حافة الهاوية 16 May 2013

عندما تنفخ الأنانية في الصدور، يهرب المنطق، ويتعطّل العقل، وتذِلُّ الحقيقة، ويتحوّل أصحابها إلى متطرّفين، لا يدرون ولا يدركون ما يفعلون، وإلى ماذا ستؤدّي أنانيّتهم وتطرّفهم. يحرّكون الغرائز المذهبيّة والطائفيّة، والحزبيّة الضيقة، يتقاذفون الإتهامات والأباطيل، كالذي يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه.

جُلّ رجال السياسة في لبنان يعتبر أنّ مصلحة الوطن العليا، هي فقط في ما يقول وينادي به، وأن غيره مرتبط بمخططات خارجية. ومصلحة الوطن العليا منهم براء، فأنانيّتهم أعمت أبصارهم، وتطرّفهم أخرجهم عن جادة الصواب.

جلّهم يعتبر أن الأمن الوطني، والإستقرار الإقتصادي هما في ما يدعو إليه، وحده دون غيره، وينسى أنّ الأمن والإستقرار، لا يكونا إلا إذا تكاتف الجميع، وعملوا لهما معاً بقلبٍ صادق، وهمّة عالية. فالأمن أمن الوطن في كافة أرجائه ولكافة أبنائه، والإستقرار يطال الجميع بدون إستثناء.

تجاذبوا ويتجاذبون أطراف مشاريع قانون الإنتخاب، كلٌّ من مصلحته الإنتخابيّة دون غيرها، ويتناسو̊ن أن المواطن العاقل هو عدوّ ما يجهل، فكيف وأنه بات يعلم، تمام العلم، أن مصلحة كلّ طرفٍ من الأطراف فيما يطرحه وينادي به، لمصلحته الذاتية، لا لمصلحة الوطن العليا.

في الماضي، إنقسموا بين مؤيّدٍ ومعارضٍ لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، وأيضاً كل من زاويته ومصلحته السياسية ربما قبل الإقتصادية، ويديرون ظهورهم لمفاعيلها على الإقتصاد  الوطني وعلى المواطن اللبناني عاجلاً أو آجلاً، إن أُقرّت كما هي، أو إن رُفضت جملةً وتفصيلاً.

الجميع ينادي بالأمن والأمان من ناحية، ويشحنُ النفوس، ويوغر الصدور، ويؤجّج الغرائز ضد الآخر، وهو يحسب أنه يحشد جماهيره، ويستنهض شارعه، وينسى أو يتناسى، إلى أنّ ذلك قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه أمنياً، خصوصاً وأنّ بعضهم قد تلوّثت أيديهم بدماء الحرب الأهلية، إلا من رحم ربي.

سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية، ورغم تأييد المجتمعي̊ن الإقليمي والدولي لها، لا تزال تتعرّض لخرقٍ ونقدٍ، وسلوكٍ مغايرٍ من الأطراف المختلفة، والكلّ يوجّه التهمة للآخر بالخرق العلني أو الخرق السري لها. ويثير الضجيج الإعلامي حولها.

الأطراف المتخاصمة أصبحت تلعب لعبة حافة الهاوية، وهذا دليل شدة التطرف الذي أصابها، فالوطن أصبح مقسوماً على ذاته، إنقساماً عامودياً في كل موضوعٍ مطروحٍ على بساط البحث. وهذا الإنقسام أصبح متجذراً في نفوس أصحابه، تجذراً لا لبس فيه، ولا غموض. وهذا الإنقسام يزداد يوماً بعد يوم. وإعادة اللحمة إليه أصبحت مهمة صعبة للغاية، إن لم نقل مستحيلة، وخصوصاً في ظلّ ظروفٍ إقليمية ودولية، معقدة جداً، وفي غاية الخطورة، وفي ظلّ مخططاتٍ دولية، لم تنضج نهائياً بعد، ولكنها تهدف إلى إعادة cialis pas cher رسم خريطة المنطقة، وتقاسم النفوذ فيها من جديد. ولا حرج عند كل طرف من الأطراف الخارجية من إستعمال الورقة اللبنانية بما يخدم مخططاته وأهدافه.

كل ذلك يشير إلى ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من الأمن والإستقرار الوطني والنمو الإقتصادي، حتى لا ينهار الهيكل على جميع من فيه، بدون إستثناء، وقبل فوات الأوان. على الأخص أن جميع من في الخارج، إقليمياً ودولياً، منهمك بما هو فيه وبما هو أكبر من لبنان، ولا يستطيع، إن صفت نيّته، سوى تقديم النصح بالحفاظ على الأمن والإستقرار.

 

الوسطيون وحدهم دون غيرهم، هم القادرون على الخروج من المأزق الوطني الكبير، وفي هذه الظروف الصعبة، لأنهم يشكلون العقل السليم الذي يرشد الأطراف في الجسد الواحد إلى العمل بإنسجام وتكامل، بل والإستفادة مما حول كل منها. فلا تخرب اليد اليسرى ما بنته اليد اليمنى، بل تتكامل معها في بناء الوطن والمواطن. اللهم إن كنا في هذا الوطن لا نزال نؤمن بأننا كالجسد الواحد، إذا إشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.