جدوى الإستثمار في التعليم 17 August 2010

بدأت رسالة التعليم مع خلق آدم عليه السلام، فالله تعالى هو الذي ﴿علم آدم الأسماء كلها﴾ كما ورد في سورة البقرة، و في سورة الرحمن : ﴿الرحمن * علّم القرآن * خلق الإنسان* علّمه البيان﴾ ، وكذلك في سورة إقرأ - وهي أوّل كلمات نزل بها الوحي السماوي على النبي محمّد عليه الصلاة والسلام - حيث يقول تعالى: ﴿إقرأ *باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * ﴾.

 

ولذلك كان جميع الرسل معلّمين، يعلّمون الناس ممّا علّمهم الله من الكتاب والحكمة والوحي والأخلاق الحميدة والتشريع الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الناس.

 

كلّ ذلك لأنّ الله تعالى عندما خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض، أراد لهذا الإنسان أن يعمر هذه الأرض، حضارة وتنمية، وهو لا يرضى لهذا الخليفة إلا أن يكون عالماً بما يعمل، عاملاً بما يعلم.

 

ولذلك يجمع الناس على أنّ التعليم رسالة، قام بها بدءًا رسل الله أجمعون، وخاتمهم محمّد، عليه الصلاة والسلام، الذي حضّ على طلب العلم وجعله فريضة على كلّ مسلم، ولم يجعل له عمراً ولا زمناً بل أمر به من المهد إلى اللحد.

 

ومن يتأمل مسيرة التعليم منذ ظهور الإسلام وفي زمن الحضارة الإسلامية، ما بين القرنين السابع والرابع عشر الميلادي، يدرك أهميّة العلم والتعليم في بناء الحضارة وتكوينها. فقد انتقلت هذه المسيرة من الجامع - حيث كان الشيخ يجلس إلى طلاّبه ومريديه في حلقات العلم يعلّمهم القرآن والحديث وشؤون حياتهم - ،إلى الكتّاب، قرب المسجد، حيث كان المعلّم يجلس إلى طلاّبه يعلّمهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وبعضاً من علوم الحساب والفلك وغيرها.

 

ثمّ تطوّر ذلك في العصرين الأموي والعبّاسي، بتشجيع مباشر من الحكّام والسلاطين وبإنفاق سخيّ على العلماء، عموماً، وعلى عمليّة التعليم، خصوصاً، وصل إلى درجة أنّ الخليفة يعطي وزن الكتاب المترجَم ذهباً، ويقيم في بلاطه حلقات العلوم على أنواعها، كما أقيمت المكتبات ودور الحكمة.

 

وفي هذه الفترة بالذات، بدأت مؤسّسات التعليم في عدد كبير من المدن العربية، وأوّلها وأهمّها  في العام 457 الهجري كانت "المدارس النظامية"، التي أسّسها الوزير نظام الملك، في عهد لب أرسلان السلجوقي في بغداد ودمشق وحلب و بعلبك، كما في مختلف المدن المصرية وبيت المقدس وغيرها. وكانت غايةً في الجلال والعظمة، كما كانت كثيرة العدد، حفلت بواحدة منها كلّ مدينة، بل كلّ قرية. (كما يقول د.أحمد الشلبي في كتابه تاريخ التربية الإسلامية).

 

و وضعت البرامج والمناهج التربوية والتعليمية، وتقسمت إلى مراحل...

 

وأوقف نظام الملك الأوقاف على المدارس، أسوقاً و ضياعاً وأراضيَ، وكان الريع كافياً لكلّ ما يحتاج إليه المعلّمون والطلبة من مؤونة وطعام وملابس،  وغير ذلك من ضرورات العيش في ذلك الزمان.

 

وكانت هذه الأوقاف السخيّة تشكّل المورد الأساس الذي ينفق منه على التعليم، يضاف إليها ما كانت تدفعه الخزانة العامّة للدولة لجماعات من أهل العلم والورّاقين والمجلّدين وغيرهم من العاملين في حقل العلم والتعليم.

 

كلّ ذلك كان يشكّل دلالة واضحة على أنّ الإنفاق على التعليم كان همّ المجتمع بكامله، وبتوجيه مباشر وتشجيع أكيد من الدولة وأركانها. فانطلقت مسيرة التعليم، في توطيد دعائم الحضارة والعمران، وانتشرت العلوم  والمعارف الإسلامية تجوب أرجاء العالم، وأقبل طلبة العلم من كلّ صوب وحدب ينهلون من هذه العلوم.

 

ذلك هو الماضي المشرق الذي رفلت به بلاد العرب والمسلمين في القرون الوسطى، أمّا الحاضر فقد تراجع فيه الإنفاق العامّ على التعليم تراجعاً كبيراً جدّاً  بالمقارنة مع غيرنا من الشعوب الأخرى، فعلى سبيل المثال بلغَ الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل 3,8 مليار دولار في العام 2002 ويزيد هذا الرقم على ضعف ما انفقته الدول العربية في مجموعها.

 

وعلى صعيد آخر، تشير الأرقام إلى أنه في العام 1981 كان ناتج البحث العلمي في الصين يعادل نصف ناتج العالم العربي، وبحلول عام 1987 تساوت الصين مع العرب، أمّا الآن فهي تنتج ضعف ما ينتجه العرب. وكانت كورية الجنوبية تنتج 10% من الناتج العربي عام 1981، فأصبحت في عام 1995 تنتج المقدار نفسه تقريباً.

 

كلّ ذلك يدل، بما لا يدع مجالاً للشك، إنّ تراجع الإنفاقِ والاستثمار في التعليم هو السبب المباشر في التخلّف العلمي والحضاري للعرب عموماً.

 

ويبقى السؤال أهذا الاستثمار هو مسؤوليّة القطاع العامّ  والدولة، أم هو مسؤولية القطاع الخاصّ؟

 

يعتبر إنفاق الدولة على المؤسّسات التعليميّة، هو أهمَّ إنفاق. فالتعليم هو الاستثمار الأفضل والأجدى والأهمّ في بناء الدولة، وهو الأساس لتأمين التنمية المستدامة فيها. ذلك، أنّ التعليم هو الذي يضمن بناء الأجيال المتعاقبة، وهو مرآة المجتمع في مستقبله القريب، وإذا ما أدرك المسؤولون القائمون على شؤون الدولة هذه الحقيقة، وجب عليهم تقديم مختلف صنوف الدعم وأنواعه، والاهتمام والمساعدة في عملية التعليم، حرصًا على  مستقبل الوطن وتقدُّمه وازدهاره.

 

وبلغة الأرقام، فقد ذكر مارسيل لوشيه، الرئيس الفخريّ للجامعة الكاثوليكيّة في لوفان، أمام مؤتمر القمّة العالميّ للابتكار في التعليم، الذي عقد في الدوحة في 17-19تشرين الثاني/2009، أن مسحًا شمل 33 جامعة أوروبيّة، من بين أفضل 100 جامعة في العالم، وفق تصنيف شنغهاي، أظهر أنّ هذه الجامعات تعتمد على المال العامّ بنسبة 58%، مقابل 11% على أقساط الطلّاب، و 19% تحصل عليها الجامعات في شكل منح، والباقي ترصده من مصادر مختلفة.

 

أمّا على صعيد القطاع الخاصّ فإنّ مقاييس جدوى الاستثمار تختلف عموماً. ذلك أنّ الاستثمار المباشر في التعليم، مع الحفاظ على مستويات الجودة المطلوبة والتميّز فيها، يبدو، لأوّل وهلة، بعيداً كل البعد من الجدوى الاقتصادية التي يعتمدها القطاع الخاص في استثماراته الأخرى، ذلك أنّ العائد المادّي المباشر، في أحسن حالاته، قد لا يتعدّى 1% على رأس المال، و2 ÷5 % على حجم الأعمال السنوي، وتشكّل هذه النسبة رقماً متدنّياً جدّاً في عالم الاستثمار في القطاع الخاصّ.

 

ولذلك، فإنّ الأقساط التي يدفعها الطلاّب في المؤسّسات التعليمّية الخاصّة، غالباً ما تكون غير كافية إطلاقاً لتأمين جودة التعليم المدرسي أو الجامعي، التي تستوجب تمويلاً كبيراً، وبالتالي أقساطاً مرتفعة، ممّا يجعل التعليم الجيّد مقصوراً على الطبقات الميسورة، فتنعدم المساواة والعدالة الاجتماعية.

 

 وقد حقّقت أوروبة تقدّمًا ملحوظًا، في هذا المجال، عندما جعلت الأقساط في المدارس والجامعات التابعة للدولة أقساطًا رمزية. وهي أقرب أن تسمّى رسومَ تسجيل، وهي غالبًا ما تكون في متناول جميع الطبقات والمواطنين. كما انتشرَ، في كثيرٍ من دول العالم، مبدأ القروض الجامعيّة الميسّرة بلا فوائد، أو بفوائد مخفّضة، يقوم الطالب المستفيد بتسديدها بعد أن ينتهي من دراسته الجامعيّة. وقد ساهمت هذه القروض بتغطية نفقات التعليم، في الجامعات الخاصّة، عند الطبقات الفقيرة.

 

أمّا الباب الثالث للإنفاق على التعليم فهو المنح والهبات:وقد أدرك المسلمون الأوائل أهمّية الانفاق، على طلاّب العلم وعلى دور العلم، إنفاقًا سخيًّا لا مثيل له. وكانت الأوقاف الشرعيّة، في مختلف المجالات، رافدًا عظيمًا لاستمرار حركة العلم والتعليم، منذ عهد صحابة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم. والوقف، كما عرّفه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، هو «حبس الأصل وتسبيل الثمرة» أي حبس الأصل عن البيع والتمليك، وجعل منافعه وريعه مخصّصة لجهة معيّنة من جهات الخير، مثل التعليم. وهذا ما يضمن استمراريّة الإنفاق بشكل سليم.

  

وفي العصر الأمويّ، لم يعد الوقف مقصورًا على الإنفاق على الفقراء والمساكين فحسب، بل تعدّى ذلك إلى تخصيص بناء دور العلم، والإنفاق على طلّاب العلم من هذه الأموال الوقفيّة، وقد أنشأ هشام بن عبد الملك ديوانًا خاصًّا، لتنظيم الأوقاف والعناية بها والإشراف عليها. وفي العصر العبّاسيّ توسّع نظام الوقف في مجالات طلب العلم، ليشمل تأسيس المكتبات العامّة والإنفاق عليها، إضافة إلى إنشاء المصحّات وعلاج المرضى بالمجان. وكذلك إنشاء دور السكن للفقراء والمساكين. وكثرت الأوقاف في الدولة الأيوبيّة في مصر، فأمر نور الدين زنكي (568هـ) بإنشاء المدارس والخانقاهات، وأكثرَ منها في كلّ بلد، وأقام بدمشق دارًا للحديث في الإسلام ووقف عليها، وعلى من فيها من المشتغلين، الوقوفَ الكثيرة، وبنى أيضًا في كثير من بلاده مكاتب للأيتام...

 

ومع إطلالة القرن العشرين الميلادي، بدأ أفول كثير من الأوقاف الإسلاميّة في العالم العربي والإسلاميّ، ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى ضعف القوى السياسية، وتلاعب النظّار بالأوقاف، واستبداد بعض الحكومات بأوقاف المسلمين، وغلبة الدولة المستعمِرة على القسم الأكبر من العالم الإسلاميّ، والتأميم والمصادرة التي حصلت في بعض الدول.

 

في المقابل، فقد اقتبس الغرب مبدأ الوقف عند المسلمين، فاعتمده في العديد من المؤسّسات الخاصّة والعامّة، وأهمّها المؤسّسات التعليميّة.

 

فقد بلغت أوقاف جامعة هارفرد في أمريكة، ما قيمته 25.9 مليار دولار أمريكي، في نهاية العام 2005، حسب ما أوردته الجامعة في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، موزعة على 10.800 صندوق استثماري مستقلّ. وقد تمّ تأسيس هذه الصناديق عبر السنين، لتغطية النفقات العلميّة المتنوعة، مثل تغطية بعض الأقساط الجامعيّة للطلاب المعوزين والمتفوّقين، ومساندة الأبحاث العلميّة، وتطوير المتاحف والمكتبات، وتجديد مناهج التعليم، ورفع الكفاءات، وتدريب الأساتذة والطلّاب، وغير ذلك من النشاطات العلميّة المختلفة. وتشرف على هذه الصناديق «شركة هارفرد للإدارة» التابعة للجامعة. وتهدف عمليّات استثمار الموجودات الوقفيّة إلى «ضمان استقرار الجامعة واستمرارها في الصفّ الأول بين المؤسّسات التربويّة والتعليميّة» كما يذكر الموقع.

 

وفي العام 2008 زادت أوقاف ال 20 مؤسسة جامعية الأكبر في العالم عن 200 مليار دولار، موزعة بين أميركة وأوروبة، وهذا بالتأكيد ما ساعد على إحراز التقدم العلمي في الغرب بشكل ملحوظ.

 

 

خلاصة القول، إنّ الاستثمار في التعليم، هو الاستثمار الناجح الأكيد في الموارد البشرية، الضروريّ لبناء مستقبل المجتمع وتقدّمه وحضارته وازدهاره، وهو مسؤوليّة الجميع في الدولة، حكّاماً ومتموّلين، وعلماء وأختصاصيين، ومجتمعاً مدنياً بكلّ أطرافه وأطيافه.