اللغة العربية.. إلى أين؟ (1) أهمية اللغة العربية 21 July 2014

سئل كونفوشيوس، حكيم الصين، عما سيصنع، بادئ ذي بدء، إذا ما تكلف بأمر البلاد، فأجاب: "إصلاح اللغة بكل تأكيد"، ثم سئل لماذا؟ فأجاب قائلاً: "إذا لم تكن اللغة سليمة، فما يقال ليس هو المقصود. وإذا كان ما يقال ليس هو المقصود، فما يستحق الإنجاز لن ينجز، وإذا لم ينجز ما يستحق الإنجاز، فإن الأخلاق والفنون يحل بها الإنحطاط، وإذا ما إنحطّت الأخلاق والفنون، فإن العدالة سوف تنحرف، وإذا ما إنحرفت فإن الناس سوف يقفون مضطرين لا حول لهم ولا قوة، وعلى هذا يجب التخلّي عن الإعتباط في القول، وهذا أمر يتفوّق في أهميته على كل أمر".

وإلى مثل ذلك يذهب العالم الألماني غوته حيث يقول: "أن اللغةَ تصنعُ الناسَ، أكثر مما يصنعُ الناسُ اللغةَ" ذلك أن الإنسان يولد مرتين: الأولى جسدية، والثانية لغوية. وكما أن لكل إنسانٍ وجهُه وبصماتُه، فإن لكل فردٍ خصائصُه وخصوصياتُه اللغوية، التي يعبر بها عن أفكاره وعلمه وثقافته، أمام الآخرين.

لا شك في أن اللغة العربية تَحظى بمواصفاتٍ عالية جداً من السعة والمرونة والقدرة على مواكبة جميع العلوم. وقد إستفاد من ذلك علماؤنا في عصر الحضارة، فنقلوا العلوم المعروفة في عصرهم على تنوعها، من كل بقاع الأرض، ومن مختلف لغات أهلها إلى اللغة العربية. كما وجدوا فيها كل ما يلزم ليتماشى مع إنطلاقة العلماء العرب، في رحلة الإبداع وتطوير هذه العلوم، وما يستوجب ذلك من ألفاظٍ ومصطلحات ومشتقات وتسميات.

يروي د. عبد الحليم عويس في كتابه "الحضارة الإسلامية: ثوابتها وفضلها على الحضارة الإنسانية" أنه عندما كان مشاركاً في مؤتمر إسلامي، بمعهد الحضارة الإسلامية، بمدينة وهران الجزائرية، قرأ مدير المعهد آنذاك، د. بكري عبد الكريم ما أرسله أحد علماء فقه اللغة ومقارنة اللغات، من الفرنسيين، حول نتائج دراسته لمدة عشر سنوات، التي أراد فيها أن يعرفَ: هل كان من الممكن أن يتنزل القرآن بلغة غير عربية؟ وهل بإمكان لغة أخرى أن تسع كتاب الله المعجز ألفاظاً ومضامين وغايات؟ وقد إنتهى من دراسته إلى إستحالة ذلك. فأعلن إسلامه.

كل ذلك يشكل دليلاً قاطعاً على مرونة اللغة العربية وتميزها عن غيرها من اللغات، في سهولة التصريف والإشتقاق، وبناء الكلمة والجملة، وإستنباط التسميات والمصطلحات، التي يجب أن تواكب ركب الحضارة والنهضة والتطور العلمي والعمراني.

وإذا كانت اللغة عموماً تولد، وتنمو، وتتناسل، وتشيخ ثم تموت، فإن اللغة العربية لغة حية وباقية، دون سائر اللغات، وعلى مرّ العصور والدهور، لأنها لغة القرآن الكريم، الذي تكفل ربُّ العالمين بحفظه إلى يوم الدين. وعناصر قوتها وديمومتها كامنة في ذاتها.

 

قد يضعف إستعمال اللغة العربية بسبب أولي الأمر فيها، كما يحصل حالياً، بسبب ضعف العرب، وتفرقهم شيعاً ومذاهب. ورحم الله الإمام الشافعي، حيث يقول: "ما جَهِلَ الناس، ولا إختلفوا إلا لتركهم لسان العرب". وقد كانت لغة البادية عند العرب هي الحجة عند كل إختلاف بينهم، وكان الفخر، كل الفخر، عند العربي، قدرته على التحدث بالعربية الفصحى، كأحد أبناء البادية. وكان العرب يرسلون أبناءهم إلى البادية، إذا إختلط عليهم، أو دخل إلى لغتهم بعض من لغات الأقوام التي دخلت في الإسلام.