"ثورة" التربية والتعليم 12 September 2013

مع إنتهاء العطلة الصيفية، وبداية عام دراسي جديد، يعود الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم لتبدأ معهم رحلة التعليم مسيرتها المتجددة كل عام، هذه المسيرة التي تحمل في طياتها وبين جنباتها بناء الإنسان، وبناء الوطن، ومستقبل الأجيال.

قد يرى البعض في التعليم مهنة يعتاش منها هو ومن يعول، تدرّ عليه راتباً آخرَ الشهر، ليصرف منه على نفسه وعلى عائلته. وقد يرى البعض الآخر فيه صناعة الأجيال، كإبن خلدون مثلاً، ذلك أن المتعلم بين يدي معلمه "كالعجينة يقلّبها كيف يشاء"، كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله. وقد يرى آخرون في التعليم رسالة قام بها الأنبياء والرسل في مطلع التاريخ، فنشروا دين الله تعالى، وكما يقول خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام "إنما بعثت معلماً".

أما عملية التعليم، فيرى البعض فيها عملية تلقين للمتعلم ترتكز على نقل المعلومات من ذهن المعلم، أو من الكتاب والمراجع العلمية المختلفة إلى عقل المتعلم، لتزداد علومه ومعارفه، وينمو عقله، وليقدم إمتحاناته خلال العام الدراسي أو في نهايته، وليحقق نجاحاً ملحوظاً فيها. وقد يرى البعض الآخر في التعليم عملية ترتكز على الشرح والتفسير والتحليل والاستنتاج وصولاً إلى الإبداع. وقد يرى آخرون فيها تفاعلاً مستمراً بين المعلم والمتعلم، كما بين المتعلمين أنفسهم، وأن هذا التفاعل يفتح أبواب المعرفة على مصراعيها، ليغرف منها المتعلم ما لذّ له وطاب، وما يلزمه في أبحاثه وأعماله، وإبداعاته وإكتشافاته.

لقد كان المعلم، في عصر الحضارة الإسلامية، هو المصدر الوحيد للمعلومات بالنسبة لطلابه وكانت تغلب عليه صفة "المربّي"، الذي يعتبر التعليم جزءاً من عملية تربوية متكاملة، إيمانية وقيمية وعلمية. فزرعُ العقيدة الإيمانية، وترسيخُ القيم الأخلاقية لا يقلاّن أهميةً عن نقل العلوم والمعارف الطبيعية والهندسية وغيرها. ولذلك قالوا: "لولا المربي ما عرفتُ ربي". فكان ترادف المفردتين "التربية والتعليم" ترادفاً متلازماً، وهما يعبّران عن عملية واحدة، تسير في إتجاه واحد، وتهدف إلى بناء الإنسان، وبناء الحضارة الإنسانية وعمارة الأرض، كما تهدفُ إلى الإيمان بالله تعالى، والعمل بأوامره والإنتهاء عن نواهيه. من أجل ذلك، كان المعلم يتقدم على سائر الرتب والمناصب، ويحتلُّ مكانةً مرموقةً في المجتمع تعلو على باقي من http://www.viagrabelgiquefr.com/ حولها. والأمثلةُ على ذلك في ماضينا المُشرِقِ لا تعدُّ ولا تُح̊صى. وحتى لا نذهب بعيداً في التاريخ، أسوقُ هنا ما قالَهُ إمبراطور اليابان في العصر الحديث، عندما سُئِل عن أسبابِ النهضة العلمية في بلاده، والتي حققت̊ نجاحاً ملحوظاً في وقت قصيرٍ جداً، فأجاب: "بدأنا من حيث إنتهى الآخرون، وتعلَّمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلمَ منزلةَ الإمبراطور، وحصانة الديبلوماسي، وراتبَ الوزير". فهل ينطبقُ هذا القولُ على المعلمِ في عالمِنا العربيّ اليوم، حيث يلجأ المعلمون إلى العمل خارج ساعات الدوام، في تجارة جانبية، أو عمل مهنيٍّ آخرَ، قد لا يمت بصلة إلى رسالة العلم، وإلى تربية الأجيال حتى يتدبروا أمور معيشتهم؟

وإذا كانت معلومات المعلم، والكتب المدرسية، في الماضي، هي المصدر الأساسي للتعليم وكانت عملية تأليف المناهج، توكَلُ إلى كبار المربين من أصحابِ الخبرة التربوية، الذين يضعون المناهجَ حس̊بَ إحتياجات الطلبة الآنيّة والمستقبلية، فإنَّ مصادرَ التعليمِ اليوم قد أصبحت، متعددة الجوانب، ومتشعبة الطرق، بعد أن أصبحت أبواب المعرفة مشرّعة أمام الجميع دون إستثناء، الكبير والصغير، المتعلم والجاهل، والغني والفقير على حدّ ٍ سواء، وذلك بفضل التطور الكبير الذي حصل في الشبكة العنكبوتية، و"ثورة" الإتصالات التي عرفها القرن العشرين، والتي جعلت العالم بما فيه، قرية كونية صغيرة في متناول اليد في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل وقت وحين.

وإذا كان المعلمُ يختارُ لطلابِهِ الكتبَ والمراجعَ التي عليهم أن يقرؤوها، فقد أصبح المتعلمون قادرين على الدخول إلى المواقع الإلكترونية التي يرغبون فيها، حيث يجدون فيها شتى أنواع المعلومات والمعارف، ومنها الغثّ ومنها السمين، بلا برنامجٍ زمني أو تسلسل ٍ علمي، كما إنتشرت المواقع "التشاركية" التي يلتقي فيها المشاركون، مع من يشاؤون، ومع من يعرفون ومن لا يعرفون، يتناقشون في مواضيع علمية وغير علمية، بحثية وثقافية، سياسية وإجتماعية وغيرها. كل ذلك أوجب تغييراً جذرياً في أداء المعلم، ومنهجية التعليم، وزاد من أهمية إرتباط التربية بالتعليم.

فأسبقية التربية على التعليم ليست لفظاً وحسب. بل هي في المبنى والمعنى كذلك . وإذا كان الأولاد يختارون لأنفسهم الأصدقاء، الذين يمضون معهم أوقات الدرس واللعب، تحت أعين المدرسة والأهل، فقد أصبح جيل اليوم، قادراً على إختيار من يشاء لنفسه ممّن يعرف ومن لا يعرف، ويمضون معهم الحوارات المفيدة وغير المفيدة على حدّ سواء، وبخصوصية فائقة، بعيدة كل البعد عن أية مراقبة، أو إمكانية تدخّل أو تصحيح أو تصويب. لا شك أن هذا يستوجب تسليح الأولاد بتربية إيمانية سليمة – خالية من أي إفراطٍ أو تفريط – وقيم أخلاقية مستقيمة، حتى لا يتأثروا بمواقع العنف والإباحية، ومنتديات اللهو المفرط، والسباب والشتائم التي أخذت حيّزاً كبيراً على الشبكة العنكبوتية، وللأسف الشديد.

لا شك أن هذا التسلح بالتربية الإيمانية والقيم الأخلاقية يجب أن يسبقَ الإنفتاح على عالم المعرفة وما فيه، حتى يستطيع الناشئ تمييز الخبيث من الطيب. ويكون ذلك منذ الصغر "ومن شبَّ على شيءٍ شابَ عليه". ولنا في السَلَفِ الصالحِ خيرَ دليلٍ وبرهان. فها هو ابنُ سينا يحفظُ القرآنَ الكريم – الذي هو ينبوعُ الإيمانِ الصادقِ ومكارم الأخلاق – وهو ابن سبعَ سنين، ويؤلِّفُ أولَ كتابٍ في الطبِّ وهو ابن ثمانية عشر عاماً.

أما منهجية التعليم، فقد أصبحت اليوم تعتمد المتعلم محوراً في عملية التعليم، وعليه ينصبُّ الإهتمام الكبير، وحوله تتمحور جميع الفئات والأدوات المشاركة في عملية التعليم، التي أصبحت اليوم أكثر عمقاً وإتساعاً من ذي قبل. فقد أصبح دور المعلم موجهاً، وميسراً ومنشطاً وقائداً لعملية التعليم، أكثر منه ملقناً وناقلاً للمعلومات وشارحاً لها وهذا الدور يستلزم إعداداً تخصُّصياً عميقاً، وتربوياً سوياً، ومهنياً قويماً للمعلمين، كما يستوجب ثقافة واسعة، وأخلاقاً مستقيمة وفكراً مستنيراً عندهم.

ومنهجية التعليم الحديثة، تعتمد في جزءٍ أساسي منها على الحاسب الآلي (الكومبيوتر) والألواح التفاعلية، التي تساعد وبكفاءةٍ عاليةٍ على تطبيق التعلُّم النشط بما فيه التعلم التعاوني، والتعلم التمايزي، والتعلم بالتقصي وغيرها من أساليب ومناهج التعلم الشيّق، الذي يبعث في نفس المتعلم حب المعرفة، ويرشده إلى طريق الإستزادة في العلم وحب التعلم الذاتي، عملاً بالآية الكريمة "وقل رب زدني علماً".

 

ويبقى دور المعلم هو الدور الأساس في عملية التعليم، فالمعلم الضعيف لا يستطيع أن ينقل إلى طلابه برامج ومناهج التعليم مهما كانت حديثة ومتطورة، بعكس المعلم القوي، فهو يستطيع أن يجبر ويرمّم أية منهجية تعليم، مهما كانت ضعيفة ومتخلفة، بما يملكه من مرونة في الإعداد وقوة في الأداء.