فلسفة التربية والتعليم 27 February 2012

 

إعتاد الناس عموماً، على تلازم الكلمتين "التربية" و"التعليم"، في المبنى، ونسوا، أو لم يدركوا أهمية هذا التلازم في المعنى، والمغزى، وما فيهما من ترابطٍ وتكاملٍ وثيقين.

فالتربية بمعناها الشامل، هي زرعٌ وتنمية عقيدةٍ أو فكرٍ أو فعلٍ، في الإنسان وما فيه من عقلٍ أو جسدٍ أو روح. فهي تؤثر بالتالي على تكوينه وسلوكه، وعلاقاته بين الناس.

أما التعليم فهو عملية نقلٍ مباشرٍ لمعلوماتٍ أو علومٍ معينة، أو معارف أو مهاراتٍ معلومةٍ، وهو ما يقوم به المعلمون في المدارس والجامعات عموماً في تعليم وتدريس الطلاب في الصفوف وقاعات التدريس. أما التعلّم، فهو إكتساب العلوم والمعارف وكذلك القيم، خارج الإطار الصفي، وخارج طرق التعليم التقليدية.

وإذا كانت التربية تندرج في إطار العقيدة والفكر فإنّ عليها دائماً أن تخدم الهدف الذي تسعى إليه هذه العقيدة وهذا الفكر، أما التعليم في ذاته فهو يجب أن يكون منضوياً تحت الأهداف المجتمعية التي تصوغها التربية، أميناً على الحقائق العلمية بما فيها من معلوماتٍ ومعادلاتٍ ونظريات.

لذلك كانت أهمية الترابط بين التربية والتعليم، تكمن في وضع التعليم ضمن المنظومة التربوية التي تسعى إليها العقيدة والفكر في المجتمع، أي أن هدف التعليم يجب أن يندرج مع التربية في هذا الإطار، والأمثلة على ذلك كثيرة. فإذا كان نظام الملك في عهد السلاجقة، هو أول من أسس المدارس النظامية، فذلك لأنه رأى أن الإقتصار على مقاومة الشيعة الإمامية والإسماعيلية وباقي الفرق الباطنية التي ظهرت في حينها، مقاومةً سياسية، لن يكتب لها النجاح إلا إذا إقترنت هذه المقاومة السياسية، بمقاومةٍ فكرية، ذلك أنّ الشيعة في تلك الفترة نشطوا في الدعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة. فكان أن أنشأ نظام الملك المدارس النظامية، وجعل لها الأهداف التالية:

1.      تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى

2.      الأداء الأمثل للتكاليف الشرعية

3.      إعداد الإنسان الصالح بنفسه والمصلح لغيره

4.      توفير جو علمي للتفكير والتأليف والإبتكار

5.      إطلاع الطلبة على التراث الحضاري والفكري للأمة (نقل التراث)

6.      إعداد الكوادر الفنية المؤهلة لممارسة الأعمال المختلفة في الجهاز الحكومي أو في غيره

7.      نشر الفكر السني في مواجهة تحديات الفكر الشيعي

8.      إيجاد طائفة من الموظفين السنيين ليشاركوا في تسيير مؤسسات الدولة وإداراتها، وخاصة في مجال القضاء والإدارة (دولة السلاجقة ص 317 ÷ 319)

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف مجتمعة يتم إختيار الأماكن التي تبنى فيها المدارس، وإختيار الأساتذة والمدرّسين والعلماء، كما يجري وضع المناهج الدراسية التي تتناسب مع الأهداف الموضوعة ويتم توفير الإمكانات المادية اللازمة.

وفي سبيل تكوين نظرة شاملة حول الموضوع نستعرض فيما يلي فلسفة التربية والتعليم وأهدافها في بعض دول العالم مثال: ماليزيا والصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، كما يراها أصحابها في هذه البلدان.

·      فقد عرّفت̊ وزارة التعليم الماليزية فلسفة التربية الوطنية في ماليزيا على الشكل التالي: "إن التربية في ماليزيا، عملية متواصلة تهدف إلى تحقيق تنمية شاملة متكاملة لإمكانيات الفرد، من أجل إعداد مواطن متوازن متوافق عقلياً وجسمياً وروحياً وعاطفياً، ملتزماً بالعقيدة الدينية، مطيعاً لله، وتهدف أيضاً إلى تكوين الشعب الماليزي شعباً متعلماً ذا كفاءات عالية، ومهارات فائقة ومتحلياً بالأخلاق الفاضلة، ومتصفاً بالمسؤولية، قادراً على إسعاد النفس، باذلاً قصارى الجهد لتحقيق الوئام والعمران للأسرة والمجتمع والوطن" وذلك وفقاً للمبادئ العامة الآتية:

·         الإيمان بالله

·         الولاء للملك والوطن

·         التمسك بالدستور وسيادة القانون

·         حسن الأخلاق والسلوك

ويقول الدكتور إبراهيم شوقار، الباحث التربوي في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا: "التربية في الإسلام هي منهج يستهدف صياغة كيان الإنسان في كلّيّته:عقلاً وجسداً وروحاً ونفساً. والإنسان ليس جديراً بهذه التسمية (أي إنسان) إلا بالتربية. وليست التربية في الإسلام إلا إتباع الأصول التي جاء بها الأنبياء والمرسلون من الأحكام والحِكم والتعاليم. وهي المبادئ الحقيقية التي تأخذ بيد الإنسان إلى أعلى مراتب القيم الحميدة وحسن الأخلاق فالدين هو الموجه لحركة المجتمع ومصدر كل نظمه العاملة، التي منها التربية بوسائلها المختلفة (www.faculty.ksu.edu.sa)

·         أما في الصين التي تضم أكبر نظام تعليمي في العالم، إذ يبلغ عدد طلابها في مختلف مراحل التعليم الـ200 مليون طالب، فإن فلسفة التعليم هي جزء من الفلسفة الكونفوشيوسية التي تنادي بالولاء الكامل والمتناهي للحاكم، وكذلك المرؤوس للرئيس، والإبن للأب، والصغير للكبير، والتي تعتبر أن طريق الحضارة والإزدهار هي التربية والتعليم، كما تعتبر أن مجرد التفكير دون تعلم خطر، وأن التعلم دون تفكير عدم. فالتفكير الصحيح أساسه التعليم الصحيح. ويضع كونوشيوس الأسس الصحيحة للتعلم الصحيح، وأهمها:

1.      السلوك الأخلاقي ويفيد إعطاء الأولوية للأخلاق العملية في عملية التعلم. والتربية تبدأ هذه العملية بحب الوالدين والأخوة الإنسانية والصدق

2.      ضرورة التدرب للفنون وهي بالنسبة له: الشعر، الموسيقى، الرماية، الكتاب والحساب

3.      ضرورة تجاوز الصعاب

4.      ضرورة تجاوز الأخطاء

5.      ضرورة التعاون بين المعلم والتلميذ

6.      التعلم لا يعني الحفظ وإنما الفهم والتحقيق

7.      التعلم هو التطبيق العملي

8.      الوسيلة الأساسية لتحقيق التعلم هو بناء مدرسة ونشر الكتاب (الفلسفة في الصين القديمة www.safitac.c.)

وفي اليابان، وعلى الرغم من أن معظم الشعب الياباني يدين بالبوذية، والشنتوية القريبة من البوذية، (84%) فإن النظام التعليمي تأثّر كثيراً بمبدأ عدم الإهتمام بالدين، بل وجعل تدريس الدين ممنوعاً في المدارس اليابانية. وعلى الرغم من عدم إنتشار اللغة اليابانية خارج اليابان إلا أن اللغة اليابانية هي اللغة الرسمية، ويرى الباحثون أن إحدى مميزات التعليم الياباني عدم الإعتماد على اللغات الأجنبية. ويبدأ تعليم اللغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة. ومن أهم المواد التي نص عليها القانون الأساسي للتعليم ما يلي:

§         هدف التعليم: يهدف التعليم إلى التنمية المتكاملة للشخصية، ويسعى إلى تربية التلاميذ عقلياً وجسدياً، ويجعلهم يحبون الحق والعدل، ويقدّرون القيم ويحترمون العمل، ويزرع لديهم إحساس عميق بالمسؤولية، ويتشربون روح الإستقلال ويبنون مجتمع السلامة.

§         أساس التعليم: يتحقق هدف التعليم في كل المناسبات والأماكن، وحتى يتحقق الهدف نحاول الإسهام في خلق وتطوير الثقافة بالتقدير المتبادل والتعاون وإحترام الحرية الأكاديمية.

§         تكافؤ الفرص في التعليم: يمنح جميع الناس فرصاً متساوية لتلقي التعليم، وفقاً لقدراتهم، ولن يتعرض أي فردٍ لأيّ تمييز تعليمي على أساس العنصر أو الجنس، أو الحالة الإجتماعية، أو الأصل العائلي، أو العقيدة الدينية. كما أن الدولة والهيئات المحلية والعامة ستضع الأسس التي تَمنح في ضوئها المساعدات المالية لهؤلاء الذين يجدون صعوبة في الإنتظام في التعليم لأسباب إقتصادية، رغم أن قدرتهم الذهنية تمكنهم من الإستمرار فيه.

§         التعليم الإلزامي: يُلزم أفراد الشعب بإرسال أبنائهم البنين والبنات للتعليم لمدة تسع سنوات، ولا تتقاضى المؤسسات التعليمية أية رسوم لهذا التعليم في مدارس الدولة والهيئات المحلية العامة. (العوامل والقوى المؤثرة في نظام التعليم في اليابان – خالد محمد الخزيّم www.                          ) وتشرف على التعليم ثلاث إدارات تعليمية، الأولى على المستوى الوطني، وترتبط مباشرة بمجلس الوزراء، وهي التي تشرف على القطاعات التعليمية والمناهج التعليمية، وعلى تدريب المعلمين وتجهيز المدارس وإجراء الإمتحانات.

والثانية على المستوى الإقليمي، وهي منوطة بإدارة المؤسسات التعليمية في الولاية أو الإقليم (ما عدا الجامعات والكليات المتوسطة)، وهي مسؤولة أيضاً عن القيام بالأنشطة الثقافية ونشرها وتعزيزها وعن إعطاء التراخيص وسحبها، ومعالجة شؤون الموظفين وإصدار شهادات المعلمين...

والثالثة، على المستوى المحلي، وهي تتبع لبلدية المدينة أو المحلّة، ويكون من بين أعضائها مراقب كمسؤول تنفيذي، وتكون مهمة هذا المجلس إدارة المؤسسات التعليمية والقيام بالأنشطة التربوية والرياضية وتقديم التوجيه والمساعدة للهيئات غير الحكومية للقيام بأنشطتها، والتعاون مع المنظمات مثل اليونسكو.

لذا يمكننا القول بأن الإدارة التعليمية في اليابان تتميز بمركزية في التخطيط، ولا مركزية في التنفيذ الذي يبقى محصوراً بالسلطات الإقليمية والمحلية. (www.                                    )

أما في روسيا فقد مرّت فلسفة التربية والتعليم في حقبات ثلاث، نتوقف عندها نظراً للتغيير الكبير في طبيعة المجتمع ونظامه وتركيبته. فمن روسيا القيصرية، إلى النظام الإشتراكي الذي بدأ مع ثورة أكتوبر في عام 1917، وما رافق ذلك من قضاء كامل على القطاع الخاص ومبادراته وحكم للطبقة العاملة، إلى إنهيار لهذا النظام في العام 1991، والإنتقال إلى مرحلة ليبرالية جديدة لا تزال تجريبية في معظم تفاصيلها ولم تظهر أبعادها كاملة بعد.

المرحلة القيصرية هي المرحلة التي أسس لها بطرس الأول في القرن الثامن عشر والذي في عهده بدأت أوائل المؤسسات التعليمية في روسيا. ويعتبر بوسشكوف من أوائل المنظرين الروس الذين أعجبوا بإصلاحات بطرس الأول ودعا للتمسك بتقاليد الروس الأرثوذكسية كما دعا للقضاء على الجهل والأمية بين الفلاحين والنساء. أما فيودور بروكوفيتش فنادى بالتعليم الدنيوي الخالص على الطريقة الأوروبية، مستنداً بذلك إلى مبدأ "المرء على قدر تعليمه". وفي هذه الفترة ظهر العالم الروسي لومونوسوف الذي يعتبر مؤسس العلم في روسيا والذي دعا إلى ديموقراطية التعليم وإدخال العلوم الطبيعية بشكل إلزامي إلى المدارس. وأعقب ذلك نوفيكوف الذي قسّم منهاج التربية إلى قسمين بدني وذهني، وجعل من وحدتهما أسلوباً لصنع الإنسان المواطن. أما رادييتشف، فربط تقدم المجتمع بتقدم التربية المبنية على مبادئ العدل وسعادة المجتمع.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر وفي ظل ظروف إقتصادية بالغة الصعوبة، ظهر التناقض بين تطور الفكر التربوي والتعليمي من ناحية، وإبعاد الفلاحين عن المساهمة في العملية التربوية – التعليمية. وكان الفلاحون يشكلون الأغلبية المطلقة للسكان آنذاك، فانطلقت الحركات الثورية ضد السلطة، وساندتها في ذلك حركة المثقفين (الإنتلجنسيا) وظهر من بينها علماء أمثال أودويفسكس، وبيلينسكي، وهيرتسن الذين حاولوا أن يبلوروا فكرة الدور الحاسم للتعليم والعلم في حياة المجتمع والفرد. وإعتقدوا بأن العلم يسالم الإنسان مع الإنسان، والإنسان مع الطبيعة، والطبيعة مع الطبيعة، وإعتبروا الرقي الأخلاقي للإنسان هو الغاية النهائية للتربية والتعليم. ودعوا إلى تعميق الروح الإنسانية في التربية. فالتربية لا ينبغي لها أن تبحث في الطفل عن شاعرٍ أو موظف، بل عن إنسانٍ أولاً وقبل كل شيء.

ومقابل هؤلاء ظهر علماء آخرون أمثال كرييفسكي وخوميكوف من مناصري القومية الروسية والسلافية والداعين إلى الحفاظ على التقاليد الروسية، ونادوا بوضع الدين (الأرثوذكسي) والأخلاق في أساس وصلب العملية التربوية في روسيا.

وبذلك تحولت مشكلة التربية والتعليم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى قضية سياسية وطنية كبرى، وعُرفت هذه الفترة بالعصر الذهبي للمرحلة القيصرية، إذ تشكلت فيه وتكاملت بدايات الإنتقال من المدرسة التقليدية إلى المدرسة العصرية.

وفي بدايات القرن العشرين وقبيل الثورة الإشتراكية، نما تيار مناصري القومية، وإنتشرت المدارس بين الفلاحين، وتم إدخال دراسة الدين إلى المدرسة، ولكن لا على أساس التلقين الجاف للنصوص بل على أساس الحوار المفتوح. فمثلاً سعى راجينسكي إلى بناء مدرسة روسية وطنية من طراز خاص، تستمد مقوماتها الروحية من يقينه بأن الشعب الروسي المتدين بحاجة أولاً وقبل كل شيء إلى تربية أخلاقية بإعتبارها وسيلة بلوغه ذروة التقدم والتطور. أما تولستوي فأدخل تعديلات كثيرة على فكرة التربية الحرّة، بما يتطابق مع نظرته الفلسفية والإجتماعية. وإعتبر معيار التربية واحداً هو "الحرية"، وجعل من الدين والإيمان الأساس العقلي والشرعي الوحيد للتربية.

أما المرحلة السوفيتية فقد شهدت تحولاً كبيراً في cialis 20mg فلسفة التربية والتعليم بالإنتقال من الطريقة التقليدية إلى "مدرسة العمل"، حيث تم فصل الدين عن المدرسة، وفصل الكنيسة عن الدولة، وجرى توحيد النظام التعليمي ونشره في كل روسيا، مع رفض التنوع في مضمون وتنظيم العملية التعليمية. فكانت الرؤية السوقيتية العامة عن التربية والتعليم ترتكز على خمسة مبادئ هي:

·         المبدأ التاريخي

·         الترابط بين المدرسة والحياة

·         ربط التعليم بالإنتاج

·         وحدة التربية والتعليم

·         التطوير الشامل للإنسان

وهكذا إستطاعت روسيا القضاء على الجهل والأمية وأصبح الشعب الروسي أكثر الشعوب ثقافة ومعرفة، وأفلحت في تعميق الأسس العلمية والمنهجية لإنتاج العلم والعلماء في مختلف الميادين. كما فتحت أبوابها للطلاب الأجانب من مختلف الدول النامية في العالم، وخصوصاً في التعليم العالي، كمساعدات تنموية لهذه الدول. ولكنها أخفقت في مواكبة التطور العلمي المتسارع في الثمانينات وخاصة في مجال المعلوماتية والإتصالات، بسبب عدم قدرة العقيدة الإيديولوجية (الإشتراكية) على التفاعل مع هذا الإنفجار المعرفي في الغرب الرأسمالي، ومع العولمة التي بدأت ملامحها تتكرس، وتأخذ بعداً عالمياً غير مسبوق، بقيت روسيا خارجَهُ بإرادتها.

وإزاء هذه المتغيرات العالمية، إنهار النظام الإشتراكي في العام 1991، لتبدأ في روسيا مرحلة جديدة تميزت بليبرالية تجريبية، ولم تتكون فيها سياسة التربية والتعليم العام بعد. ويظهر ذلك جلياً من المؤسسات التربوية والتعليمية الرسمية، التي بدأت تعاني من التغييرات الإدارية والمنهجية العاصفة، والتي فقدت الكثير من مقوّماتها الأساسية، وانتشرت فيها ظواهر الفساد والرشوة، والمحسوبية، وغابت عنها الرؤية المتكاملة، والإستراتيجية التي يجب أن تتكامل مع أهداف التغيير الحاصل في المجتمع. وبالمقابل ظهرت مؤسسات تعليمية خاصة، تهدف إلى تنمية المعارف والقدرات الشخصية، وتربية الملكات المختلفة عند الطالب، كما تأخذ بعين الإعتبار التنوع الإجتماعي المستحدث في المجتمع، ومحاولة أن تقلّد مبادئ التعليم ومناهجه في الغرب. وهي بالتأكيد مقتصرة على نسبة ضئيلة في المجتمع تتمثل في القادرين فقط على دفع الأقساط الكبيرة بالنسبة إلى متوسط دخل الفرد.

هذا التناقض الواضح في مستوى التعليم بين الرسمي والخاص سيترك بصماته على مستقبل روسيا وإرتقائها أو هبوطها في مختلف المجالات العلمية والتنموية، وبالتالي سيحدّد مكانة روسيا بين باقي الدول ومشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد إكتشف المسؤولون مع بداية الثمانينات أن نظام التعليم في اليابان وكوريا الجنوبية والإتحاد السوفياتي ( الذي أطلق قمراً إصطناعياً في العام 1957) يتفوق على نظام التعليم في أمريكا. فدعت إلى مؤتمر كبير تحت عنوان "أمة في خطر" ولاحظ المؤتمرون أن خريجي الجامعات في هذه البلدان يتفوّقون على خريجي الجامعات في أمريكا، وبالتالي فإن الخطر بعد عشر سنوات أو عشرين سنة سيكون داهماً وكبيراً.

وتضمن التقرير الصادر عن المؤتمر فقرة، تظهر أهمية التعليم في بناء المجتمع ونمائه وتقدمه، تقول "أنه لأول مرة في مسيرة التعليم في أمريكا، سيتخرج جيل لا يتفوق على آبائه، وحتى لا يساويهم أو يدانيهم في المهارات والمعارف والقدرات" ويقول أيضاً "لو كان التعليم بحالته في بداية الثمانينات بأمريكا، مفروضاً عليها من قوى خارجية، كان الأمريكيون سينظرون إليه كعملٍ حربيّ ضدهم، ولكن ما حدث أنهم سمحوا بأن يفعلوا ذلك بأنفسهم".

ويسلط التقرير الضوء على أن أهم أسباب النهوض هي اللغة الإنكليزية، ثم الرياضيات والفيزياء وأخيراً الحاسب الآلي. وتبدأ مع صدور التقرير عملية الإصلاح فوراً. (ذكر تاريخ التقرير)

وفي عام 1991، في عهد الرئيس جورج بوش الأب يصدر مشروع مكمّل، بعنوان (أمريكا عام 2000 إستراتيجية للتعليم)، ويهدف إلى أن "يحتل الطالب الأمريكي المرتبة الأولى عالمياً بين دول العالم في مادتي العلوم والرياضيات" ويضع الخطط التربوية اللازمة لتقويم مناهج التعليم في العلوم والرياضيات.

وفي العام 2000 صدرت إستراتيجية التعليم من عام 2001 ÷ 2005 وأكدت على دور التعليم في تكوين الدولة القوية ضمن  محاور رئيسة هي: التعليم الأساسي لكل فرد No child left behind، تحقيق تكافؤ الفرص في المرحلة الثانوية وما بعدها، وتطوير وزارة التعليم بما يحقق هذه الأهداف.

وفي العام 2007 صدر تقرير "الإرتفاع فوق العاصفة" الذي يعكس مدى خوف العلماء الأميركان من تراجع الهجرة العلمية إلى أمريكا بعد حوادث الحادي عشر من أيلول عام 2001، ومدى إنعكاس ذلك على تراجع القدرات العلمية الأميركية، ويصف العالم ستيفن شو، الذي شارك في وضع هذا التقرير، أمريكا بأنها "كضفدعة سقطت في ماء يغلي ببطء فهي لا تقفز من الماء لأنها لا تدرك أنها في طريقها إلى الموت".

أخلص مع هذا السرد السريع إلى القول بأن التربية والتعليم هما في واقع الحال عملية بناء شخصية الإنسان، و"هما الروح الذي تحيا به الشعوب والأمم" (كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار عدد 13 يونيه 1898 م ص 224).

والتربية عملية تنفيذية إجرائية، لا بد لها أن تقوم على "فلسفة" أو "إيديولوجيا" أو "مذهب" أو عقيدة" ترسم لها الأهداف، وتحدّد لها المسار، وتوحي لها بالوسائل والأساليب، مما يجعل من المحتم على من يتناول مسألةً تربويةً أن يحدّد لنا أولاً "هويته الفكرية" أو "مرجعيته الفلسفية" حتى يمكن أن نقرأ ما يكتب، ونقوّمه في ضوئها." (أعلام تربية في الحضارة الإسلامية – أ. د. سعيد إسماعيل علي – دار السلام ص 185)

ويؤكد الشيخ محمد رشيد رضا على "شمولية التربية" و"جزئية التعليم"، ويعطي الأولوية للتربية على التعليم لأن الذي يتعلم ولا يتربّى، ربما يضرّ بعلمه أكثر ممّا ينفع وينتفع. كما يرى أن التعليم غالباً ما يكون تابعاً للتوجه العام الذي تكون عليه الإدارة العامة للمجتمع، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فالتعليم الذي يوجد في مجتمع يقوم على صحيح الدين والعدل الإجتماعي، وتمكين الإنسان من ممارسة حقه في التفكير وحرية الإختيار، لا بدّ أن يكون تعليماً منتجاً مبدعاً، ويعتبر أننا "إذا كنا محتاجين إلى مثقال من التعليم، فنحن أحوج منه إلى قنطار من التربية". (المنار فبراير 1902 – 22/842)

ويرى الشيخ محمد رشيد رضا أن التربية "على ثلاثة ضروب: تربية الجسم، وتربية النفس، وتربية العقل" (العدد الأول من المنار – مارس 1898 ص 15)، ويعرّف التربية في معناها الكلي الشامل بأنها : "مساعدة القوى التي من شأنها أن تربو وتنمو على بلوغ الكمال في نموها، المستعدّة هي له في أصل الفطرة والخِلقة، بإزالة الأسباب التي تعيق النمو، أو تنحرف بالقوى عن جادّة الإعتدال المطلوب، وبإمداد هذه القوى بما تتغذى به من مواد القوى المادية والمعلومات في القوى المدركة العاقلة الخارجة عنها" (المنار – العدد الثالث – مارس 1898- ص 61).

ويرى آخرون أن "التربية عملية إحياء لتراث الأقدمين، وإصلاح لحاضر المجتمع وواقع حياته، وإعداد لمستقبل أفضل". (مقالة للدكتور عمر الشيباني – شباب نيوز عدد 142)

وينتقد الشيخ محمد رشيد رضا بشدة التعليم التلقيني الذي يهدف إلى الحصول على وظيفة حكومية بأنه يرسخ السلبية والتقليد والإنصياع والنمطية. ويدعو، بدلاً عن ذلك، إلى تدريب الطلاب على الحوار، وحل المشكلات والإبداع، وإلى تمرينهم على إكتساب المهارات العقلية مثل المناقشة والتحليل والإستنباط. (أعلام تربية في الحضارة الإسلامية – ص 204) (المنار – أكتوبر 1903 – 15/604)

لا شك أن ما يدعو إليه الشيخ محمد رشيد رضا في منهجية التعليم هذه، هو الذي يكمن في أساس التعليم التفاعلي، الذي يدعو إليه العلماء والباحثون في أصول التعليم اليوم. فقد كان سبّاقاً في ذلك منذ مطلع القرن العشرين. وهذا التعليم يهدف إلى تنمية المهارات المختلفة عند الطالب، وحثه دائماً على التفكير والفهم، أكثر من حثه على الحفظ والترداد. كما يهدف إلى تنمية ملكة العقل، أكثر من تنمية الذاكرة عنده، والقدرة على التحليل والإستنتاج حتى يتمكّن من مجاراة العصر، الذي أصبح عصر المعرفة بإمتياز.

وأختم هذه المقارنة السريعة مع فلسفة التعليم، كما جاءت في "خطة تطوير التعليم في الوطن العربي" التي وضعتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع جامعة الدول العربية في تونس عام 2009، حيث يقول: تتحدد فلسفة النظام التعليمي العربي في القرن الحادي والعشرين بستة مرتكزات أساسية، تشكل بحد ذاتها الإطار لتحديد الغايات والأهداف المتبناة:

1.      ضمان التعليم للجميع كحق من حقوق الإنسان (القراءة، الكتابة، الحساب وإمتلاك القدرات الأساسية للتعامل مع الحياة بطريقة تليق بالكرامة الإنسانية).

2.      تمكين المتعلم من أدوات المعرفة (تقييم المعرفة وحيازتها، تحليلها، تفسيرها، وإنتاجها وإستثمارها)، وتزويده بالمهارات والخبرات لزيادة إنتاجية الإنسان، وتعزيز دوره المساهم في إحداث التغير والتطور.

3.      فتح القنوات والأطر التنظيمية الجديدة في مستوى المدرسة والجامعة لربط التعليم بالإنتاج وبالحياة الإجتماعية وإلمام المتعلمين بألوان النشاط العلمي المختلفة التي تجري خارج المدارس والجامعات.

4.      تنمية قدرات الفرد المتعلم ومقابلة حاجاته المختلفة وخاصة البدنية منها والترفيهية لتوسيع خيارات الإنسان من أجل تحقيق الذات وجعل المؤسسة التعليمية مفتوحة على محيطها.

5.      بناء القدرات لتقوية الإجتماع البشري من خلال المواطنية التي تشكل الأساس للعقد الإجتماعي، والتضامن للنهوض بالمجتمع وضمان الحقوق والسلم الإجتماعي والإرتفاع بمستوى المسؤولية الإجتماعية، إضافة إلى ترسيخ معاني العدل والسلم والقيم الإنسانية والدينية المستندة إلى تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وكذلك إحترام الثقافات والأديان الأخرى وفق القناعة بحق الإختلاف، وذلك لتقوية حس الإنتماء الوطني والشعور القومي العربي وصولاً إلى ضمان الأمن الإنساني ورفد الهوية الوطنية بالهوية الكونية في عالم يحكمه الإعتماد المتبادل ومن متطلبات ذلك أن تقوم عملية تطوير المناهج على مبدإ الجمع بين الرؤية الوطنية والعربية والعالمية.

6.      تعزيز دور النظام التربوي في تعميق الثقافة والوطنية والقومية وتعميق الوعي بالقضايا القومية الكبرى.

بعد هذا العرض للمبادئ والأسس التي قامت وتقوم عليها التربية والتعليم في عددٍ من دول العالم، أخلص إلى القول، بأن أهداف التربية في كل بيئةٍ إجتماعيةٍ تابعةٌ لمثلها العليا. والمثل العليا في المجتمعات تتغير بتغير الزمان والمكان. لا شك أن المثل العليا في الإسلام كانت دائماً تجمع بين الدين والدنيا في آن. وهذا سرّ قوة الحضارة الإسلامية وسرعة إنتشارها، كما أجمع المفكرون "وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا".

وقد إختلفت النظرة إلى التربية، فمن داع إلى ربطها بالعقيدة الدينية ، إلى آخر رافضٍ لهذا الربط، وداعٍ عوضاً عن ذلك إلى الإلتزام بالقيم الأخلاقيةً الحميدة عوضاً عن ذلك (كاليابان مثلاً).

برأينا أن إرتباط التربية بالعقيدة الدينية هو أصلٌ، وإلتزامها بالقيم الحميدة هو فرعٌ من هذا الأصل. ذلك أن الله الذي خلق الإنسان وسخّر له الكون، هو أعلم بما خلق، وما يصلح لهذا الإنسان من حلالٍ وما يضره من حرام. أضف إلى ذلك أن الأخلاق والقيم الحميدة في جميع الشرائع السماوية هي واحدة لأنها من مصدر واحد سوى أن الشرائع السماوية الأخرى غير الإسلامية، نزلت لزمانٍ ومكانٍ محدّدين، ولذلك لم يتكفل الله تعالى بحفظها من التحريف فلم تسلم من ذلك، أما الإسلام ولكونه الدين الخاتم وللناس كافة فقد تكفل الله بحفظه من كل تغيير أو تبديل، أو زيادة أو نقصان. أضف إلى ذلك كونه يجمع بين الدين والدنيا، فإن المثل العليا فيه، وفي شقها الدنيوي، وإن كانت متغيرة بتغير الزمان والمكان، فإنها تبقى منضبطة في الإطار الديني الثابت. مثالُ ذلك، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً" فإن العلم مهما تقدم فإن عليه أن يبقى في إطار النفع الإنساني، لا أن يكون علماً لمجرد العلم، ولا أن يكون علماً ضاراً بالإنسان والإنسانية عموماً.

وقد عبر كوزو إيناموري، مؤسس جائزة كيوتو اليابانية، ورئيس شركة كيوسيرا، الإمبراطورية التكنولوجية التجارية العالمية، عن أهمية إرتباط التعليم بالعقيدة الدينية، بقوله: "الفلسفة التي أؤمن بها، هي أنه لن نطمئنّ على مستقبل البشرية إلا من خلال خلق التوازن اللازم بين تطور العلوم المادية، والعلوم الروحية" أي أنه يجب أن نخلق هذا التوازن في الإنسان، بين ذكائه الذهني وقِيَمِه الروحية. فالحضارة التي تهتم بالذكاء الذهني، وتبخس الروح، وما تبثه في الإنسان من قوة وإرادة هي حضارة آفلة، لا أفق لها ولا مستقبل. (فلسفة التعليم وتحديات العولمة www.elaph.com)

الأمر الآخر الذي نخلص إليه هو أن ما يجب أن يميز التربية والتعليم في عصر المعرفة، هو غير ما كانت عليه في عصور المدرسة الأولى (كالمدارس النظامية) وغير ما كانت عليه في النظام الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي (مدرسة العمل) أو في الصين.

 ذلك أن فلسفة التعليم في عصر المعرفة لا بد وأن تغطي جوانب في السياسة والإقتصاد والتنمية والمجتمع والفكر وباقي ميادين الحياة. فالإقتصاد، إقتصاد المعرفة، والتنمية تنمية مستدامة ترتكز على معرفة حاجات المجتمع، والسياسة، إما سياسة منغلقة على الذات، أو سياسة منفتحة على الجميع التي بدورها ترتكز على المعرفة بالآخر والإنفتاح عليه. والمجتمع والدولة إما متطرف أو عادل، والعدل يستوجب المعرفة ببواطن الأمور بل والإلمام بمختلف جوانبها.  والفكر إما آحادي متشدد متزمت لا يكترث بالآخر، أو فكر معرفي يتعاطى مع الآخر، ويسعى نحو المعرفة ونحو الحقيقة فيلتزمها حيثما كانت. وهكذا دواليك....

وكل ذلك وغيره يستوجب عقلاً منفتحاً على أبواب المعرفة، التي أصبحت بدورها مفتوحة على مصراعيها. وهذا بدوره يعني أن على النظام التعليمي في عصر المعرفة أن يؤدي إلى إعداد قيادات معرفية، قادرة على التعامل مع تحديات العولمة القائمة، قادرة على تحقيق التنمية المستدامة في أوطانها، وقادرة على أن تجمع بين ثقافة الشرق وأصالتها، وحداثة الغرب وتقنياتها.

وفلسفة التعليم يجب أن تساعد المتعلم في إكتشاف الذات، والإمكانات الذاتية، والطاقات الكامنة (وهذه الإمكانات والطاقات تختلف من شخص لآخر) في نفس المتعلم، فتجلوَها وتنمّيها وتفجرّهَا في طريق الرسالة العليا التي رسمتها التربية أصلاً على ضوء العقيدة. وبالتالي فإن فلسفة التعليم يجب أن ترسم للإنسان المتعلم رسالته في الحياة، وأن ترشده إلى طريق بناء المستقبل، والأهداف التي، عليه أن يبذل جهوده وطاقاته في سبيل تحقيقها.

وإذا كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة المتميزة بالوسطية والإعتدال قد ولدت من رحم الإنفجار المعرفي فإن إنعاكاساتها على فلسفة التربية والتعليم لم تأخذ بعد حيزاً من الواقع والتطبيق. ولا تزال النظرة المادية البحتة والعلمية المجرّدة تطغى في الأهداف والغايات في التربية والتعليم في معظم مدارسنا العربية والإسلامية، الحكومية منها والخاصة وبما فيها الإرساليات الأجنبية.

وقد إختلف فلاسفة العالم حول التغيير في التربية، والتغيير في المجتمع وأيهما يسبق الآخر، ويقدّم له، وأيهما يتقدّم على الآخر ويكون سبباً له. فمنهم من رأى أنه إذا كان التغيير المجتمعي يجيء عن طريق الإصلاح التربوي فإنه وضع العربة أمام الحصان"، ومنهم من إستنكر إمكانية "تغيير الإنسان إذا إستمرت البنى المجتمعية، والمعتقدات الأساسية والسياسة الحاكمة على حالها من التهرؤ والفساد؟ هل يمكن لدعاة الإصلاح التربوي أن ينعزلوا عن عيون النظام القائم وتأثيرات الأحداث الجارية وكأنهم في جزيرة منعزلة؟" (أعلام تربية في الحضارة الإسلامية ص 183 ÷ 184).

 

لا شك أن الواقع اليوم يفرض نفسه، فالتغيير في بعض الأنظمة العربية اليوم قد بدأ، وإن̊ لم يستقرّ بعد، ولا تزال الأخطار المحدقة تحيط به من كل جانب. وهذا دليل آخر، على أهمية أن يواكب ذلك، تغيير في وضع الأسس الصحيحة لفلسفة تربوية وتعليمية معاصرة، تواكب الحداثة، وتحافظ على أصالة القيم، وتلتزم مبادئ العقيدة وأصولها. ولا شك أن هذا التغيير إن حصل بالسرعة المطلوبة، فإنه يسهّلُ عملية الإنتقال إلى النظام الجديد، ويساهم في إستقراره إلى حدّ ٍ بعيد.