العولمة الجديدة وعالميّة الإسلام وأثر كلٍّ منهما على التعليم 08 February 2011

يفترق الباحثون في الحديث عن العولمة، بين مؤيّدٍ وناقدٍ ومعارض، ويقارن عددٌ منهم بين عولمة اليوم وعالميّة الإسلام. وفي هذه العجالة نحاول أن نسرد ما تيسّر لنا من بعض ما نقله هؤلاء بإيجازٍ بليغ، بغية الوصول إلى أثر كلٍّ منهما في التربية والتعليم في عصرنا الحاضر، وخصوصًا في العالمين العربي والإسلاميّ بشكل عام.

 

عولمة اليوم:

يرى الباحثون المؤيّدون للعولمة ثلاثة محاور أساسيّة، هي العولمة السياسيّة، والعولمة الثقافية والإجتماعيّة، والعولمة الإقتصاديّة.

فالعولمة السياسيّة هي التي تُعنى بنشر القيم الأساسيّة في الحياة السياسيّة من تمسكٍ بحريّة الرأي والمعتقد، وبالديمقراطيّة، وإيمانٍ بالتعدديّه، وقبولِ الآخر، ودعوةٍ إلى الحوار، والإلتزام بالنظام العام، وما إلى ذلك.

أما العولمة الثقافيّة والإجتماعيّة فهي التي تُعنى بشؤون الفكر والتربية، والنظر في حياة الإنسان وبناء شخصيّته، وأدبيّاته الإجتماعيّة، وسلوكه وأخلاقياّته، وعلاقاته البشريّة، كما علاقاته بالكون ومختلف أجزائه ومكوّناته.

أما العولمة الإقتصاديّة – وهي الأهمّ بالنسبة لدعاة العولمة في عصرنا الحاضر، لما يتميّز به هذا العصر من مادّيّاتٍ سيطرتْ على الأذهان والرؤى – فهي التي تُعنى بالشؤون الإقتصاديّة عمومًا من تجارةٍ حرة، وفتحٍ للأسواق، وسيطرةٍ لقانون العرض والطلب، وتأسيس شركاتٍ متعدّدة الجنسيّات، وبناء علاقاتٍ بين الدول، كما بين المؤسسات، تحكمها المصالح المادّيّه المباشرة، دون غيرها.

أما الباحثون الناقدون والمعارضون للعولمة فمنهم من يصفها بأنّها «حافلةٌ تسير بدون سائق»، ومنهم من يقول أنها تسير بغير قواعد، وقد تصل إلى مبتغاها، وقد لا تصل، ومنهم من يرى في بُعدِها الإقتصاديّ أنها تهدف إلى جني الأرباح الكثيرة، متخطّيةً المصالح الوطنيّه، وخصوصًا في البلدان النامية، وأنها تساهم في تركيز الثروة في أيدي قلّة من الأثرياء، وفي الوقت نفسه، تزيد في تفشّي الفقر عند غالبية سكان الأرض، أي أنّها تزيد غنى الغنيّ، وفقر الفقير. وقد ذهب بعضهم إلى حدّ القول: «بأنّ للعولمة مدلولاً واحدًا – هو صيرورة العالم واحدًا» (جورج طرابيشي – الحياة عدد 12955 في 23 آب 1998).

 

عالميّة الإسلام:

وبالعودة إلى الإسلام فهو ينطلق من الدعوة إلى الإيمان بالله أوّلاً، ودعوة الناس أجمعين إلى عبادته، والإلتزام بأوامره والإنتهاء عن نواهيه، لما فيه خيرهم وفلاحهم: ﴿وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: 56]، وما تستوجب هذه العبادة من عمارة ٍ للأرض، ونشرٍ للعدالة والرحمة بين الناس أجمعين: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ [الأنبياء: 107]، ودعوةٍ إلى طلب العلم والمعرفة، ونشرهما، ومحاربةٍ للجهل والذلّ، وطلبٍ للحكمة والعملِ بمقتضاها، ورفضٍ للتكاسل والتواكل، وحضٍّ على الإقتصاد في الإستهلاك، ونهيٍ عن الإسراف والتبذير، وإيمانٍ بالوسطيّة، وشجبٍ للإفراط والتفريط... وكل ذلك لا يكون إلا بالحسنى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: 125]، وما كان هذا التشريع السماويّ ليشمل جميع جوانب الحياة على وجه الأرض وحسب، بل قد تعدّى ذلك إلى ما بعد الموت، أي إلى الحياة الآخرة، وما فيها من ثوابٍ وعقابٍ على ما عمل هذا الإنسان في حياته الدنيا.

فقد جاء الإسلامُ ليحرّر الإنسان من استعباده لأخيه الإنسان، لذلك فهو لا يجوز أن يوضع في السلّة المقابلة مع الذين يعملون اليوم تحت ستار العولمة، ويسعون إلى إستغلال ثروات الشعوب الأخرى الماديّة منها والبشريّة على حدٍّ سواء. ذلك أن عالميّة الإسلام هدفَتْ إلى نشر الرسالة السماويّة والدعوة إليها بالحجّة والبرهان، وبالحكمة والموعظة الحسنة، مخاطبةً الروح والعقل في آنٍ واحد، ومتوجهةً إلى جميع شعوب العالم: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13]. وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أيّها الناس، إنّ ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى». فمعيار التفاضل الوحيد هو التقوى، والحكم فيها لله تعالى وحده والخطاب للناس جميعًا. أي أنّ الإسلام أقرَّ بإختلاف الناس في ثقافتهم وحضارتهم وأبقاهم على خصوصياتهم، ولم يُقدِم على تهديم ما شيّده هؤلاء، ولا على إحراق ما ألّفوه ولا إلغاء ما توافقوا عليه، إذا كان لا يتعارض مع التشريع السماوي بل ذهب بعض علماء المسلمين إلى إقرار عُرْفِ أهل البلد واعتباره تشريعًا يُحتكم إليه، ما لم يُناقض نصًا شرعيًا في القرآن والسنّة، وذلك في قولهم: «المعروف عُرفًا، كالمشروط شرطًا». كما أنّ الإسلام لم يهدف إلى فرض اللغة العربية على الشعوب الأخرى التي دخلت في الإسلام. ولم يكن إنتشار اللغة العربية بين تلكم الشعوب إلا عن رغبة تعبّديّة منهم، إذ كانوا بحاجة ماسة لنقل أفكار الإسلام ونشر دعوته وعلومه وتعميمها بما يتناسب مع جوهر التنـزيل، ولذلك فقد بقي كثيرٌ من الناس على لغاتهم المختلفة، غير العربية.

 

 

 

هجرة الأدمغة:

والسؤال الأساسي الذي نطرحه في هذا المجال هل العولمة هي هدفٌ في حد ذاتها أم أنّها نتيجةٌ لتطورات طبيعية وتقنية في مختلف المجالات الحياتية؟ وهل أصبحت أمرًا واقعًا وقدرًا محتومًا لا مفرّ منه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون التعاطي معها؟

مما لا شك فيه أنّ التطوّر التكنولوجيّ الكبير في عالمي الإتصالات والمواصلات، قد أوجد مساحةً واسعةً لنموّ الطاقات والمهارات البشريّة، ولتلاقيها ولبناء مسارها في طريقٍ واحد، وهو الأسهل والأفضل والأسرع نحو تركيز الثروات الماديّة والقوى السياسيّة والإقتصاديّة والثقافيّة. كما أنّ تنافسها سيؤدي أيضًا إلى تركيز هذه الثروات والقوى في يد الفريق الأقوى والأغنى والأقدر على جميع الصعد.

ونحن نعتقد أن ذلك هو الذي أدّى إلى هجرة الثروات الماديّة، والأدمغة والعقول البشريّة من مواطنها الأصليّة لتتخذ من الكرة الأرضية كلها موطنًا لها ومساحةً لتنمية ثرواتها ومجالاً لإبراز قواها ونموها وتطورها.

ومن خلال مطالعتنا لهجرة الأدمغة من العالم العربيّ إلى الغرب ندرك أنّ هذه الأرقام أصبحتْ تشكّل خطورةً كبيرةً على التطوّر في مجتمعاتنا. فمثلاً يذكر موقع الإتحاد البرلماني العربي «أن 50 % من الأطباء و23 % من المهندسين و15 % من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرّجة يهاجرون متوجّهين إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة وكندا بوجهٍ خاص». كما تشير الأرقام إلى أن حوالي 70 % من الطلاب العرب الذين يتوجهون لمتابعة دراستهم في الخارج، لا يعودون إلى بلادهم.

ويضيف موقع الإتحاد البرلمانيّ العربيّ بأنّ «الخسائر التي مُنيتْ بها البلدان العربيّة من جرّاء هجرة الأدمغة العربيّة قد بلغت 11 مليار دولار في عقد السبعينات من القرن العشرين». وهذه الأرقام هي على إزديادٍ متواصلٍ وسريعٍ لما يسود العالم العربيّ من عدم إستقرارٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ تزداد رقعته عامًا بعد عام، ويومًا بعد يوم- بالإضافة إلى أسباب أخرى منها ما هو مادّيّ أو إجتماعيّ أو علميّ ..... ويشير تقريرٌ صادرٌ عن منظّمة العمل العربيّة بأنّ الخسائر السنويّة الناتجة عن هجرة الأدمغة قد بلغت في الأعوام الأخيرة 200 مليار دولار، ونتجت هذه الأرقام عن تأهيل هذه العقول ودفع كلفة تعليمها داخل أوطانها (www.balagh.com  مقالة خالد غزال: نتائج وتداعيات هجرة الأدمغة العربية).

يقول الباحث الفرنسي سان سيمون: «إذا أضاعت فرنسا الخمسين الأوائل من علمائها ومثل ذلك من أهل فنّها وصناعتها وزراعتها، قُطعتْ رأسُ الأمّة، وأصبحت جسمًا بلا روح. ولكنّها إذا فقدت جميع موظفيها الرسميين، فإنّ تلك الحادثة تُحزن الفرنسيين لطيب نفوسهم، ولكنّه لا ينجم في البلد عن ذلك من الضرر إلا اليسر» (العولمة أرقام وحقائق – عبد سعيد إسماعيل ص 206 – 207).

فبمقارنة بين عولمة اليوم وعالميّة الإسلام، نجد أنّ علماء الإسلام الذين نبغوا في مختلف البلدان الإسلامية في القرون الوسطى من دمشق وبغداد إلى القيروان وقرطبة وإستنبول وغير ذلك من عواصم العالم القديم، كانوا يجوبون الأمصار كافة على إختلاف مشاربها، متعلّمين ومعلّمين، يشاركون في جلسات العلم عند الحكام، ثم يعودون دائمًا إلى بلدانهم، رغم صعوبة التنقلات ومشقات السفر في ذلك الحين. ولم يحدث أبدًا أن اختار عالمٌ كبيرٌ البقاء الدائم خارج العالم الإسلاميّ- لأنّ قوّة الشعور بالإنتماء للأمّة والتمايز الواضح الذي كان يشعر به ثقافيًا وحضاريًا بين عالم الإسلام، والعالم الآخر، ومكانة  العلماء في الإسلام (فضل العلم على العابد، كفضلي على أدناكم – حديث شريف)، وإستقرار هذه المكانة في نفوس عامّة الناس، وخاصّتهم، وعدم وجود قيودٍ فكريةٍ على العلماء، كانت سببًا في لزوم وبقاء علماء المسلمين في دار الإسلام (العولمة أرقام وحقائق – عبد سعيد إسماعيل - ص 212).

 

أثر العولمة على التعليم:

لقد تركتْ العولمة وهجرة الأدمغة أثرهما المباشر على التعليم في بلادنا اليوم فتراجعت بشكل ملحوظ، نسبة العلماء والباحثين القادرين على مواكبة العصر وتقنياته الحديثة، والممارسين لدورهم في مجتمعاتهم، والقادرين على إدخال هذه التقنيات الحديثة في صلب العمليّة التعليميّة. فغابت الفلسفة التربويّة الواضحة، المرتبطة بحاجات العصر والمجتمع وبأصالة الثقافة والتاريخ، وإنتشرت الأمّيّة بين الناس. حتى فاقتْ أرقامُها المعدّلات في الدول النامية الأخرى، وأصبحت المدارس، في أحسن أحوالها مصنعًا للشهادات الرسميّة التي تساعد حاملها للحصول، في أحسن الأحوال، على وظيفةٍ في دائرةٍ حكوميّةٍ أو خاصّة. كما أصبح الإهتمام بالتعليم النظري يفوق بدرجاتٍ الإهتمام بالتعليم الفنّي والتطبيقي- بل أصبح التعليم الفنّي بابًا يلجأ إليه الطلاب ذوو المستويات العلميّة الضعيفة. وغاب الترابط اللازم بين التعليم وسوق العمل، حتى ضاقت الدنيا بالكثيرين من الخريجين الجامعيين في إختصاصاتٍ معيّنة، بحيث نراهم لا يجدون فرصة عمل في بلدهم، فيهاجروا إلى الخارج، ولو مكرهين، طلبًا للرزق والمعاش.

في الوقت نفسه إنطلق الغرب يستقبل ذوي الكفاءات والمهارات ليأخذ منهم ما يتناسب مع خططه التطويريّة لمختلف المرافق الحياتيّة والعامة، في شتّى المجالات العلميّة والإنتاجيّة، ويجزل للمميزين منهم العطاء ويفتح لهم أبواب التقدّم والتطوّر والبحث العلميّ، بما يخدم مصالحه ومبادئه وثقافته، لأنّه يملك الرؤية والهدف.

وتجدر الإشارة إلى الفرق الشاسع بين نظرة الغرب إلى العلم، ونظرة الإسلام له. يقول الباحث فرانسيس بيكون، وهو الأب الشرعي للحضارة الغربيّة: «إنّ الغرض من العلم هو التحكّم في الطبيعة وعناصرها لصالح البشريّة» أيّ أنّه وسيلة لاستثمار الثروات الطبيعيّة ووضعها في خدمة الإستهلاك البشري.

في المقابل فإنّ الإسلام، كما نرى، ينظر إلى العلم بأنه عبادة لله تعالى في ذاته، وهو الهادي للإيمان الصادق، وهو الطريق الأمثل لعمارة الأرض. فعمارة الأرض لا تكون أبدًا بغير علم، وهو السبيل إلى المعرفة والحكمة. فرأس الحكمة مخافة الله، بل هو الطريق الأقوم للتوحيد: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: 19]. وقداسة العلم في الإسلام، أن الله تعالى، أظهر به فضل آدم عليه السلام على الملائكة، بل وأسجدهم له، وهو وسيلةٌ إلى البرّ والتقوى، وما يتبع ذلك من تكريم الله تعالى للإنسان بهما. ولذلك فهو أيضًا بابٌ لتميّز بني البشر عن غيرهم من سائر مخلوقات الله تعالى.

وإنطلاقًا من تعريف الغرب للعلم وتحديد الغرض منه، أخذت العولمة بعامة والعولمة الإقتصادية بخاصة، تشجع الإنسان على الحياة الإستهلاكيّة، بحيث تحث على استخدام كلّ آليات فرضها وتوسيعها من دعايةٍ وإعلامٍ، وإعلانٍ ووسائل إتصال، وسياساتٍ إقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ  حتى أصبح حجمُ الإستهلاك وزيادةُ معدّلاته هما مقياس التقدّم والتطور في المجتمعات الغربيّة.

أمّا عالمية الإسلام فبعد أن أكّدت على وحدة الأسرة البشريّة وتكامل مصالحها، وأمنها، وأنّ الأرض هي سكنهم المشترك التي ينبغي المحافظة على سلامتها وعدم إفسادها، وأنّها خزانة رزقهم، فقد دَعَتْهم إلى أن يلتزموا قِيَمَ العدل والإحسان فيها، وكذلك دَعَتْهم إلى الإقتصاد في إستهلاك ثرواتها الطبيعيّة التي وهبها الله تعالى للإنسان وسخرها له، ليكون إستهلاكه منها دائمًا ضمن الحاجة فقط. ويتبيّن ذلك جليًا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرّ بسعد بن أبي وقّاص وهو يتوضأ، فرآه يسرف على الماء، فقال له مستنكرًا ذلك: «ما هذا السرف»؟، فقال سعد متعجبًا: أفي الوضوء سرفٌ يا رسول الله. فقال له رسول الله معلّمًا الأجيال القادمة كافة، ضرورة الإقتصاد في الإستهلاك عمومًا فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولو كنتَ على نهرٍ جار».

 

التعليم وتحديات العولمة: إيجابيات وسلبيات

لقد خَطَتِ العولمة أوائل هذا القرن خطواتٍ واسعةً جدًا بإتجاه التعليم في العالم، وهي ولا شك ستدخل إلى العالم العربي أولاً: من خلال السياسات الإقتصادية الواسعة التي ينتهجها الغربُ عمومًا، بل وبشكلٍ مباشرٍ ويفرضها على العالم أجمع، وتاليًا من خلال الكمّ الهائل من المعلومات المتوفّرة على الشبكة العنكبوتيّة وفي شتّى المجالات، بل ومن خلال «الإصلاحات التربويّة» التي يدعو الغربُ إليها في العالمين العربي والإسلامي، وهي الأساس في موضوعنا.

وهذا ما أصبح مكشوفًا ومعلومًا أمام الجميع وبوجه الخصوص أمام المتعلّمين. لذلك كان لا بدّ لنا من التعاطي مع هذه الظاهرة، بما يتناسب مع ثقافتنا ومبادئنا وقيمنا، ومن خلال تنمية المهارات الحياتيّة الأساسيّة (مثل تنظيم الوقت، صياغة الأهداف، قبول الآخر، أصول الحوار، مبادئ الجودة.....) عند المعلمين أولاً، ثم عند الطلاب وأهاليهم كما عند الإدارة والموظفين في المؤسسات التعليميّة ثانيًا. وذلك حتى نتعامل مع العولمة في التعليم بروح الناقد، لا بروح الرافض ولا بروح المستسلم، فنأخذ منها ما نريد، ونمحّص منها ما يريب، وندع ما لا يتماشى مع ثقافتنا وأخلاقنا ومبادئنا.

وعلينا أن نوازن بين «حركة العلوم والتكنولوجيا من جهة، وبين القيم الأخلاقية والدينيّة من جهة أخرى لضبط النتائج المعرفية لتكون في صالح كرامة الإنسان، وسلامة البيئة والتعايش البشري الآمن». (كما يقول الدكتور حامد بن أحمد الرافعي – رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار في مقالة له بعنوان: وماذا عن العالمية والعولمة).

ولا شك أن العولمة في التعليم تفرض تحديًّا أساسيًا يمسّ جوهر وصميم العملية التربويّة- ولبّ فلسفتها وهو: التساؤل الدائم عن نوع الإنسان الذي نسعى إلى بنائه وعن مواصفاته وعناصر شخصيته؟ فهل يكفي أن يكون متميّزًا في علوم الهندسة والطبّ وغيرها؟ أم عليه أن يكون محافظًا على قيمه، ومبادئه ودينه، واعيًا لتاريخه وثقافته وحاجات مجتمعه؟، أم عليه أن يكون ثائرًا على التقاليد رافضًا للتاريخ، معجبًا بإنجازات الآخرين؟ وفي الإجابة على هذه الأسئلة يتم تحديد رساليّة التعليم، والرؤيا المرجوّة منه، والأهداف والقيم التي يجب أن يقوم عليها.

لقد دخل العالم العربي في عصر العولمة بدون إستعدادات كافية على جميع الصعد، وأهمّها الصعيد التربوي. فوجدت الأنظمة التعليميّة – وما ينبثق عنها من برامج ومناهج وغيرها – نفسها أمام ثلاث معطيات جديدة هي: التقنيات الحديثة، والثورة المعرفية، وثقافة السوق.

أما التقنيات الحديثة، فهي أداةٌ مطواعة، جعلتْ كلّ ما يجري في العالم من خيرٍ وشرٍ في متناول اليد من خلال جهاز الكومبيوتر والشبكة العنكوبية، بكل ثورتها وثروتها المعرفية. وفي هذا ما يجعلُ الإنسانَ المستفيدَ من هذه المعلومات داعيةً أو طاغية، مصلحًا أو مخرّبًا، عالـمًا باحثًا، أو جاهلاً متخبطًا بين أبواب العلوم والمعرفة..... هذه التناقضات لا يحسُمُها إلا إعدادٌ سويّ، وتربيةٌ صالحة، وتعليمٌ متقدّمٌ للإنسان منذ نعومة أظفاره، ليكون خياره صائبًا بإتجاه الخير، ولتكون طريقه مستقيمًا نحو الهدف السامي ونشأته سليمة تساعد على التمييز بين الخير والشر، والصالح والطالح، في زمن تداخلت فيه القيم والثقافات، والأخلاق والسلوكيات.

أما الثورة المعرفيّة، فهي التي جمعت – بفضل التقنيات الحديثة – أصحاب المصالح الماديّة (بشكل رئيسي) في قواسم مشتركة، لا تفصل بينهم المسافات ولا إختلاف الثقافات. وقد سهّلت لهم أخذ القرارات بناءً للمعطيات الكثيرة المتوافرة بين أيديهم، بل وأصبح بمقدورهم إستقطاب من يشاؤون من أيّة بقعة من بقاع العالم. وهذا ما ساهم بدوره في مركزية المهارات البشريّة على إختلاف أنواعها وأجناسها تمامًا كما ساهم في تركيزها في أماكن محدّدة سرعان ما أصبحتْ مراكز تجاريّةً عالميّة. بالإضافة إلى تركيز الثروات ونمائها في الدول المتطوّرة وقد تركوا وراءهم كلّ ما عدا ذلك من دولٍ ومناطق متخلّفة، تغطّ في سباتٍ عميق، وجهلٍ مستفحل، وفقرٍ مدقع بعد أن هجرتها العقول المفكرة والأدمغة النيّرة. فلا تصيب هذه البلدان ممّن هجرها إلا النذر اليسير والفتات القليل من تحويلاتهم الماديّة.

وأما ثقافة السوق، فهي التي تقوم على سياسة العرض والطلب. وإذا كانت هذه السياسة معروفةً في عالم التجارة منذ القدم، فإنّها مع العولمة، أخذت بعدًا آخر، وخصوصًا في مجال التعليم. فانطلقتْ المؤسساتُ التربويّة الخاصّة لتسدّ ثغرة في حاجات الدول الناميّة، إلى جانب التعليم العام، وذلك نظرًا لإزدياد عدد السكان وبوتيرةٍ أعلى من الزيادة المحقّقة على صعيد التعليم العام. فأصبح التعليم سلعةً وبضاعةً تُعرض في السوق، منها الجيّد الغالي الثمن والذي لا يقدر عليه إلا أصحاب الثروات، ومنها الرديء بأسعار أدنى وفي متناول الشرائح الوسطى في المجتمع. وكلاهما يخرج بعد ذلك إلى سوق العمل وأيضًا في إطار قوانين العرض والطلب، التي تسيطر بدورها على السوق التجاريّة والتي أصبحت غير محصورةً في بلد المنشأ وحده، بل مفتوحةً على أرجاء العالم الفسيح وأيضًا بفضل العولمة ذاتها. وبديهي أن يكون نصيب المهارات المتقدّمة والناجحة والتي حصلت على التعليم الجيد، الهجرة من «شرقٍ طارد» إلى «غربٍ جاذبٍ» لما فيه من مغرياتٍ ماديّةٍ وعلميّةٍ واجتماعيّةٍ متقدّمة.

يتبيّن لنا مـمّا تقدّم أنّ أهم سلبيات العولمة في الدول النامية، هي هجرة الثروات والأدمغة من الأماكن التي يجب أن تكون فيها عاملة ً على تنمية الشعوب الضعيفة وتطوير مهاراتها لتصبح جنبًا إلى جنب مع الدول المتقدّمة، وتفعيلها في صناعة الحضارة الإنسانيّة بمفهومها العالميّ الشامل، بعيدًا عن المفهوم الفئوي الظالم.

وكذلك فإنّنا نرى أنّ من سلبيات العولمة الثورة المعرفيّة والإنفتاح الواسع على جميع أبواب المعرفة، صالحها وطالحها، بدون ضوابط تراعي القيم والأصالة والثقافة والمبادئ التي فَطَر الله الناس عليها، وهذا ما سيترك بصماته على تكوين الأجيال عمومًا في العقود القادمة.

ومع ذكر هذه السلبيات، يجب أن لا تغيب عنا إيجابيات العولمة ومنها التعلّم الإلكتروني والتعلّم عن بُعد، والإستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، والتواصل العلمي وإجراء البحوث المشتركة مع الآخرين وغيرها ...

فالتواصل العلمي الذي أصبح ممكنًا بفضل التقنيات الحديثة، وبفضل إجراء البحوث المشتركة أيضًا يساعد الدول النامية على تخطّي إمكانياتها المحدودة مادّيًا أو علميًّا أو بشريًّا وذلك من خلال المشاركة مع الدول المتقدّمة في أبحاثٍ علميّةٍ حيويّة. وقد أقام عدد كبير من الجامعات، في مختلف الدول، إتفاقات مشتركة ثنائية أحيانًا، ومتعددة الأطراف أحيانًا أخرى. وتقضي هذه الإتفاقات بقيام العلماء والباحثين بأعمالهم البحثية، في فريق عملٍ واحد متعدد الجنسيات، يتوزّعون خلالها المواضيع والمحاور التي تناسب كل واحد منهم، ويتواصلون بإستمرار على الشبكة العنكويية ويلتقون بين الفينة والأخرى، ويتبادلون وجهات النظر في هذه المواضيع للوصول إلى الحقيقة العلميّة المنشودة فتتحقّق بذلك الإفادات المتبادلة، تمامًا كما يتحقّق أيضًا التقدّم العلميّ المشترك.

أما بالنسبة للإفادة من خبرات الآخرين في التعليم، فقد حَوَتْ الشبكة العنكوبية العديد من المواقع المتخصّصة في مجالات التعليم، التي تساعد كلاً من الطلاب والمعلمين في جميع مراحل التعليم. فتقدّم للأستاذ مواد التحضير المساعِدة لإعطاء الدروس، وعليه أن يطوّعها بما يتناسب مع المستوى العلمي لتلامذته وما يتناسب مع ثقافتهم وبيئتهم وحاجاتهم، كما تقدّم، بالإضافة إلى ذلك العديد من الإختبارات الذكية التي تساعد على التقيّيم وغير ذلك من الأمور الضرورية الأخرى.

وكذلك الأمر بالنسبة للطلاب، فهناك العديد من المواقع أيضًا التي تساعد الطلاب على إجراء التطبيقات العلميّة والعمليّة على دروس الصف، فمنها ما هو تفاعلي، ومنها ما هو على شكل ألعاب التسلية. ومنها ما يساعد على إجراء التقيّيم الذاتي وغير ذلك. وكل ذلك مفيدٌ ويعتبر من إيجابيات العولمة.

كذلك الأمر فإنّ توافر المعلومات الغزيرة التي تساعد الباحثين على معرفة ما توصل إليه الآخرون في مجالات البحث المنشود، ليتابعوا ويطوّروا هذه البحوث. إذ لا يجوز أن يعمل الباحث على ما حقّقه الآخرون. بل من الحكمة دائمًا أن يبدأ المرء من حيث إنتهى به الآخرون. لأنه لا يجوز إكتشاف الدولاب مرتين، كما يقول المثل الشائع. وإذا كان علماء الماضي يفضّلون أحيانًا الإحتفاظ لأنفسهم بـ«سرّ المهنة»، فإنّ علماء اليوم، في عصر العولمة، غالبًا ما يسارعون ويتسابقون إلى نشر العلوم والمعارف المختلفة على صفحات الإنترنت، لينتفع بها من يشاء، وليطوّرها من يستطيع. ولعمري، فهذه السمة الإيجابية هي من سمات العولمة. وهي أيضًا من خصائص عالمية الإسلام، ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ومن كتم علمًا عن أهله، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». وكان علماء المسلمين يقولون: حقّ العلم على العالم خمسة ومنها نشر المعرفة.

أما التعلّم عن بعد، الذي بدأ في الماضي القريب بالمراسلة عن طريق المطبوعات، ثم تطور بإستخدام الوسائط التعليميّة المتقدّمة ومنها الحاسوب، فقد حقّق قفزة نوعيّة بفضل العولمة والتقنيات الحديثة، فاتحًا الأبواب على مصراعيها لكل طالبٍ راغبٍ في الإستزادة من العلم في مختلف المجالات، ومتخطّيًا العوائق الزمنيّة، والمكانيّة والجغرافيّة، ومتجاوزًا كل حياءٍ أو غباءٍ أو خجلٍ قد يجعل  اللقاء المباشر صعبًا (مثل اللقاء بين الأستاذ وتلاميذه) بسبب ضعف المستوى، أو إختلاف الأعراق واختلاف الجنس وغيره. كما أنّه نظام يجسّد حريّة المتعلّم في إختيار الوقت المناسب والمكان المناسب، ونقل المعلومات بالحجم المناسب، الذي يتماشى مع قدرة المتعلّم الذهنية والاستيعابية.

ولا شك أنّ هذه الإيجابيات وتطبيقاتها تستوجب قراراتٍ سياسيّةً وإداريّةً، وقدرةً ماليّة، وهمّة ً عالية وإرادةً قوية، ورغبةً صادقة ورؤيةً صائبة وجهدًا دؤوبا.

ولن يحقّق التعليم في عالمنا العربيّ قفزةً نوعيّةً ما لم نتمكّن من الاستفادة من هذه الإيجابيّات بشكلٍ مباشر، ومن المواكبة الفعليّة للتقنيات الحديثة والثورة المعرفيّة في تيارهما الجارف والمتسارع، بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

 

أما السلبيّات فهي تَسري في المجتمع وتتوغل فيه، فهجرة الأدمغة مستمرة. وإذا كنّا نقول في الماضي بأنّ رأس المال جبانٌ، يهاجر بسهولةٍ إلى حيث يَجِدُ منفعته، فهجرة الأدمغة أصبحتْ اليوم أسهلَ وأكبر، وللأسف الشديد. كما أنّ سوء استعمال وسائل ووسائط الاتّصالات الحديثة، وما فيها من شبكات معرفيّة مختلفة- أصبحت في متناول الجميع بسهولةٍ ويسرٍ كبيرين- يجعل الخطر الكبير على التعليم، كما على المجتمع برمّته، داهمًا وجارفًا ومتسارعًا، إذا لم نبادر إلى التصدّي لهذه السلبيات ونعالجها بشجاعة وتصميم، ورؤيةٍ واضحة، وعملٍ دؤوب.