خاتمة ودعوة "ثورة" التربية والتعليم 05 July 2012

يقول العالم الأميركي سيمور بابيرت Symour Pappert، الباحث في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT): "إنه إذا سافر ضيف قادم من أوائل القرن التاسع عشر عبر الزمن، ووصل إلى مستشفى أو بنك، فإنه سيصاب بالدهشة مما يرى، غير أنه إذا ما زار مدرسة في أواخر القرن العشرين، فإن ما يجري أمامه سيكون مألوفاً، إذ لم يتغير شيء مما إعتاد أن يراه في المدرسة".

(مستقبل التعليم العربي بين الكارثة والأمل ص 131)

فالثورة الصناعية، وثورة التكنولوجيا والإتصالات قد أحدثتا تغييراً جذرياً، في عمل كل من المستشفى والمصرف، والمصنع، كما في عمل عددٍ كبيرٍ جداً من القطاعات المختلفة مثل قطاعات النقل والمواصلات، والإتصالات والبناء والإدارة والإقتصاد والمال وغيرها...

ومعظم المتغيرات كانت بفضل ثورة التكنولوجيا والإتصالات التي أحدثت في هذه القطاعات  تقدماً كبيراً ومتسارعاً. ومعظم هذه القطاعات قطاعات إستهلاكية آنية، وليست قطاعاتِ بناءٍ مستقبلية.

أما في قطاع التعليم، وتحديداً في عالمنا العربي، فقد بقي الحال على حاله في معظم المدارس (معلم ولوح وطبشورة وكتاب وقلم ودفتر).

لذلك كان لا بد من إحداث "ثورة" في التربية والتعليم، تستفيد من ثورة التكنولوجيا والإتصالات، كما باقي القطاعات، وبقدرٍ وافرٍ، خصوصاً وأن التعليم هو بناء المستقبل، وكما أشرنا، فإنه لا يجوز بأن يجريَ بناء المستقبل بأدوات الماضي، بل يجب أن يكون بأحدث ما توصل إليه الحاضر من أدواتٍ وتكنولوجيا، وفكرٍ وإبداع.

ولا بد لهذا التغيير أن يشمل الجوانب التالية:

1.     العقيدة والقيم:

 يجب أن يكون إرتباط التربية بالعقيدة الدينية والقيم الحميدة إرتباطاً وثيقاً، ونستدل على ذلك بالعقيدة الإسلامية كنموذج، لأن معظم سكان الدول العربية هم من المسلمين، والدين الإسلامي هو الدين الخاتم، وهو الدين الذي يدعو إلى العلم، وإلى التفكر في خلق السماوات والأرض، وإلى عمارة الأرض، ونماء الحضارة الإنسانية ويربط ذلك كله بالعقيدة، تماماً، كما يدعو إلى عبادة الله وإقامة الفرائض والسنن، وكما يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أنه الدين الذي يدعو دائماً إلى خيري الدنيا والآخرة.

وإذا كانت أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي "إقرأ" فإن الآيات التي تلتها "إقرأ بإسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم" أوضحت أنّ مصدر المعرفة هو الله تعالى، وأنّ علم الإنسان هو فيض من علم الله عز وجل. وغاية المعرفة هي معرفة الله تعالى، ومن عرف الله تعالى وصفاتِه فقد عرف كل شيء في الوجود وأدرك كنه العقيدة، وإذا كانت الحكمة هي أعلى مراتب المعرفة المقرونة بالعمل المناسب في الوقت المناسب والبيئة المناسبة، فإن "رأس الحكمة مخافة الله" كما يقول أهل الحكمة.

 وإذا كان مصدر المعرفة هو الله تعالى، وغايتها أيضاً معرفة الله تعالى، فإن لا خير في علمٍ أو معرفةٍ لا توصل إلى الله تعالى، كما أنه لا خير في علمٍ أو معرفةٍ لا تكون منضبطة ً بأوامر الله تعالى. من هنا كانت أهمية إرتباط التربية بالعقيدة الدينية عموماً، والإسلامية منها خصوصاً.

والقيم الإنسانية، فرع من فروع العقيدة الدينية، فقد خلق الله آدم عليه السلام، وبث فيه روحه. ومع روح الله ومنها، زُرعت̊ القيم في كيان الإنسان ومنها كان حبه للخير وكرهه للشر (مقالة أ. د. خالد الصمدي في مجلة حراء عدد أيار – حزيران 2012). ولذلك فمعظم القيم الإنسانية هي اشتقاق من صفات الله تعالى، وهذه القيم أساسها الثبات والإستقرار. ومن خصائصها في الإنسان، الواقعية والنسبية. وصفات الله هي صفات مطلقة، منها مثلاً العدل، فهو في الذات الإلهية على الإطلاق والعدل إسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته العلا، أما عدل الإنسان فهو يبقى واقعياً، ومنسوباً لما لديه من معطيات وبراهين وأدلة. ولا أدلّ على ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "إنما أنا بشر، وإن يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها".

 والقيم الإنسانية هي عموماً عالمية الطابع، منفتحة على سائر الأمم والشعوب، مشتركة بين جميع الأديان والشرائع السماوية، وكانت بعثة النبي محمد بن عبد الله ليتمّم هذه القيم، كما ورد في الحديث الشريف: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ومن خصائص القيم الإنسانية أن تكون راسخة في نفس الإنسان، مستقرة في أعماقها ومستدامة في السلوك والممارسة، "فالرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً..." كما ورد في الحديث الشريف.

 

2.     الهدف والغاية في التعليم:

كنا قد أشرنا سابقاً إلى أن فلسفة التعليم عند نظام الملك كانت تقضي بإعداد الكوادر المختلفة للعمل في الجهاز الحكومي مع الولاء الكامل للسلطة. أما في الإتحاد السوفياتي السابق وفي ظل الإشتراكية وحكم الطبقة العاملة في البلاد في حينها، فكانت المدرسة تسمى "مدرسة العمل"، لأن عليها إعداد العمال والفلاحين الذين يشكلون غالبية المواطنين ويمسكون بزمام السلطة. وفي اليابان، الذي عانى الكثير من ويلات الحروب، كانت فلسفة التعليم تقضي بأن يتعلم الطالب تحمل المسؤولية، وإحترام العمل وبناء مجتمع السلامة. وفي أوروبا، ومع ظهور الثورة الصناعية، إزدادت الدعوة إلى إعداد طبقة الصناع والحرفيين، الأمر الذي أدى إلى إعداد برنامج التعليم الفني والتقني في مدارس أوروبا والتي تجمع برامجها ومناهجها بين قدرٍ بسيط من العلوم الأكاديمية، إضافة إلى التدريب المهني لإعداد خريجين للعمل في ميدان الصناعة.

أما في عالمنا العربي، فقد أوضحت "خطة تطوير التعليم في الوطن العربي" التي ذكرناها سابقاً الأهداف والغايات التي يجب أن تحكم مسار التعليم، وهي بإختصار، تمكين المتعلم من أدوات المعرفة وتنمية القدرات، وتزويده بالمهارات اللازمة لمواجهة متطلبات العصر، عصر المعرفة وثورة المعلومات والإتصالات.

 ولا يكون ذلك إلا إذا تواكب مع إعدادٍ وتدريبٍ مستمرّي̊ن للمعلمين، وحداثةٍ وتطويرٍ دائم̊ين للبرامج والمناهج التعليمية، وتوجيهٍ مهنيٍ سليمٍ للطلاب في مراحل الدراسة المختلفة يؤدّي بهم إلى إختيارٍ صحيح لإختصاصاتهم الجامعية تتناسب مع كفاءاتهم العلمية وتكوينهم المعرفي ومع حاجات المجتمع. كما يجب أن يترافق ذلك مع زرع حب التعلّم المستدام في نفوسهم ليستطيعوا مواكبة العصر وما فيه من تقدم علمي متسارع، وبالتالي مواكبة المستقبل بمستجداته وإكتشافاته وإبداعاته. خصوصاً وأن التعليم والتعلّم هما مرآة المستقبل.

 

 

 

3.     دور اللغة العربية:

لا شك في أن التعلم باللغة الأم بالنسبة للمتعلمين هو أسرع أثراً وأغزر إبداعاً، وأكثر نجاحاً وتفوقاً منه باللغات الأجنبية. وهذا ما أثبتته الدراسات والأبحاث، وأقرّته الوثائق العالمية في مجال التربية، كما سبق وأشرنا إلى ذلك. ومع يقيننا الثابت بأن اللغة العربية لغة حية، لا تموت، ساهم في تخليدها الكتاب السماوي الخاتم، القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تلاوتُه عبادة، والدعوة للعمل بأحكامه والإنتهاء عن نواهيه فلاحٌ في الدنيا والآخرة. لكنه من الخطأ أن نعتقد أن هذا يكفي لقوة وإنتشار اللغة العربية، نشير إلى أن إستعمال اللغة اللاتينية في آخر مراحلها قبل أن تموت كان على منابر الكنائس. لذلك علينا أن نؤمن بأنه من الضروري أن لا يقتصر إستعمال اللغة العربية على العبادات، بل يجب أن تكون لغتنا العربية هي لغة الفكر والثقافة، ولغة العلاقات السياسية والإقتصادية، ولغة الفن والمسرح، ولغة البحث العلمي والإبداع المعرفي. وهي كانت كذلك في عصر الحضارة الإسلامية، فما هي المقومات للعودة باللغة إلى مراتب الإنفتاح وإقتحام الميادين؟.

إن تطوير إستخدام اللغة العربية يحتاج ولا شك، إلى قرارات جريئة تتخذها السلطات العليا في العالم العربي، مجتمعة، مع وضع مخطط تطبيقي لهذه القرارات. فالمؤتمرات وحدها لا تكفي وتشجيع القائمين على الأمر بالكلام المعسول وحده لا يكفي. بل يجب أن يكون ذلك معززاً بقرارات تنفيذية وعقوبات رادعة للمخالفين كأن لا تجدد التراخيص المعطاة إلى الجامعات ما لم تكن الدراسة فيها باللغة العربية، وتعطى لذلك مهلة زمنية محددة.

يكفي لذلك أن نتذكر بأن أحد أهم مقررات بازل الصادرة عن المؤتمر الصهيوني الأول بين اليهود والمستوطنين، كان إعتماد اللغة العبرية لغة التعليم في المدارس والجامعات اليهودية. فكان من نتيجة ذلك أن الدراسة في هذه المؤسسات كلها تتم باللغة العبرية دون غيرها. وقد إستطاع الكيان الصهيوني بفضل ذلك أن يحتل أعلى المراتب بين الدول المتقدمة في صناعة المعلوماتية. كذلك الأمر في اليابان، فاليابان لم تنبهر باللغات الأجنبية المتقدمة، بل حسمت معركة اللغة تعليمياً وحياتياً منذ البداية. لأنها تؤمن بأنه لا يمكن لأمة أن تبدع علمياً إلا بلغتها الأم. كما تؤمن اليابان بأن العالم لا يستمع لأمة تتحدث بلغة غيرها. لذلك فقد إعتمدت اللغة اليابانية في جميع المدارس والمعاهد والجامعات، كما في جميع ميادين العمل والحياة، ولم تمنع صعوبة اللغة من تقدم اليابان تقدماً علمياً أبهر العالم، بل ومكّن اليابان من إحتلال مراكز الصدارة في صناعاتها المختلفة.

والقرارات الجريئة وحدها لا تكفي بل يجب أن يترافق ذلك مع تطوير اللغة العربية بما يتلاءم مع سرعة التغييرات في عصر المعرفة ويتلاءم مع ثورة التكنولوجيا والإتصالات. كما يجب أن يتزامن ذلك مع إنفتاح على مجتمع المعرفة، وشبكة المعلومات والعلوم وأخذ المبادرة في العمل على تطويرها، وباللغة العربية لدفع الآخرين للإقبال على تعلمها وتعليمها، كما كانت الحال في عصر الحضارة.

ومع إدراكنا بأن اللغة هي أساس الحضارة ولا حضارة بدون لغة تنقلها إلى الناس وإلى الآخرين فإن التعاطي مع اللغة في عصر المعرفة والعولمة والمعلوماتية والإتصالات وعصر الرقمنة، يختلف عن التعاطي مع اللغة في العصور الغابرة. وإذا كان القرآن الكريم بالدرجة الأولى، والشعر العربي بالدرجة الثانية، والترجمة والتعريب بالدرجة الثالثة قد قاموا بالحفاظ على اللغة العربية عبر تاريخها الطويل، فإن اللغة العربية تبوأت بفضل ذلك في حينه موقعاً بارزاً على خريطة المعرفة الإنسانية.

أما اليوم، ومع إنتشار التعليم بغير العربية، وحلول اللغة العامية واللغات المحلية مكان اللغة الفصحى، في العديد من الإعلانات ووسائل الإعلام، ناهيك عن إستعمال الكلمات العربية بالأحرف اللاتينية في الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الإلكتروني، فإن الإنتماء والهوية يصبحان في خطر مباشر مع هذا التراجع الكبير لإستعمالات اللغة.

لذلك كله وجب على القادة والحكماء والعلماء والباحثين اللغويين وضع الحلول الناجعة لهذه المشكلات وعدم التسليم بأنها مشاكل مستعصية. ومن هذه الحلول، إيجاد المصطلحات التقنية في مختلف ميادين المعرفة، وتوفير الكتب والمؤلفات والمراجع باللغة العربية، سواء من خلال تشجيع التأليف في شتى أنواع العلوم والمعارف أو تعريب المراجع الأجنبية. هذا بالإضافة إلى ولوجٍ شجاعٍ ومتقدمٍ في عالم الحاسوب والبرمجيات ومحركات البحث والترجمة الإلكترونية وغير ذلك مما يستوجبه عالمنا المعاصر في سبيل تطويع هذه التقنيات لخدمة اللغة العربية.

لا شك في أن هذه التحديات تستوجب قراراً على أعلى المستويات وتكاتفاً قوياً لعلماء اللغة والباحثين في علومها. عندها ستكون التقنيات الحديثة في خدمة اللغة. أما العكس، أي إذا تخلينا عن اللغة لصالح إستخدام التقنيات الحديثة فسيرسخ ذلك تبعيتنا الثقافية للآخر وإنسلاخنا عن تراثنا وهويتنا وإنتمائنا. وهنا يكمن الخطر الداهم.

 

4.     الحداثة في المناهج التعليمية:

لا شك في أن العولمة، وما رافقها من إنفتاح معرفي أوجبا الحاجة إلى مهارات وكفايات عالية ومتقدمة، وكلما تقدم العلم، كلما كانت الحاجة إلى المزيد من هذه المهارات والكفايات التي يجب أن يحصل عليها المتعلم وخصوصاً في مراحل التعليم الأولى. لذلك فإن الحداثة في التعليم يجب أن ترتكز على الإنتقال من التعليم التلقيني المتمحور حول المعلم والقائم على الحفظ والمذاكرة وتنمية الذاكرة إلى التعليم التفاعلي المتمحور حول المتعلم والقائم على الفهم والتحليل والإستنتاج، والتفكير المنطقي، والعمل على حل المشكلات، وخصوصاً في مواد العلوم والرياضيات، والتمرين على الحصول على المعلومات بسرعة وإستخدامها بشكل فعّال وصحيح. كل ذلك من شأنه أن يؤدي بالمتعلم للوصول إلى الإكتشاف والإبداع، وتقديم الحلول المبتكرة، ومواجهة التحديات الناجمة عن الإنفتاح المعرفي، وتنوع الثقافات. خصوصاً وأن العالم الذي نعيشه اليوم يشهد تغيرات متسارعة في كافة جوانب الحياة، محورها الأساس الإبداع ونشر المعرفة.

وأحدث طرق التعليم وأساليبه هي الطرق النشطة التي تشجع على التعاون بين المتعلمين والمتمحورة حول الطالب وهي الطرق التي تشرك المتعلمين في عمل أشياء تجبرهم على التفكير فيما يتعلمونه ومنها:

·        التعليم التعاوني: وفيه يتم تقسيم طلبة الفصل إلى مجموعات صغيرة غير متجانسة تُعطى كل مجموعة مهمة تعليمية، ويعمل كل عضو في المجموعة وفق الدور المكلف به لتحقيق الهدف المشترك. ثم تعمم نتائج عمل المجموعات على كافة المتعلمين.

·        التعليم بالتقصي: وفيه يستكشف الطلاب الظواهر المحيطة، والمواضيع العلمية من خلال الأنشطة اليدوية (Hands on)، ويطرحون الفرضيات ويقدمون التفسيرات وتحاليل البيانات للوصول إلى المعرفة العلمية المطلوبة.

·        التعليم القائم على حل المشكلات: في هذه الإستراتيجية يقوم المتعلم ببناء المعرفة بنفسه، ويتمثل دور المعلم بتوفير مصادر التعلم المختلفة، ومساعدة المتعلم للوصول إلى المعرفة من خلال حل مشكلات معينة ويساعد هذا النوع من التعلم في تنمية التفكير والتحليل العلمي عند المتعلم.

·        التعليم التمايزي: هذا النوع من التعليم يقوم على مراعاة الفوارق في إمكانات المتعلمين وقدراتهم ويقتضي معرفة خصائص وقدرات كل طالب على حدة وتقديم بيئة تعليمية مناسبة للجميع، مع مراعاة الإختلاف بين المتعلمين، خصوصاً وأنّ كل طالب يأتي إلى المدرسة محمّلاً بخبرات مختلفة، ومن بيئة مختلفة.

5.     التحديث في إستعمال الوسائل التعليمية والتكنولوجيا:

إذا كانت الحداثة تطال جوهر التعليم، وطرقه ومناهجه، وتشجع على إستخدام العقل، في سبر أغوار العلوم والمعارف، وإستخراج المفيد منها والنافع، فإن التحديث هو إستعمال أحدث الوسائل والأدوات، والتكنولوجيا المتطورة في عملية التعليم والتعلّم، خصوصاً وأن الأجيال الناشئة باتت تُعرف بأجيال التكنولوجيا، بفضل إتقانها لإستعمال التكنولوجيا الحديثة، إتقاناً بالغ النظير، وإستعمالها لها سواء في ألعابها، أو في تواصلها فيما بينها، على مواقع التواصل الإجتماعي، كما في مختلف أوجه إستعمالاتها الأخرى.

وقد بدأ هذا التحديث يطال اليوم مختلف مراحل التعليم، وصولاً إلى التعلّم الذاتي، بفضل هذه الوسائل المتطورة، وبفضل الحاسوب، والبرامج المتقدمة على الشبكة العنكبوتية. وقد شمل هذا التحديث كل مراحل التعليم بدءاً من الطفولة، ومرحلة التعليم في الروضات، وما يناسبها من تعليم بالألعاب المختلفة وما فيها من تنوع كثير، يتماشى مع مختلف أذواق ورغبات الأطفال. ثم تتدرج هذه البرامج لتناسب تنمية مهاراته وكفاياته المختلفة في مراحل التعليم المتقدمة، وصولاً إلى التعلّم الذاتي، والتعلم الإلكتروني، والتعلم ONLINE، وإجراء الأبحاث العلمية المشتركة، بين طرفين أو أكثر، وفي مختبرات متباعدة، وكل ذلك بفضل البرامج الرقمية المشتركة، ووصولاً أيضاً إلى إجراء المحاضرات وورش العمل عن بعد، وعقد المؤتمرات والندوات والمشاركة في المناقشات عن بعد.

ومن إيجابيات إستعمال التكنولوجيا  الحديثة التي يجب أن لا تغيب عنا هي قدرتها على مساعدة الطالب، في معالجة المعلومات وتخزين المكتسبات ونقل المعرفة، بالإضافة إلى ما تقدّمه من تنوعٍ في المعطيات، من حيث الصوت والصورة والرسومات والتصاميم والخطوط البيانية... إلخ، (كما تقول د. ماريا حبيب في بحثها بعنوان: "التعليم بين الحداثة والوقائية" المقدّم إلى مؤتمر الحداثة في التعليم، المنعقد في مجمّع العزم التربوي في 11 و12/5/2012).

كما ونلفت النظر هنا إلى أن من إيجابيات إستعمال التكنولوجيا الحديثة أيضاً، هو ما تسمح به من تعديلات في البرامج والمناهج، وبما توفره من وقت في القيام بعرض الرسومات والتصاميم، بدلاً من رسمها على اللوح، وما يستغرقه ذلك من وقت، بالإضافة إلى الجودة في العرض، وإمكانية الإضافات والتعديلات ببساطة وبما يساعد في ترسيخ ذلك أكثر فأكثر في ذهن المتعلم. وغير ذلك كثير مما يسمح بالإستفادة من هذا الوقت بما يتلاءم مع زيادة المعلومات والإيضاحات والشروحات، وإجراء حلقات التعليم التعاوني، والتمايزي أو التعليم بالتقصي وغيره. كل ذلك يستوجب مهارات وكفايات جديدة ومتقدمة عند المعلمين، يجب على الإدارة المدرسية أن تقدمها لهم وبشكل متواصل. كما يتطلب ذلك موارد مالية إضافية لشراء هذه التجهيزات الجديدة والمتسارعة جداً في تطورها، وبالتالي يتطلب تغييرها أو إستبدالها بما هو أحدث صنعاً وأكثر تميزاً.

6.       تدريب وإعداد المعلمين:

لا شك في أن المعلم يلعب دوراً أساسياً في العملية التربوية. ولكي ينهض بهذا الدور الهام، لا بد للإدارة التربوية من القيام بالتدريب والإعداد اللازمين والمستمرين، والمتناسبين مع متطلبات عصر المعرفة، بما يواكب متغيراته المتسارعة، وبما يتطابق مع فلسفة التربية والتعليم في المجتمع. لذلك كله، وجب أن يغطي هذا الإعداد الجوانب المختلفة في شخص المعلم وأدائه وبلورة صفاته، نذكر منها:

·        الإعداد الشخصي: فالمعلم هو قِبلة إهتمام طلابه، وقدوتهم، ومن منا لا يذكر المعلم الذي أحبه، وحركاته وسكناته، وأدبه وهندامه!. لذلك كان لا بد لهذا المعلم أن يكون نِعم القدوة، عارفاً بأمور دينه، محافظاً على القيم السامية والأدب الرفيع، ذو خلق حسن، محباً لطلابه، ويسعى لأن يبادلوه بهذا الحب، متزناً في علاقاته بهم، بدون تمييز أو إنفعال، قوي الشخصية معهم بدون عنف، ومتواضعاً في نفس الوقت من غير ضعف، ذكياً شديد الملاحظة، فصيحاً جيّد النطق، إجتماعياً لا يعتزل الناس، بل يقبل عليهم بقلب منفتح وبشاشة ظاهرة، صحيح البدن، قادراً على النهوض بأعباء التدريس، يتمتع بروح القيادة وضابطاً لصفه بدون ميوعة ولا قسوة.

·        الإعداد التخصصي: يجب أن يكون المعلم متمكناً من مادته، التي سيعلمها لطلابه، مدركاً للعلاقة بين مكوناتها المختلفة من ناحية، ولعلاقاتها بباقي العلوم والمعارف من ناحية أخرى، عالماً بالمهارات التي تساعد المتعلم على حل المشكلات التي تندرج في هذا العلم، كما في العلوم القريبة منه، والتي تعترض المتعلم في حياته الآنية أو المستقبلية، قادراً على ضرب الأمثلة التطبيقية المفيدة، حين يسمح الموضوع بذلك، متفاعلاً مع أسئلتهم، مهما كانت بريئة أو معقدة، ومستقطباً لإهتمامهم بشكل متواصل، فلا يملّوا درسه، ولا يشاغبوا في حصته، بل يحرصوا على المشاركة في صفه، وفي التحضيرلمادته، وفي فهمها وحفظها والإبداع فيها.

·        الإعداد التربوي: لما كانت التربية والتعليم، رسالة الأنبياء، ومهنة العظماء والعلماء، وصناعة الأجيال والأبناء، فهي قطاع له أصوله ومبادئه ومهاراته، وله علومه الأساسية، وأخرى مساعدة، ومتمّمة لها، كعلم الإختصاص ولا تقل عنه أهمية، مثل علم النفس، الذي يساعد المعلم على التعرف على المكونات الشخصية عند المتعلم، وعلم أصول التربية الذي يساعد المعلم على الربط بين العقيدة، وفلسفة التربية وأهداف وسياسة التعليم. وكل ذلك يساهم بدرجة عالية في بناء شخصية المتعلم بما يتناسب مع طبائعه وصفاته ونفسيته.

·        الإعداد المهني: وهو يشمل تقنيات التعليم وأساليبه، وما فيه من نظريات حول التواصل مع المتعلمين، والإهتمام بمختلف الطرق والمنهجيات الحديثة في عالم التدريس، وإختيار الأفضل من بينها، وبما يتناسب مع نوعية الدروس، ومع طبيعة المتعلمين، مع مراعاة الفوارق فيما بينهم، ومع السعي الدائم للوصول إلى أفضل النتائج عند جميع الطلاب بدون إستثناء. فتكون المراعاة بمساعدة الطالب المتميز على تميزه أكثر فأكثر، والطالب الضعيف على تقويته.

·        الإعداد الثقافي والفكري: يجب أن يكون المعلم واسع الثقافة والإطلاع عموماً، ذو فكرٍ مرنٍ وسلس، منفتحٍ على الآخرين، بدون قيود، متمتعاً بملكة الحوار معتدلاً، متسامحاً، ومدافعاً عن رأيه بالحجة والبرهان وبمنهجية علمية، يتمتع بحسٍ وطنيٍ وإنتماءٍ صادق وإيمانٍ بالوطن والمواطنة وحقوق الإنسان.

وبالمقابل، فإنه لا يستطيع ناقدٌ أو محللٌ أن ينكر أو أن يقلل من دور المعلم في بناء المجتمع من خلال بناء الأجيال الناشئة، وتكوين شخصيتها، وأثر ذلك في بناء مستقبل الوطن والأمة. لذلك كان واجباً وطنياً أن يحظى هذا المعلم بالإحترام والتقدير، والإهتمام الكبير والتدريب المستمر، والعناية التي يستحقها في المجتمع على إختلاف تشعباتها لكي يقوم بدوره خير قيام.

 

 

7.     التوجيه المهني:

والحداثة في التعليم تقضي بأن يعمل المعلم على إستنباط نقاط القوة والتميز عند المتعلم، وذلك من خلال متابعة تحصيله وإبداعاته في الحصص التعليمية وإهتماماته في النشاطات اللاصفية. وهذا ما يساعد الطالب على التعرف بذاته وإكتشاف مواهبه، ويساعد على توجيهه في إختيار الإختصاص المناسب. ومن المفيد أن يشترك في عملية التوجيه المهني هذه، الأهلُ والمدرسة والجامعة كما المجتمع المدني على حدّ ٍ سواء.

ويعتبر دور الأهل محورياً لأنه يرافق الطالب في جميع مراحل العمر. ففي مرحلة الطفولة ومع بداية التعرف على العالم الخارجي، يعطي الأهلُ الولدَ عدة أنواع من الألعاب وتجري ملاحظة التوجه العام نحو الألعاب التي تسترعي إنتباهه مرة بعد مرة.

وفي المدرسة يجري التأكد من هذه الهوايات عند المتعلم، في المراحل الأولى من الدراسة ويتم تشجيعه عليها، وخصوصاً في النشاطات اللاصفية، مع ربطها ببعض المواد العلمية التي يبدأ بتعلمها، حتى إذا أصبح في الصفوف المتقدمة، يمكنه أن يدخل في النوادي التي تعنى بهوايات التلاميذ، ليصار إلى تنمية هذه الهوايات بما يناسب عمره ومستواه التعليمي.

كما يجب على المدرسة في الفترة التالية، التركيز على المواد العلمية التي تخدم الهواية المذكورة عند التلاميذ، مع ربطها بالإختبارات اللازمة وبالنشاط اللاصفي. حتى إذا أصبح في مرحلة متقدمة في المدرسة، وجب القيام بمساعدته في الإختيار نحو التوجه المهني الذي يناسب ميوله ورغباته، بعد إستعراض الإختصاصات التي تنضوي في هذا التوجه العلمي للإلتحاق بها. في هذه المرحلة يتم تكوين ملف التلميذ الأساسي الذي يظهر خارطة الطريق نحو القدرات المهنية، والكفايات العلمية عنده.

وفي نهاية المرحلة المدرسية يتم الإختيار الصائب للإختصاص الذي يتناسب مع الميول والرغبات، ومع الكفاءة العلمية التي تم إعدادها بشكل جيد، وليكون هذا الإختصاص مناسباً لحاجات سوق العمل، ذلك أنه في كل توجه عام يوجد مجموعة إختصاصات تتقارب فيما بينها، وبذلك يتم إختيار الأنسب من بينها على أساس الحاجة إليه في سوق العمل.

إن هذا التوجه المهني يفسح المجال بربط مخرجات التعليم مع حاجات المجتمع ويساهم في تغيير البنية المجتمعية بسرعة ملحوظة، كما يؤمّن توجيه الأفراد لتطوير قدراتهم المهنية والتعلّمية الذاتية في المراحل الأولى من أعمارهم ويساعد على إكتشاف الطاقات المميزة والمبدعة عندهم بشكل متواصل، وعلى تزويدها بالمهارات المطلوبة، وروح المبادرة، مما يؤثر إيجاباً في دفع عجلة التنمية المستدامة في المجتمع. فتتكامل مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع، ويتم وضع الإنسان المناسب في طاقاته وعلومه ورغباته وحاجاته الشخصية، في المكان المناسب في المجتمع. فيتطور هذا المجتمع وتزداد إنتاجياته ويتحسن الأداء فيه.

 

8.     العلاقة بين التعليم وحاجات المجتمع:

لا شك في أن العلاقة بين التعليم وسوق العمل، علاقة تبادلية في غاية الأهمية، ذلك أن مخرجات التعليم وتحديداً التعليم الجامعي والتعليم التقني في كل مراحله هي مدخلات سوق العمل وبالتالي فهي العامل الأقوى تأثيراً في المسار التنموي للمجتمع. ومن الضروري أن تكون هذه العلاقة تبادلية تكاملية ديناميكية  يحتل التعليم فيها موقع القيادة المسؤولة.

ذلك أن مؤسسات التعليم، وتحديداً التعليم الجامعي منها، تضم بين جدرانها مختلف الإختصاصات الحديثة، مما يساعد الجامعة لأن تنهض بدور توجيهي وقيادي وتخطيطيّ، مكمّل لدورها الأكاديمي، أي أن تشارك مع السلطات المعنية في الدولة بوضع الخطط التنموية للمجتمع، مستفيدة من الكوادر الأكاديمية الرفيعة، وما تحمله من علومٍ حديثة ومعارف واسعة.

أضف إلى ذلك أن الشراكة الفعلية بين التعليم الجامعي وفعاليات سوق العمل تسمح للقيمين على التعليم الجامعي بمعرفة حاجات المجتمع، وتساعدهم على تطوير الكفاءات اللازمة لتحقيق التنمية الإجتماعية والإقتصادية في المجتمع. كما أن العلاقة بين ما يجب أن يتعلمه الطالب، وبين حاجات المجتمع إلى هذا العلم في سوق العمل، يجب أن تكون علاقة وطيدة، إذ لا فائدة من علمٍ لا ينفع.

ومع الأخذ بعين الإعتبار، أن متغيرات المجتمع ومشاريعه التنموية تخضع لعوامل داخلية وخارجية، فإنه ينبغي على الجامعات دراسة هذه المتغيرات لتعديل المناهج والبرامج التعليمية بما يتناسب معها، كما يجب على الجامعات دوماً دراسة حاجة المجتمع إلى الإختصاصات الجديدة لمواكبة العصر، والتقدم الذي تحققه العلوم والمعارف. ومن أخبر، وأحرص من الجامعات في معرفة الإختصاصات الجديدة التي تظهر على الصعيد العالمي، ودور هذه الإختصاصات في متطلبات التنمية الإجتماعية والإقتصادية، ومتطلبات التنمية المستدامة؟!.

لذلك وجب القول بأن دور الجامعة لا يقتصر أبداً على التعليم العالي، والأبحاث الأكاديمية، وحسب، بل يجب أن تشارك الجامعة في عملية التخطيط التنموي للمجتمع، وصياغة الإستراتيجيات، والبرامج المستقبلية لمختلف القطاعات في الوطن.

وبالمقابل، فإن مشاركة بعض الأخصائيين من عالم الأعمال، في أعمال التدريس والتدريب، تُغني العملية التعليمية بالخبرة التطبيقية المطلوبة.  هذا التكامل المنشود لا يتحقق إلا إذا عمل الجميع لأجله:

·        الدولة ممثلة بجميع وزاراتها وخصوصاً وزارتي التعليم العالي، والتخطيط.

·        المجتمع المدني: بجميع قطاعاته ومؤسساته الخاصة والعامة.

·        الإدارة الجامعية الحاضنة للأخصائيين في مختلف المجالات العلمية.

ويكون ذلك من خلال مجلس تنسيقي يتولى عمل الإحصاءات في القطاعات المختلفة (نقابات، مهن حرة، أرباب عمل...)، وتحديد الحاجات من الموارد البشرية بناء على المشاريع المستقبلية، وتقديم الدراسات اللازمة للربط بين التعليم الجامعي وسوق العمل.

ومع إدراكنا لصعوبة حصر المتغيرات في المجتمع، والعوامل العديدة المؤثرة فيها من داخلية وخارجية، خصوصاً وأن حاجات المجتمع اليوم لا يمكن الحصول عليها من الجامعة إلا بعد 3 أو 5 سنوات حسب مدة الإختصاص، فإن "ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه" كما يقول أهل الحكمة.

 

9.     الإستثمار في التعليم:

تكمن فرادة الإستثمارفي التعليم في أنه إستثمار في العنصر البشري الذي يعتبر في دوره الأساس في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية. بينما جميع أنواع الإستثمار الأخرى هي في واقع الحال إستثمار مباشر في منتجٍ أو خدمة. ولا تقوم هذه الأنواع الأخرى، إلا بقيام الأول. ذلك لأن الإهتمام بتكوين القدرات البشرية عن طريق التعليم (والتدريب الذي هو نوع من التعليم التطبيقي) يهدف دائماً إلى إكتساب المهارات والقدرات اللازمة للمشاركة في العملية التنموية، والتي بدورها تنعكس إيجاباً في النمو الإقتصادي.

وإذا كانت جميع أنواع الإستثمار هي عبارة عن توظيف لرأس المال في منتج أو خدمة تعود بالنفع المباشر على الإنسان، فإن الإستثمار في التعليم هو إستثمار في صناعة رأس المال البشري، أي في صناعة هذا الإنسان في ذاته وشخصه ودوره وكينونته. ولا شك في أن هذا النوع من الإستثمار هو الأهم والأجدى والأفعل في بناء المستقبل وبناء الحضارة. والإستثمار في التعليم يشكل المحور الأول والأهم لكافة خطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية. كما يشكل الركيزة الأساس في مرتكزات الرؤية المستقبلية للمجتمع. ولا يمكن لهذا الإستثمار أن ينجح إلا إذا توفرت له الإستمرارية اللازمة في ظل إستقرار إقتصادي وإجتماعي وسياسي وأمني. ولا شك في أنه يساهم بدوره في نشر هذا الإستقرار إذا أحسن تطبيقه. فالعلاقة بين التعليم وباقي قطاعات المجتمع هي علاقة تبادلية، تعود بالنفع المباشر على الفرد والمجتمع.

من هنا وجب التأكيد أيضاً على أهمية التكامل بين الخطة التعليمية وأهدافها، وبين الخطط التنموية في المجتمع، هذا التكامل الذي عبرنا عنه سابقاً بأهمية الترابط بين التعليم وسوق العمل.

كل ذلك يشكل دلالة واضحة أن الإنفاق على التعليم يجب أن يكون همّ المجتمع بكامله، وبتوجيه مباشر وتشجيع أكيد من الدولة وأركانها، وبمشاركة فعالة من المجتمع المدني والقطاع الخاص المؤمن بأهمية التعليم ومردوده على المجتمع على المدى الطويل. وهذا ما أشرنا إليه سابقاً في دور الأوقاف على التعليم التي ساهمت بشكل أساسي في نهضة التعليم في عصر الحضارة. ولا يشكل هذا النوع من الإستثمار، بالنسبة للقطاع الخاص، إستثماراً مالياً، ذا مردود أو ربح مباشر، بل هو إستثمار في مستقبل الإنسان، ومستقبل المجتمع وإزدهاره. ويرى بعض الباحثين، بأن كل درهم ينفق على التعليم، إذا أحسنت إدارته، يعود بسبعة أضعافه في بناء المجتمع ومستقبله.

تجدر الإشارة إلى أن إعتماد الوقف في الإنفاق على التعليم من قبل المسلمين الأوائل دون غيره، كالإنفاق الخيري، أو الموسمي، أو التبرع بفائض المال مثلاً، هو أضمن للإستمرارية في الإنفاق، وهذا المبدأ هو ما تسير عليه اليوم كبريات المؤسسات التعليمية في الغرب.

 

10.  الجودة في التعليم:

(هذا الجزء مقتبس من بحث للدكتور أحمد الفراجي بعنوان جودة التعليم – ضمان التنمية المستدامة مقدّم إلى مؤتمر تونس التربوي الدولي في العام 2009). www.geotunis.org

لا شك في أن عصر المعرفة يجب أن يتميز بالجودة الشاملة في شتى قطاعات المجتمع، وأهمها، قطاع التعليم. والجودة في التعليم هي "جملة المعايير والخصائص التي ينبغي أن تتوفر في جميع عناصر العملية التعليمية، سواء منها ما يتعلق بالمدخلات، أو العمليات، أو المخرجات، وتتحقق تلك المعايير من خلال الإستخدام الفعال لجميع العناصر المادية والبشرية".

كما ينبغي أن تتوفر معايير الجودة في العملية التعليمية على مختلف المستويات: الشخصية عند المعلم، والمؤسساتية عند الإدارة المدرسية، والوطنية أي في سياسة التعليم الوطنية.

على الصعيد الشخصي، يجب على المعلم أن يكون مؤمناً بعقيدته الدينية، داعياً إلى قيمها السامية، متمكناً من التعامل الواعي والناقد للقيم المعاصرة والوافدة، عاملاً على تجديد وتطوير كفاياته الشخصية بإستمرار، متقناً ومتيقناً من الدور الإيجابي للحاسوب والشبكة العنكبوتية في إكتساب المعرفة، متمكناً من التعلم الذاتي، والإستزادة من العلم بإستمرار، ومشجعاص للإتجاهات التي تدعم التسامح والإختلاف البنّاء مع الإنفتاح على الآخر.

أما على صعيد المؤسسة، فيجب على الإدارة المدرسية أن تجريَ التقييم والتقويم للعملية التربوية والتعليمية، وفق منهجية متجددة بإستمرار. وهي مسؤولة عن وضع برامج إعداد وتدريب المعلمين وفق الخطط التربوية المستحدثة والهادفة إلى الإبداع وتوليد الأفكار والمشاريع الجديدة عند المتعلمين، والإدارة أيضاً مسؤولة عن إعداد المتعلمين للعمل وفق الإقتصاديات التنافسية القائمة على المعرفة.

أما على الصعيد الوطني، فتنطلق معايير الجودة الشاملة، من توفير فرص التعليم النوعي لجميع المواطنين بدون إستثناء أو تمييز. ذلك أن التعليم النوعي الجيد، يشكل ضمانة أكيدة للتنمية المستدامة. كما يجب على سياسة التعليم الوطنية أن تعمل على توسيع قاعدة المشاركة في التوجيه المهني للمتعلمين، من خلال تعزيز وتشجيع مساهمة المجتمع ومؤسساته الإنتاجية والخدماتية وغيرها في صياغة السياسات التعليمية، ومن خلال إقامة شبكة تواصل دائمة تعمل على إعتماد الجودة الشاملة، وعلى المشاركة في تطوير الإدارة التربوية والتعليمية. كما تساهم هذه الشبكة في تأمين التمويل اللازم والمستمر للعملية التعليمية، ومستلزمات حداثتها وتحديثها.

وتتحقق مبادئ الجودة في التعليم عندما يحقق التعليم أهدافه السامية، بنجاحٍ وتفوق وإمتياز، وهي:

·        غرس الإيمان والقيم الروحية والأخلاقية في نفس المتعلم

·        بناء الذات الإنسانية، المتعلمة والمثقفة، المفكرة والمنتجة والمبدعة

·        الإيمان بالوطن والمواطنة، والديمقراطية السليمة وحقوق الإنسان

·        التهيئة والإستعداد بكفاءه لتلبية حاجات سوق العمل، وتنفيذ المشاريع المجتمعية

·        التعامل الذكي مع مجتمع المعرفة، ومتطلباته، ومع التكنولوجيا ومحدثاتها

·        زرع وتأهيل الإستدامة في التعليم مدى الحياة

·        القدرة على المشاركة في تحقيق التنمية المستدامة وبناء الحضارة الإنسانية

·        الإنفتاح والحوار مع الآخر، والإيمان بحق الإختلاف في العقيدة والفكر والثقافة وغيرها

وتختلف معايير الجودة في التعليم من مؤسسة إلى أخرى، ومن بلدٍ إلى آخر، وهي عموماً تشمل:

·        صياغة الرؤية والرسالة والأهداف، مع مشاركة الجميع في ذلك، ومراجعتها، والعمل على تحديثها بشكل دوري، والعمل كذلك على تطبيقها بفاعلية ونجاح.

·        وضع ضوابط ومعايير خاصة بأخلاقيات مهنة التعليم وبالكفاءة التعليمية للجهاز التعليمي داخل الصف، وبالنشاطات اللاصفية.

·        كيفية متابعة مشاريع التخطيط والتطوير التربوي، بما فيها البرامج والمناهج والطرق التربوية، مع إقتراح أساليب تحسينها وتجديدها، وتطبيقها في العملية التربوي.

·        متابعة النتائج المحققة في الإمتحانات والإختبارات خلال عملية التطوير، وتحديد المشاكل المنبعثة عنها، والعمل على إيجاد الحلول لها.

 

·        تنمية العلاقة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي وتوفير الخدمات المتبادلة بما يساهم في دفع عجلة التنمية المستدامة في الوطن.