اللغة العربية... الجرح النازف (2) المخاطر التي تهدّد اللغة العربية 16 December 2014

كنا قد تناولنا في مقال سابق أهمية اللغة العربية ودورها في بناء الانسان، وفي التعبير عن ما يجول في خاطره من أفكار ومباديء، وحجج وبراهين. وفي هذا المقال سنتناول المخاطر التي تهدّد اللغة العربية، والتي تصيب فيها مواضع موجعة، تجعل استعمالها يتراجع باستمرار، دون أن تصيب منها مقتلاً، ذلك أن الله تعالى قد تكفّل بحفظها من الاندثار، بحفظه تعالى للقرآن الكريم. "إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون" و "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون".

ولعل من أهم المخاطر التي تحيط باللغة العربية، وكلها، وللاسف الشديد بأيدي أبنائها:

1- اللغة العامية أو اللهجة المحكية أو "الثنائية اللغوية". لا شك في أن رُقعة اللغة الفصحى تضيق يوماً بعد يوم، أمام رقعة العاميات على امتداد الأرض العربية، وتختلف هذه اللغات المحكية بإختلاف البلدان وجغرافيتها، فلغات أهل المشرق العربي، تختلف عن لغات أهل المغرب. والهوة بين هذه اللغات العامية المختلفة، وبين اللغة الفصحى الجامعة، تزداد اتساعاً جيلاً بعد جيل. وعلى الصعيد الإعلامي، فقد غزت البرامجُ التلفزيونية المتنوعة باللغات العامية الشاشات العربية، كما غزت اللوحات الاعلامية، النصوص العامية واذا سألت المعلنين عن اسباب ذلك قالوا بأنها أقرب للفهم من النصوص الفصحى!! ناهيك عن اليافطات العديدة التي "تزين" الشوارع وفيها من الأخطاء اللغوية ما يندى لها الجبين.

 

2- لغة وسائل التواصل الاجتماعية، فالرسائل الالكترونية القصيرة عبر الهواتف الخليوية والحوارات المتنوعة عبر وسائل التواصل الاجتماعية، في معظمها أصبحت تكتب باللغة العربية العامية ولكن بأحرف لاتينية، مما يزيد بُعدَ الناس عن لغتهم الأم التي يجب أن تكون موضوع فخرهم واعتزازهم، ولغة التعبير عن فكرهم وثقافتهم.

3- تعليم اللغة العربية، لاشك أن وسائل التعليم وطرائقه تتطور باستمرار كما أن التجهيزات والكتب والادوات السمعية والبصرية في المواد العلمية تحظى بإهتمام كبير من المعلمين والمنسقين. ولكن، عندما يصل الدور الى تعليم اللغة العربية نجدها تتوقف، وتصبح جافة منفرة. مع أن اللغة العربية هي لغة سمعية، دون سائر اللغات، لها جمال يفوق الوصف، ورنين يأخذ بألباب المستمعين والقارئين. ولكن للأسف لا نرى من يعمل على إظهار جماليات هذه اللغة، من خلال الاساليب والطرائق الحديثة، ليضمن عشق المتعلمين للغتهم، التي هي أرقى وألطف وأكثر اللغات طواعية ودقة في الوصف والتعبير.

4- على الصعيد العلمي. لعله من نافل القول أن معظم المواد العلمية في معظم الدول العربية اصبحت تُدرّس في المدارس والجامعات باللغة الانكليزية أو اللغة الفرنسية، كما يمكننا القول بأن جميع الأبحاث العلمية المتقدمة تجري بإحدى هاتين اللغتين، وبعيداً كل البعد عن اللغة العربية الأم، التي كانت - يوم كان لها رجال – لغة العلوم على تنوعها ولغة الحضارة الاسلامية على توسعها وانتشارها في الآفاق.

تذكر وثيقة الأونيسكو لعام 1951: " أن الطفل يستطيع أن يعبر ويفهم بلغته الأم بطريقة أفضل، هذا من الناحية النفسية. ومن الناحية الاجتماعية فإن الطفل يحقق ذاته وسط أعضاء مجتمعه الذي ينتمي إليه. ومن الناحية التربوية، يتعلم الطفل أسرع إذا كان التعليم بلغته، بالمقارنة مع التعليم إذا كان باللغة الأجنبية"

 

وقد بيّنت دراسة، أوردها "أطلس الحضارات 2009" أن اللغة العربية تحتل المرتبة السادسة بالنسبة إلى عدد سكان العالم (4.2%)، وهي تحتل المرتبة الثامنة بالنسبة إلى الإقتصاد العالمي (1.8%)، وهي تحتل المرتبة العاشرة بالنسبة إلى مستخدمي الإنترنت (0.9%). أما بالنسبة إلى صفحات الويب، على شبكة الإنترنت، فاللغة العربية تحتل المرتبة التاسعة (0.04%). أي أن أقل من نصف المتكلمين باللغة العربية، يستعملونها في معاملاتهم الاقتصادية، وعشرون بالمئة منهم، يستخدمونها في مراسلاتهم ومنتدياتهم على الانترنت. وواحد بالمئة  منهم فقط يستعملونها على صفحات الإنترنت!!!