طريق الحكمة 28 April 2015

يعرّف الباحثون مجتمع المعرفة، بأنّه مجموعة من الناس ذوي إهتمامات متقاربة، يحاولون الإستفادة من تجميع معرفتهم، معاً، في المجالات التي يعملون فيها، ويضيفون إليها المزيد من المعرفة، من ناتج معلوماتهم وتحليلهم وتفكيرهم وإدراكهم المشترك، مستفيدين في ذلك ممّا توفّره لهم تكنولوجيا المعلومات والإتّصال.

أما إقتصاد المعرفة، فهو الإقتصاد الذي يعتمد، في أساسه، على توافر تكنولوجيا المعلومات والإتّصال، وتضافر الإمكانيّات في مجال معيّن، كما يعتمد على إستعمال أحدث الوسائل التي تساعد على المنافسة والإبداع في الإنتاج، في ظلّ العولمة، والإنفتاح الكبير على جميع مصادر المعلومات، وفي ظلّ التغيّر التكنولوجيّ المتسارع.

ممّا تقدّم، يتبيّن لنا الفرق الكبير بين العلم وطرائق التعلّم، كما كان عليه في الماضي، وبين العلم وطرائق التعلّم في العصر الحديث، في ظلّ ثورة المعلومات هذه، والسباق المحموم في نشر المعرفة، وفي ظل التفرّع المتعدّد للعلوم على إختلاف أنواعها، الناتج عن هذه المعرفة، وفي ظلّ الغوص العلميّ prix cialis الدقيق في أعماق هذه العلوم.

ولكي يتبيّن لنا الفارق بين التعلّم الأوّل والتعلّم الحالي، نشير إلى الفروقات التي يجب لحظها بين المصطلحات المستعملة في هذا المجال. ولعلّ أقرب السبل لتوضيح هذه الفروقات، هو الإستفادة والتشبيه بالأمثلة الحسّية.

فالمعلومات Informations هي كلّ ما يراه الإنسان ويعقله ويدركه. وهي أشبه بحجارة البناء والموادّ الأوّليّة الأخرى، التي يستعملها الإنسان في بناء مشروع معيّن، كالمستشفى مثلاً. وهذه المعلومات، عند الطفل، تكون بمستوى معيّن، وكلّما نما عقله وإزداد إدراكه، زادت معلوماته من العلوم التي تعلّمها، والتي صار يختزنها في ذاكرته وفي مدونّاته وأرشيفه.

أمّا العلوم Sciences فهي الدراسات والمعادلات والقوانين التي تتحكّم في هذه المعلومات، وتساعد على التطبيق والإستعمال. وهذه العلوم هي كعلم الهندسة والطبّ والزراعة والإقتصاد وعلوم الرياضيّات والفيزياء وغيرها. وهي خاضعة في مسارها الزمنيّ والتراكميّ، للتطوير والتوسّع والتفرّع والإكتشافات، وما إلى ذلك. وبفضل هذه المعادلات والقوانين الهندسيّة، يجري بناء المستشفى من الحجارة والموادّ الأوّليّة الأخرى، ليرتفع البناء على أسس علميّة سليمة.

وأما المعرفة Knowledge فهي مجموعة العلوم التي يحصل عليها الإنسان في حياته ودراساته ويجمع في ما بينها قاسم مشترك (هو مشروع المستشفى مثلاً)، وغالباً ما تكون هذه المعرفة، معرفة بجزئيّات معيّنة، من مجموعة العلوم المشتركة في ما بينها. فبالإضافة إلى هندسة البناء وقواعد بناء الهيكل والخرسانة، يجب على مدير مشروع المستشفى أن يكون ملمّاً بهندسة الكهرباء اللازمة للتمديدات الكهربائيّة، والهندسة الصحيّة والتكييف، ونوعيّة التجهيزات اللازمة للمستشفى وتغذيتها، حتى يجمع بين كلّ ذلك في تنفيذ المشروع. ويكون المشروع ناجحاً بمقدار حُسن أداء الوظائف المطلوبة منه.

وقد ميّز العلماء بين المعرفة والعلم أيضاً، في مجال آخر، مثلاً، يُقال: "عَرَفتُ الله" ولا يقال "عَلمتُ الله" لأن معرفة الله، عزّ وجلّ، لا تكون كاملة أبداً "...ليس كمِثلِهِ شيءٌ..." (الشورى: 11)، بينما قد يكون العلم كاملاً، فنقول: "تعلّم الولد جدول الضرب" ولا نقول "تعرّف الولد إلى جدول الضرب" لأن الثانية (تعرّف) تعني أنه ربما قد تعلّم جزءاً منه أو عرفه عموماً.

وأما الحكمة Wisdom فقد عرّفها الإمام الغزالي، رحمه الله، "معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وأجلُّ من يُعرف هو الله سبحانه وتعالى". وعنها قال الإمام الشيخ محمد رشيد رضا: "هي العلم الصحيح الذي يبعث الإرادة إلى العلم النافع الذي هو الخير" أي إن الحكمة هي أن يستكمل الإنسانُ العلمَ بالعمل، وبتعبير أدقّ، أن يكون العلم مقروناً بالنفع الإنساني، سواء أعملاً حضارياً مادياً ملموساً كان ذلك، أم فكراً نافعاً أم ثقافةً مفيدة. ولذلك، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدعو ربّه: "اللهمّ علّمنا ما ينفعنا، وإنفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً" ويدعو أيضاً: "اللهمّ إني أسألك علماً نافعاً".

 

ولا يكون بناء المستشفى مفيداً ونافعاً إلاّ إذا ترافق مع دراسة جدوى نفعيّة إقتصاديّة بيئيّة إحصائيّة تُظهر الحكمة من بناء هذا المستشفى، وأهميّة الوظائف الإستشفائيّة المطلوبة منه، والملبّية لحاجات السكان في المنطقة التي بني فيها المستشفى.