدعوة إلى الله والصحوة الإسلامية الحديثة، ووضعت هذه الفلسفة نصب أعينها القيم السامية التي حملها الإسلام وغيره من الأديان والشرائع السماوية، ولتقود بها، ومن أجلها، ومن خلالها الإبداع المادي الذي وصلت إليه الحضارة الغربية اليوم، بواقعية وإيجابية،ومستفيدة في ذات الوقت من هذا الإبداع الكبير لتحقيق أهدافها الإنسانية الكبرى في سرعة قياسية، وشمولية جامعة.

وإذا كان تمكين الأنبياء لا يتم إلا بعد الإبتلاء، فإن تمكين الأمم لا يكون إلا كذلك أيضاً، ولعل في الحاضر الأليم الذي تعيشه الأمم العربية والإسلامية وما فيه من ضعف وهوان ويعيشه التعليم فيها، وما فيه من تقليد للآخرين وضياع هوية، إنما هو إبتلاء يسبق التمكين بعد أن تكتمل ظروفه ومسبباته.

وقبل أن أختم هذا البحث أشير إلى ما نقلته وكالة رويترز في 17 شباط 2010 في مقالة تحت عنوان "نظام التعليم خطر داخلي يداهم إسرائيل"، وتشير المقالة إلى إزدياد عدد الطلاب اليهود الذين يترددون على المدارس الدينية، "وأنه يمكنهم قراءة فصل أو نص في التوراة. لكن معظمهم لا يمكنه هجاء إسم دولة مصر المجاورة باللغة الإنكليزية." "وفي مدرسة نهارديا  في مستعمرة نحاليم بالقرب من تل أبيب حيث يدرس الطلاب اليهود المتزمتون كل المواد الدراسية الأساسية في المنهج الدراسي الوطني، بجانب دراستهم التوراتية. ويقول المعلم حانوش فيرديجير: "هدفنا هو إعطاء الحارديم فرصة ليندمجوا في سوق العمل الإسرائيلي دون أن يضطروا للتخلي عن هويتهم الدينية"". (www.arabiya.net)

ولا شك أن مكمن الخطر الذي يشير إليه الكاتب في عنوان المقالة هو العقيدة الدينية المتطرفة التي تنتهجها إسرائيل والتي جعلتها في صلب العملية التربوية، بل والتأسيسية في تعليم الأولاد في المدارس، فهم يتربون وينشأون على التطرف والعنصرية.

تجدر الإشارة إلى أن صناعة التكنولوجيا المتقدمة تمثل نحو 43 بالمئة من صادرات إسرائيل على الرغم من أن 7 في المئة فقط من قوة العمل الإسرائيلية تعمل في هذه الصناعة. أي أن تلازم المسارين الديني والتعليمي لم يشكّل حائلاً دون الحداثة في تنمية المجتمع، بل حافزاً للإلتزام بالعقيدة التي يؤمن بها المجتمع ويدعو إليها النظام، وإن كانت عقيدة ملؤها التطرف والدعوة إلى العنصرية والإرهاب.

 

أما إذا كانت العقيدة التي يؤمن بها المجتمع عقيدة سمتها الإعتدال والوسطية، ونبذ التطرف والإرهاب، والدعوة إلى العلم، بل والإستزادة منه، ودعوتها دائماً لما فيه خير الناس أجمعين، من كل الطوائف والمذاهب، ومن كل المناطق والأقاليم، لا فرق فيهم بين عربيٍّ وأعجميٍّ إلا بما يقدمه من خيرٍ ونفعٍ للناس كافة، فإن تأسيس الطلاب على هذه العقيدة بالتوازي مع التعليم العام، يقدم خدمة كبيرة تتعدى المجتمع وأهله، إلى الإنسانية وحضارتها وتقدمها وإزدهارها والإبداع والتجديد فيها.