بين العقيدة والقيم 21 July 2015

كنا في كتابنا "مسيرة التعلم عند العرب" قد تناولنا فلسفة التربية والتعليم وأشرنا إلى أنها يجب أن تنطلق وتتماشى مع عقيدة المجتمع، وأن تسعى المؤسسات التربوية والتعليمية، لزرع القيم الإنسانية المنبثقة عن عقيدة المجتمع، حتى لا يختلّ توازن المجتمع، ولكي تكون مسيرة الأجيال فيه على صراطٍ مستقيم، مستمدٍّ من الثوابت التي يؤمن بها معظم أفراد المجتمع، وتشكل نبراسه المنير. وسواءٌ كانت هذه العقيدة إيمانية مُنزلةً من ربّ العالمين، أم وضعيةً أخلاقية، إجتماعية، أو سياسيةً متفقاً عليها بين أبناء الوطن الواحد، فإن القيم الإنسانية فيها تبقى مشتركة في معظمها، كالصدق، والوفاء، والمروءة، والشجاعة، والحياء، والإخلاص، والأمانة، والصالح العام، والعمل بروح الفريق، والعدل، والمساواة في الحقوق والواجبات وغيرها.

وفي هذا المقام، أود أن أشير إلى أهمية التلازم بين العقيدة والقيم، كما هي في الإسلام، ودور العقيدة في تثبيت القيم في نفوس البشر وتزكيتها، وأثر ذلك في بناء شخصية الإنسان.

وأستعين على ذلك بتشبيه بناء شخصية الإنسان بالشجرة، جذورها تمثّل العقيدة وهي لا تُرى في ذاتها لأنها ضاربةٌ في الأرض، كالعقيدة مقرّها القلب، لأن "الإيمان هو ماوقر في القلب..."، كما ورد في الحديث النبوي الشريف. وبالتالي، فإن تكوين شخصية الإنسان، يبدأ مع نمو الروح الإيمانية وزرع العقيدة في صلب الذات الإنسانية، وهذا التكوين الروحي يسبق تكوين العقل ونماءه. ذلك أن تكوين العقل ونماءه لا يكون إلا بالعلوم والمعارف التي يتلقاها الإنسان بالتدرج في البيت أولاً ثم يكون معظمها في المدرسة والجامعة ثم في ميادين العمل والبيئة المحيطة. أما الروح الإيمانية، فهي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، "يولد أحدكم على الفطرة..." والتي تبدأ مع قيام الطفل بالعبادات والشعائر الدينية - مقلّداً ومبادراً -  من حفظٍ لبعض الآيات القرآنية، وصلاةٍ وصومٍ، وهذا ما يكون غالباً بين الخامسة والثامنة من عمر الإنسان. والتربية الإيمانية أولاً، تساهم في تقنين جوانب الشهوة والغريزة وتجعلهما في ميادين الخير. ولعل من أهم خصائص التعليم في عصر الحضارة الإسلامية، أن امتزجت التربية الدينية بالعلم، بل سبقت التربيةُ الدينيةُ والتعليمُ الدينيُ العلومَ الدنيوية، فكان الولد يحفظ القرآن الكريم أولاً، ثم السنة النبوية، ويتعلم الصلاة، ويتعلم آداب المعاشرة، وإحترام الناس،وحق الطريق، وأدب الخطاب والحوار.... قبل أن يتعلمَ علوم الحساب والفيزياء والفلك وغيرها. وبفضل ذلك كان الناس يصبحون علماء في سن الخامسة عشرة، كإبن سينا مثلاً وغيره من العلماء الذين ذاع صيتهم في الآفاق. ذلك "أن تربية الروح وصقلها يسمح بتجليات العقل وإفرازاته". كما يقول أهل الحكمة.

وأما الجذع فيرمز إلى العبادات، لأنها أول ما ينتج عن الإيمان. يقول تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" (سورة التوبة 18) ويقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" (الترغيب والترهيب 1/174). والعبادات مرئية كما جذع الشجرة. يقول تعالى: وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات – 56) والعبادات هي أول ما يؤمر به المرء بعد إسلامه. ولا أدلّ على ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب عندما ابتعثه إلى اليمن على رأس سرية، حيث يقول: "إذا نزلتَ بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، وادعهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن قالوا نعم فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا فمرهم بالزكاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك....." ومع أداء الفرائض والقيام بالعبادات، يبدأ تلقي العلم، وينمو العقل، ويشتدّ الساعد.

وأما الأغصان، فهي تمثل القيم السلوكية الإنسانية التي تتغذى من الجذور، عن طريق جذع الشجرة. فالصلاة "تنهى عن الفحشاء والمنكر"، والصوم تهذيبٌ للنفس وتعويدٌ لها على ترك المنكرات، والتمسك بأخلاق الإسلام الفاضلة، كما ورد في الحديث الشريف "إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، فإن إمرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم" (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم، ح 160/1151، 2/806) والزكاة طهرة للنفس البشرية، وتكافل في المجتمع، وقوة ونماء حقيقي له، وهي مطهّرة لصاحبها من خبث البخل وحب المال، وبإخراجها ينعم المجتمع كل المجتمع، ويتآلف أفراده جميعاً ويتكافلون ويتكاتفون، وهكذا دواليك...

وعن الأغصان، تخرج الثمار التي تمثل عمل الإنسان وسعيه في هذه الحياة، لأنها هي التي تنفع صاحبها وتنفع المجتمع كله، فالثمار هي الناتج الأساسي للشجرة، كما عمل الإنسان هو الذي يعكس دوره في المجتمع وسعيَهُ فيه.

والإعتناءالمتواصل بالشجرة، يكون، في أوقات معينة، من خلال سقايتها، وتسميدها في الأرض المجاورة للجذع، وحراثة هذه الأرض، حتى تمتص منها الجذورُ ما يلزمها من غذاء، فتقوى وتزداد فعاليتها، ويقوى الجذع ويشتد عوده.

كذلك الإنسانُ الصالح، هو بحاجةٍ إلى ما يقوّي إيمانه وعقيدته، ويزيد من عزيمته، فقد شرع الله له محطات تنقيةٍ إيمانية معروفة، كالصلاة وما تمثله من وقوف بين يدي الله "أرأيتم لو أنّ نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيئاً. قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" (صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. باب الصلوات الخمس كفارة ح(497) 1/282). ومن هذه المحطات الإيمانية يوم الجمعة من كل أسبوع، وما فيه من فضائل، وصوم رمضان والأيام التي يستحب فيها الصيام، وموسم الحج والعمرة للعمرة وغير ذلك، مما يشكل محطات زمنية، يستشعر فيها المسلم صوابية وقوة عقيدته، فيزداد إيمانه، وتنقى عباداته، وتطهر قيمه، ويستقيم سلوكه أكثر فأكثر.

ويكون الإعتناء بالشجرة من خلال رشّ أغصانها بالمبيدات لحمايتها وحفظها من ملوثات وميكروبات الجو الخارجي الموبوء، وتشذيب أغصانها بين الفينة والأخرى. وكذلك حال القيم الإنسانية، فمنها ما يجب الإعتناء به بإستمرار، وتقويته، وإعطاؤه المدى الأوسع، كالصدق مثلاً، إذ يقول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (التوبة – 119) وقد وردت آيات قرآنية، وأحاديث نبوية كثيرة تأمر بالصدق، وتنهى عن الكذب، ولم يرد أمرٌ من الله تعالى بأيّ من القيم، كما ورد في الصدق لما له من أثر كبير في صلاح المجتمع، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام، "إن الصدق يهدي إلى البِر وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة". وكذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لأن يضعني الصدق، وقلّما يضع، أَحب إليّ من أن يرفعني الكذب، وقلّما يفعل". ويقول بعض الحكماء: "الصدق منجّيك وإن خفته، والكذب مُرديك وإن أمنته".

أختم هذه المقارنة وهذا التشبيه، بالآية القرآنية الكريمة، في سورة الأعراف "والبلد الطيب يخرج نباته طيباً بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً" (سورة الأعراف 58)،  والآية الكريمة في سورة إبراهيم    "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله لكم الأمثال". (إبراهيم -24)

فالعقيدة أصل، والقيَم فرع، وهذه القيم تقوى وتضعف بقوة العقيدة وضعفها. ومع قوة وأصالة هذه القيم الإنسانية، يقوى السلوك الإنساني السوي، ويزداد نفع المجتمع وترتفع الحضارة الإنسانية وتزداد سمواً.

لا شك في أن الحضارة الإسلامية، قامت وإنتشرت في أرجاء المعمورة، وأسست لما بعدها، بفضل التلازم الوثيق، بين القيم الإسلامية السمحة التي تغذّت وتمكّنت في النفوس، بفضل التربية الدينية على أسس العقيدة الإسلامية، من ناحية، وبين العلم الذي إزدهر وتطوّر، بشكلٍ ملحوظ، ولم يسبق له مثيل، إستجابة للدعوة الربانية "وقل رب زدني علماً" (طه - 114) ولدعاء النبي الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى: "اللهم علّمنا ما ينفعنا، وإنفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً". فكان طلب العلوم على أنواعها، جزءاً من عبادة الإنسان يتقرب بها إلى ربه. وقد تكلمت بإسهاب عن هذه المرحلة في كتاب "مسيرة التعلم عند العرب".

في المجتمعات التعددية، حيث تكثر الطوائف والمذاهب وتتعدد الأحزاب والتيارات، وبالتالي تتعدد العقائد التي يؤمن بها أفراد المجتمع، يصبح الإهتمام بالقيم الإنسانية – الجامعة والمشتركة بين العقائد – https://www.cialissansordonnancefr24.com/cialis-pharmacie/ مجِرّدةً من عقيدة معينة، أكثر صعوبة، وأشدّ إلحاحاً، بالمقارنة مع ما إذا كانت التربية على القيم مرتبطة بعقيدة واحدة معينة.

نستدل على ذلك بالتجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1945 حيث خرجت اليابان من هذه الحرب منهكة تماماً، وإقتصادها مدمر تدميراً كاملاً، وقد وقّع إمبراطور اليابان على وثيقة الإستسلام بشروط مذلة. فقد قامت اليابان بإدخال مادة إلزامية، في جميع مراحل التعليم، من الحضانة إلى الجامعة، وهي Moral Education، أي التربية على القيم وهي مبنية على ثلاثة محاور، "القيم الإنسانية – الإخلاص للوطن – وحب الإمبراطور" وهي مستمدة من العقائد التي كانت سائدة قبل الحرب وإشتهرت بها الديانات البوذية والشنتوية والفلسفة الكونفوشيوسيه.

يقول الباحث المصري د. أحمد نبوي، الذي تلقى علومه الجامعية العليا في اليابان، في مقالة له بعنوان "منظومة القيم في المجتمع الياباني" ، نُشرت في جريدة الأهرام العدد 44718 تاريخ 13 أيار 2009: "يتساءل الكثيرون عن أسرار النهضة الإقتصادية والتكنولوجية اليابانية. وفي حين يعزو البعض تلك النهضة إلى العمل الدؤوب المستمر، يحاول البعض الآخر تقديم تحليل أكثر عمقاً، يأخذ في الإعتبار مكونات الثقافة اليابانية بصفة عامة، وتأثير الدين بصفة خاصة. فمن خلال تضافر الديانة البوذية وإندماجها مع بعض عناصر الفكر الكونفوشيوسي والديانة الشنتوية، تم إرساء القاعدة الصلبة التي على أساسها نشأت وتطورت المنظومة القيمية اليابانية. ولهذا فليس من المستغرب إمكانية تتبع العديد من القيم اليابانية المهمة وردها إلى أصولها الدينية" فمثلاً يركّز اليابانيون في مدارسهم على مبدأ "الجد والإجتهاد أهم من الموهبة والذكاء الفطري للطفل"، ولذا تراهم يستعملون في تعابيرهم عبارتي "سأبذل قصارى جهدي" و"سأعمل على ذلك بكل جدية" لأنهم يؤمنون بأن النجاح والتفوق، يمكن أن يتحقق بالإجتهاد وبذل الجهد وليس بالذكاء فقط، فالجميع سواسية وخُلقوا بقدر من الذكاء يكفيهم. وهما، أي النجاح والتفوق، لا يتحدّدان بإختلاف الموهبة والذكاء، ولكن بالإختلاف في بذل الجهد. وهذه القيمة، قيمة الإصرار وإمكانية تحقيق النجاح، ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالإعتقاد البوذي الياباني بإمكانية وصول أي شخص إلى الحكمة والتنور المؤديين إلى السعادة المطلقة". كما ساهمت التعاليم الدينية البوذية القائمة على الإعتدال، وعلى تجنب الإنغماس في الشهوات الحسية والمادية في تقبّل الأشياء الصغيرة البسيطة، "كما ساهمت فكرة المعاناة في شحذ هممهم لمواصلة الحياة وللتغلب على المصاعب وللشعور بالحب نحو خالق الكون حتى يمكنهم الخلاص مما يقاسونه. وعلى هذا شكلت فكرة المعاناة نوعاً من القدرية الإيجابية لا السلبية، قدرية تقوم على التسليم والخضوع والطاعة للسلطة"، والإخلاص للوطن، وحب الإمبراطور، حباً يصل إلى التقديس والعبادة. وبفضل ذلك إستطاعت اليابان أن تنهض من كبوتها بعد الحرب لتحقق تقدماً علمياً وصناعياً غير مسبوقين في تاريخ العالم الحديث.

ولكن ومع مرور الزمن ومع التخلي الرسمي والفعلي عن الإلتزام بالعقائد الدينية، تراجع الإلتزام بالتربية على القيم، وأصبحت هذه المادة إختيارية في البرامج التعليمية، بدل ما كانت عليه إلزامية في فترة ما بعد الحرب. وتراجع وإندثر الإلتزام الديني بالعقائد التي كانت سائدة قبل الحرب عند الناس، فتراجع مستوى الأخلاق لدى طلاب المدارس والجامعات وتزايدت معدلات الجريمة بين الأحداث، وفي تقرير لمراسل الجزيرة، قالت مديرة إحدى المدارس الإبتدائية، وتدعى ميكونا روسيه، "لاحظنا في السنوات الأخيرة تزايد المشاكل العائلية، وإبتعاد الأطفال عن ذويهم وإنعدام التواصل الأسري، ونعتقد أن الحل هو في إستعادة الأخلاق التي تحافظ على الإحترام بين أفراد المجتمع" ولذلك " أصدرت الحكومة اليابانية وثيقة توجيهات تجعل تعلم العادات الحميدة التي كانت سائدة في حقبة إيدو (حقبة الإلتزام بالعقائد البوذية والشنتوية وغيرها) قبل نحو ثلاثة قرون مادة أساسية في المدارس بحلول العام الدراسي 2018، وعزت قرارها إلى وجود علاقة بين تراجع مستوى الأخلاق لدى طلاب المدارس الإبتدائية وبين تزايد معدلات الجريمة بين الأحداث". (موقع الجزيرة – اليابان تلزم طلابها بتعلم الأخلاق عام 2018).

 

أخلص إلى القول بأن التربية على القيم الإنسانية والتي بمجملها منبثقة عن العقائد الدينية تتراجع مع مرور الزمن إذا لم تكن مؤسسة على العقيدة الإيمانية ومرتبطة بها، ومنضبطة معها في إطار الوازع الديني والرقابة الذاتية على هذه القيم والسلوكيات المنبثقة عنها. ذلك أن إنسلاخ القيم عن العقيدة، يشبه إنفصال الأغصان عن الشجرة، فلا تلبث طويلاً حتى تذبل وتموت.