إصلاح التعليم 18 October 2011

لا شك أن إصلاح المجتمع مبني على إصلاح الفكر، وإصلاح الفكر يكون بإصلاح التعليم والإعلام. ويرتكز إصلاح التعليم على أمورٍ أساسيّة هي المعلّم والإدارة والمنهج والوسائل، بالإضافة إلى التغيير المطلوب في دور المعلم، وأهمية التعلم المستدام ودور التعليم في بناء الديمقراطية الحديثة.

المعلم

 فالمعلم، هو عصب العملية التعليمية برمّتها، وهو الذي يزرع في نفس الناشئة حب التعلم وطلب العلم، والطريق إليه والإستزادة منه في كلّ وقتٍ وحين. والمعلّم الناجح، هو الذي يقدّم أفضل ما لديه لتنشئة جيلٍ قادرٍ على مواصلة مسيرة الإبداع والإبتكار وإنتاج المعرفة، ويُخضِعُ نفسه دائماً لدوراتٍ تدريبيّةٍ على أحدث المناهج والوسائل. والمعلم الجيد يستطيع أن يُرمّم ويَج̊بُرَ ما قد يعتري البرامج والمناهج من قصورٍ أو ضعفٍ أو خلل، والمعلم السيّءُ لا يستطيع أن يوصل العلم والمعرفة إلى طلابه، مهما كانت البرامج والمناهج التعليميّة متطوّرة ومتقدّمة وحديثة.

الإدارة التربوية

أما الإدارة التربوية فهي علمٌ قائمٌ بذاته، ويتطلب مهاراتٍ معينةً وتقنياتٍ حديثةً، ويقوم بوضع البرامج، لتحسين أداء الجهاز التعليمي بشكلٍ مستمر، ويشرف على تطبيق البرامج والمناهج الحديثة، ويراقب أداء المعلمين، ويتعاون مع الأهالي لمعالجة مشاكل الطلاب، وتقديم أفضل ما يمكن لهم، ويتفاعل مع المجتمع المدني. كما على الإدارة التربوية أن تضع الخطة التطويرية المستمرة، وأن تكون هذه الخطة خاضعة لمبادئ  SMART (قابلة للوصف والقياس والتحقيق، واقعية ومحددة بالوقت).

البرامج والمناهج

أما البرامج والمناهج، فيجب أن تكون ديناميكيّة الحركة والتطور، ذلك أنّ التقدّم العلميّ، لا بدّ وأن ينعكس على حجم هذه البرامج، ومحتواها وفحواها، لجهة الزيادة أو الحذف. كما تخضع المناهج للتغيير في طريقة التعليم، بما يساعد الطالب على زيادة معلوماته، وسعة معرفته وإدراكه.

الوسائل الحديثة

ومما لا شك منه، أنّ وسائط التكنولوجيا الحديثة تساعد كثيراً على تطبيق هذه البرامج والمناهج. ويمكننا القول جازمين، بأنه لا يمكن لطلاب اليوم أن يقوموا بدورهم في بناء المستقبل إذا كان تعليمهم يتم بأدوات الماضي. خصوصاً، وأنّ هذه الوسائل في تطوّرٍ مستمرٍ ومتسارعٍ. وهي تساعد على تحقيق الكثير من التقدم والتوجيه والمشاركة وزيادة الإنتاجيّة والإبتكار، سواء في التعليم، أم في التعلّم، أم في التواصل والتقييم وغير ذلك.

 

دور المعلم

من ناحية أخرى، فقد كان دور المعلم في الماضي يقوم على تقديم المعلومات للمتعلم وشرح المعطيات والبراهين، وإستخراج الحقائق وفق الكتاب المقرّر. أمّا اليوم، وبفضل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الإتصالات، فقد أصبح دور المعلم مُسهِّلاً ومرشداً في العمليّة التعليميّة المستدامة. كما تنوعت مصادر المعلومات ووسائل إستخراجها، من خلال التساؤلات وعمليات التفتيش عنها. وأصبح لازماً على المتعلّم، بالإضافة إلى معرفة الوصول إليها، أن يتقن تحليلها والتمييز بينها والحكم عليها، والإستفادة منها وفق حاجاته وبرامجه التطويرية. 

التعليم المستدام

من ناحية أخرى دعا القرآن الكريم إلى التزود بالعلم، دعوةً مفتوحةً لكل عمرٍ وعصرٍ ومصر، وذلك في قوله تعالى: "وقل رب زدني علماً". وقد إشتهرت عند المسلمين الحكمة التي تقول "طلب العلم من المهد إلى اللحد" حتى ظنها بعضهم حديثاً نبويّاً. وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: "مع المحبرة إلى المقبرة". وسئل أحد الحكماء عن حدّ التعلّم فقال: "إن حدّ التعلّم هو حدّ الحياة" ومن حكم عبد الله بن المبارك، قوله "لا يزال المرءُ عالماً ما طلب العلم  فإذا ظنّ أنّه عَلِمَ فقد جهل". وكان عليّ بن أبي طالب يقول: "الإعجاب يمنع من الإزدياد". وإذا كانت تلك خاصيّة التعلّم عند العرب في عصر الحضارة الإسلامية، فإن هذه الخاصيّة هي أكثر يسراً وسهولةً في هذه الأيام، بفضل ما توصّلت إليه التكنولوجيا الحديثة من شبكات المعارف المتوفرة على الإنترنت، والتي تضع العالَم وما توصّل إليه الباحثون في جميع المجالات العلمية بين يدي طالب العلم، وفي كل وقت وحين. وليس عليه سوى أن يطّلع إلى ما توصل إليه الآخرون، ويمحّصه ويدقّق فيه، لينطلق منه إلى التطوير والإبداع، بما أوتي إلى ذلك من سبيل.

التعليم والديمقراطية

 

وفي سياق آخر تجدر الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين التعليم والديمقراطية، إذ لا يمكن الحديث عن تعليمٍ حقيقيّ فاعلٍ ومؤثّرٍ في المجتمع، ما لم يساهم هذا التعليم في بناء شخصية الإنسان المنتج والمشارك، وفي غياب الحريات العامة والخاصة، والمساواة بين مختلف شرائح المجتمع وتكافؤ الفرص. كما لا يمكن الحديث عن الديقراطية في غياب تعليمٍ حقيقي، يتّسم بالجودة ويساعد على الإبداع والإبتكار. ذلك أن التعليم هو إحدى الأدوات الرئيسة في بناء الحياة الديمقراطية. فالقيم والسلوك والممارسات السائدة في أي مجتمع، مُكتسبة من عملية التنشئة التي تضطلع بها المؤسسات المختلفة وفي الصدارة منها قنوات التعليم المختلفة. فهذه القيم والسلوك والممارسات، إنما تمثّل اللبنة الأولى لعملية التنشئة السياسية التي تحدّد التوجهات والآراء المستقبلية حيال المجتمع والبيئة والوطن. كما أنها ترسم أطر التعاون والمشاركة والإنتماء، وتنمي الشعور بالمسؤولية والثقة بالنفس والعمل بروح الفريق.