قراءة في آية 12 02 September 2020

"رضي الله عنهم ورضوا عنه"

عرّف علماء التصوف الرضا بأنه سرور القلب بمدّ القضاء. وقالوا أيضاً: الرضا هو إرتفاع الجَزَع (أي عدم القلق أو السخط) في أي حكم كان. ومنهم من قال: هو طِيبُ النفس بما يصيبها. والرضا بالشيء هو القناعة به، وهو السبيل المباشر لتحقيق السعادة.

"رضي الله عنهم ورضوا عنه" هذه الكلمات القليلة، وردت في القرآن الكريم في أربعة مواضع مختلفة، وحملت بين حروفها معاني كثيرة، سواء في ذاتها، أو في سياق المعنى حسب ورودها في الآيات التي ذكرت فيها. ففي ذاتها، ربطت رضا الله عن العبد المؤمن برضاه عن الله تعالى أي في قضائه وقدره. ويفسّر ذلك قول النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام: "عجباً لأمر المؤمنِ إنّ أمرَه كلَّه له خير، وليسَ ذلك لأحدٍ إلّا للمؤمن، إن أصابتهُ سرّاءُ شَكَرَ فكانت خيراً لهُ، وإن أصابتهُ ضرّاءُ صبرَ فكانت خيراً له" (رواه مسلم). فالحمد لله في كل شيء وعلى كل نعمة، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه. ولا يكون هذا الشعور إلا عند من رضي الله عنه، فأرضاه. ورضا العبد بالله وعن الله سبب لرضا الله عن عبده ولمزيد من هذا الرضا، وهكذا يتفاعل الرضا بين العبد وربه فتستقر السكينة في قلب العبد المؤمن.

-         يقول الله تعالى في سورة المائدة (آية 119): "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً. رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم". يقول ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" : يقول تعالى ذكره، "رضي الله" عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه. "ورضوا عنه" يقول: ورضوا هم عن الله تعالى ذِكرَه في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إيّاه، فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه.

-         وفي آية ثانية في سورة التوبة (آية 100): "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنّات تجري تحتَها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم". فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين حملوا لواء الدعوة إلى الله تعالى، ولواء الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ولم يُثنهم عن ذلك متاعٌ في الدنيا، سواءً قلّ أو كثُر، وسمت أنفسهم علوّا. فقال تعالى فيهم: "والسابقون السابقون * أولئك المقرّبون * في جنات النعيم * ثلّة من الأولين * وقليلٌ من الآخرين" (الواقعة 10÷14).

-         وفي آية أخرى في آخر سورة المجادلة (آية رقم 22): "لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسولَه ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه، ويدخلُهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون". يقول ابن كثير في تفسيره للجزء الأخير من هذه الآية: فيه سرّ بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائرفي الله تعالى، عوّضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم والفضل العميم. وهؤلاء هم حزب الله، أي عباد الله وأهل كرامته. "وهم المفلحون" تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة.

-         وفي سورة البينة (الآيتان رقم 7 و8): "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. (7) جزاؤهم عند ربهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه (8)" يقول ابن كثير في تفسير "رضي الله عنهم" هذا مقام رضا الله عنهم، وهو أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، "ورضوا عنه" فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله تعالى "ذلك لمن خشي ربه" أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي اللهَ واتقاه حق تقواه، وعَبَدَه كأنه يراه، وعَلِمَ أنه إن لم يَرَهُ فهو يراه.    

آية أخرى في سورة الضحى "ولسوف يعطيك ربك فترضى"، يرى بعض علماء التفسير أنها "أرجى آية في القرآن الكريم، لأن الله تعالى وعد فيها نبيه المصطفى عليه السلام بأن يعطيه في الآخرة من الكرامات، حتى يرضى". وفي رواية أن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يكن ليرضى من ربه أن يُدخل أحداً من أمّته النار.

وفي آخر آيات سورة الليل يعِدُ الله المتقين بالرضا في قوله تعالى: "وسيُجنّبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى". يبيّن الله عز وجل في هذه الآيات بأن "التقي هو الذي ينفق مالَه ليتطهّر بإنفاقه، لا ليُرائي به ويستعلي، ينفقه تطوعاً لا ردّاً لجميل أحد، ولا طلباً لشكر أحد، وإنما ابتغاء وجه ربه الأعلى خالصاً، وما ينتظر الأتقى غير الرضا ؟!، ولسوف يرضى بدينه ويرضى بربه، ويرضى بقدره، ويرضى بنصيبه، ويرضى بما يجد من سرّاء وضرّاء، ومن غنى وفقر، ومن رضا وشدة، يرضى فلا يقلق ولا يضيق، ولا يتعجل ولا يستثقل العبء، ولا يستبعد الغاية" (التفسير التربوي للقرآن الكريم – أنور الباز – دار النشر للجامعات 2010 – ص560).

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون، وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: يا رب وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً". رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن حبّان.

يُروى أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار، فقال: أمؤمنون أنتم فسكتوا، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان جالساً معهم إذ ذاك، فأجاب نيابة عنهم وقال: نعم يا رسول الله. قال: وما علامة إيمانكم؟ قالوا نشكر على الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء. فقال صلى الله عليه وسلم: مؤمنون ورب الكعبة. (رواه الطبراني في الأوسط) وهذا دليل على أن الرضا بقضاء الله، من علامات الإيمان بالله. بالشكر نكسب رضا الله تعالى ومحبته، فالنعَم، لا يمكن أن يؤدي الإنسانُ حقها إلا بالشكر عليها، وبالشكر نستجلبُ رضا الباري سبحانه. يقول تعالى: "وإن تشكروا يرضه لكم". (من كتاب اشكر ربك – عائض القرني – دار البشائر الإسلامية 2014 – ص71)

وربما يظن البعض أن الدعاء مناقض للرضا بالقضاء، ولكن الأمر غير ذلك كلياً. فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب في كل ما يراه من عملٍ يريد القيام به. والأخذ بالأسباب نوعان: ماديّ وإيمانيّ. والأسباب المادية هي السعي لتحقيق الهدف بما أوتينا من علمٍ ومعرفة، ومالٍ وقدرةٍ، وما إلى ذلك من مادياتٍ معروفةٍ من أهل الاختصاص. أما الأسباب الإيمانية فهي الدعاء والتوكل على الله. وكان الأنبياء جميعاً عليهم السلام، أقرب ما يكونون إلى الله تعالى، ويتمتعون بأعلى درجات الرضا بقضاء الله جل جلاله، وكانوا ربما أكثر الناس دعاءً وتضرعاً إلى ربهم وتوكلاً عليه. فها هو يوسف عليه السلام يدعو ربه، عندما أغوته امرأة العزيز عن نفسه، وهددته بالسجن إن لم يستجب لإغوائها فقال: "رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم" (يوسف-33-34). وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ودعوته في بداياتها لا تزال ضعيفة وغير منتشرة فيقول: اللهم أعزّ الإسلام بأحد العمرين: عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام، فيستجيب له ربه بإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لما كان له من صولة وجولة، قبل إسلامه وبعده.

وإذا كان رضا الله عن الإنسان هو ما يسعى إليه ويدركه عموم الناس، فإن رضا الإنسان عن ربه، هو ما لا يدركه ويستشعره إلا القلّة، فهو التسليم بكل ما قسمه الله للإنسان في هذه الحياة الدنيا من خير أو شر، وهو التوقف عن الشكوى للبشر، فالشكوى لغير الله مذلّه، وهو التسليم بالعطاء والمنع، والغنى والفقر، والصحة والمرض، على حدٍّ سواء. وليس أدلّ على ذلك من قصة موسى مع الخضر عليهما السلام في سورة الكهف.

فالله تعالى آتى الخضر عليه السلام بعض العلم اللدنّي. يقول تعالى: "فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنَّا علما" وهو علمُ ما كان، وبعضُ ما سيكون، ولم يؤتِ ذلك لنبيّه المرسل موسى عليه السلام. فكان ما فعله الخضر عليه السلام غير مفهومٍ وغير مبرر عند موسى عليه السلام، لأنه في ظاهره، مخالفٌ لما عليه العقل السليم والفطرة البشرية. ولكن  عندما أوضح له الخضر عليه السلام ما سيكون بعده، أدرك الحكمة من ذلك والخير العميم الذي سيتبعه.

وإذا كانت القناعة - التي هي وجه من وجوه الرضا - كنز لا يفنى، كما يقول الحكماء، فالرضا نعمة جليلة، يُنعم الله بها على خير عباده لتكون كنزاً لهم في الدنيا والآخرة، فيها سكينة النفس، وراحة البال وطمأنينة القلب، وفوق ذلك كله رضا الله عز وجل ونعيمه الأبدي. ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في القناعة، قولاً جميلاً:

رأيتُ القناعة رأسَ الغنى                   فصرتُ بأذيالها مُتمسِّك

فلا ذا يراني على بابه                       ولا ذا يراني به مُنهمِك

فصرت غنياً بلا درهمٍ                      أمرُّ على الناس شِبه الملك

سُئل أحدهم: هل للقناعة درجات قلت: نعم هناك قناعة الإكتفاء، وقناعة الصبر، وقناعة الزهد. والأخيرة أرقى الدرجات.

والرضا والقناعة قيمتان تبعثان الراحة في النفس والإطمئنان في السعي ولا تلغيان الطموح المشروع بل والمطلوب. والطموح، كما القناعة، قيمة وسطية بين رذيلتين: الطمع والتكاسل أو التواكل. والطموح مع الأخذ بالأسباب المادية والإيمانية هو الذي يُثمر عملاً صالحاً، أمر به الإسلام وحضّ عليه في كل مندرجاته. يقول بعض الحكماء: "من رضيَ بقضاء الله لم يُسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يَدخله حسد".

يرى بعض العلماء أن الرضا عن الله لا يتنافى أبداً مع الألم الذي يشعر به الإنسان إذا أصابته نازلة; فخير الخلق محمد عليه الصلاة والسلام بكى لفراق ابنه عند الوفاة. والرضا بالقضاء درجة أعلى من الصبر، لأن الصبر يعني أن يتحمل الإنسان الألم، أما الرضا فيكون بشكر الله على الألم، خصوصاً إذا أدركنا أن هذا الألم هو ابتلاء لغفرانِ الذنوب، ورفع الدرجات، وطهورٍ من الآثام. ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ عِظم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط". رواه الترمذي.

قد يسأل سائل، كيف للإنسان أن يرضى بالمرض وفيه الألم المكروه فطرةً ؟، يجيب ابن القيم عن هذا السؤال بقوله: "لا تنافيَ في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب (من طهور وغفران، وإنذار لما قد يكون أخطر منه)، ويكرهه من جهة تألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به وكراهته له"، (ابن القيم، مدارج السالكين، ج.2، ص.196). كما قد يكون الشعور بالألم في بداية المرض، دعوة للعلاج ومنجاة مما هو أشق وأصعب.

يقول الإمام علي كرّم الله وجهه، عندما سُئل عن التقوى: التقوى هي الإيمان بالتنزيل، والرضا بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل. فالرضا من أعلى مراتب الإيمان. وعن معنى الرضا، يقول أبو سليمان الداراني لتلميذه أحمد بن أبي الحواري: "الرضا ليس أن تحمده على المصيبة وقلبك معتصر عليها، فإذا كنت كذلك أرجو أن تكون مع الصابرين، ولكن أن تحمده وقلبك سالمٌ راضٍ".

أما علامات الرضا فهي: التسليم بأن الأمر كله لله، وأن التدبير (بعد الأخذ بالأسباب) هو تدبير الله، ولا اعتراض على ما قدّر الله وقضى، وعدم تمني ما غاب، وتحمّل الأذى والشكر دائماً لله.

يقول الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد في خطبة المسجد الحرام في 6/6/1433هـ: "الرضا نعمة عظيمة، يبلغُها العبدُ بقوة إيمانه بربّه وحُسن اتصاله به، ينالها بالصبر والذكر والشكر وحسن العبادة، وقد خاطب الله نبيّه محمداً – صلّى الله عليه وسلم بقوله: "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلك ترضى" (طه -130). ويقول أيضاً: الرضا يوقف الراضي عند حدود قدراته ومواهبه، ويبصّرُه بأقدار الله، فلا يتمنّى ما لا يتيسّر له، ولا يتطلّع إلى ما لا يستطيع، فالشيخ لا يتمنّى أن يكون شاباً، وغير الجميل لا يتمنّى أن يكون جميلاً" ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض" (النساء – 32).

يقول ابن عطاء الله: الرضا سكون القلب باختيار الله للعبد وأن ما اختاره الله له هو الأحسن فيرضى به.

يروى أنّ عروة بن الزبير قُطعت رجله لمرضٍ أصابه.. وفي نفس اليوم تُوفيَ أعزُّ أبنائه السبعة على قلبه بعد أن رفسه فرسٌ ومات.. فقال عروة: اللهم لك الحمد، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعطاني سبعة أبناء وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً. إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإنّي أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

ومرّت الأيام.. وذات مرة دخل عروةُ مجلس الخليفة، فوجد شيخاً طاعناً في السن مهشّم الوجه أعمى البصر، فقال الخليفة: يا عروة سلْ هذا الشيخ عن قصته. قال عروة: ما قصتك يا شيخ؟ قال الشيخ: يا عروة، إعلم أني بتُّ ذات ليلة في واد، وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفل صغير وبعير واحد.فهرب البعير فأردتُ اللحاق به، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل، فالتفتُ فإذا برأس الطفل في فم الذئب. فإنطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدتُ لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري. قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا، فقال الشيخ: أقول اللهم لك الحمد. ترك لي قلباً عامراً ولساناً ذاكراً، هذا هو الصبر حقاً.. والصابرون بشّرهم الله بقوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

قال الإمام ابن قيم الجوزية: "من ملأ قلبه من الرضى بالقدر، ملأ الله صدره غنىً وأمناً وقناعة، وفرّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضى امتلأ قلبه بضدِّ ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه، فالرضى يُفرغ القلبَ لله، والسخطُ يُفرغ القلبَ من الله" (مدارج السالكين).

كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوماً ففاتته الصلاة، فجاءته جارية بجمرة فوضعتها على رجله فانتبه مذعوراً فقالت له: إذا لم تعبر على نار الدنيا فكيف تعبر على نار الآخرة؟ فقام فصلى الصلوات وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة، وما تحت جنبه شيء فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئاً لله إلا عوَّضه الله عنه بديلاً فما عوَّضك مما تركت له ؟ قال الرضا بما أنا فيه.  

يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: إرضَ بما قسم الله تكن أغنى الناس، واجتنب محارم الله تكن أورع الناس، أدِّ ما فَرَضَ اللهُ تكن أعْبَدَ الناس.

قيل لعالم: أي الناس أقل هماً، فقال ليس في الدنيا إلا مهموم، ولكن أقلهم هماً، أفضلهم رضاً، وأقنعهم بما قسم الله.

سُئل أحد الزهاد: ما هو السرُّ في بشاشة وجهك ؟ فقال: أستحيي أن أحزن وأمري بيد الله.

يقول أحدهم: ما وجدتُ إنساناً سكَن الرضا أعماقه إلا وجدتُه أسعَد الناس قلبا، وأريحهم بالاً، ذلك أن الرضا يحيل الحياة إلى جنة في عيني صاحبها، تجده راضياً دون القعود عن السعي للأفضل، راضياً بما بين يديه، إن مسّه سوءاً، قال: لعل في الأمر خير، وإن مسّه خيراً ازداد رضاً على رضاه!.

وقيل: حين يشاء الله، يستبدل أسباباً بأسباب، وحين يشاء الله يغلق باباً ويفتح أبواباً. كن راضياً وكأنك تملكُ كل شيء، فكل ما يكتبه الله لنا، ألطف مما نشاء.

في الحياة قد لا يتحقق كل ما تريد.. لكن رضا الله والرضا بالله يجعلان لك الحياة كما تريد.

يقول الدكتور راتب النابلسي: إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال للكثيرين من خلقه بقدر ! ولكنه لا يعطي السكينة إلا لأصفيائه من المؤمنين. والسكينة ثمرة من ثمرات محبة الله للعبد، ومن علامات محبة الله لك أيضاً أن يمنحك الرضا عن كل شيء!! أن ترضى عن وجودك، عن وضعك، عن أولادك، عن أهلك وعن دخلك، وعن كل شيء مسخرٌ لك. ومن مُنح الرضا فقد أسعده الله.

قصة وعبرة (السعادة ليست مالاً)

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: كنتُ  عائداً إلى بيتي قبل المغرب بساعة في يوم من أيام رمضان.. فاستوقفني رجلٌ فقيرٌ من الذين يتردّدون على درسي في المسجد تردُّدَ الزائر، فسلّم عليّ بلهفةٍ أدمعتْ عينيَّ وقال لي: أستحلفك بوجه الله أن تفطر عندي اليوم !

يقول الشيخ: عقدتْ لساني لهفتُه وطوّقتْ عنُقي رغبتُه وأشرق في قلبي وجهٌ استحلفني به، فقلتُ له: يا أخي، الأهلُ بانتظاري وظروفي لا تسمح، ولكن ! يقول الشيخ: وجدتُ نفسي أتبعه إلى بيته الذي لا أعرف مكانه، ولا أعرف ظرفَه في هذا الوقت الحرج من موعد الإفطار. يقول: وصلنا إلى بيته، فإذا هو غرفةٌ ومطبخٌ وفناءٌ صغير مكشوفٌ على سطحٍ اشتراه من أصحابه، وله مدخلٌ ودرجٌ خاص من الخشب لا يحتمل صعود شخصين، فخشباته تستغيثُ من وهنٍ خلّفَه بها الفقر والقِدَم. كانت السعادة تملأ قلبَ الرجل، وعباراتُ الشكر والإمتنان تتدفّق من شفتيه وهو يقول: هذا البيت مُلْكي (والملكُ لله)، لا أحد في الدنيا له عندي قرش، أنظر يا سيدي، الشمس تشرق على غرفتي الصبح، وتغربُ من الجهة الثانية، وهنا أقرأ القرآن عند الفجر وقبل المغيب. والله يا سيدي كأني أسكن في الجنة. يتابع الشيخ: كل هذا يجري على مسامعي وأنا أصعد على الدرج بحذر. وصلنا الغرفة وذهب الرجل إلى زوجته، وسمعتُه يقول لزوجته بصوتٍ خافت: جهّزي الفطور الشيخ سيفطر عندي اليوم، وصوتُ زوجتِه تقول له: والله، ما عندنا غير فول، ولم يبق على آذان المغرب إلا نصف ساعة، ولا شيء عندنا نطبُخه. يقول الشيخ: سمعتُ هذا الحوار كلّه، فلما جاء صاحب الدار قلت له: ياأخي، لي عندك شرط؟ أنا أفطر مع آذان المغرب على ماء ومعي التمر، ولا آكل إلا بعد نصف ساعة من الأذان، بعد ما أهضم التمر والماء، وأصلّي وأُنهي وِرْدي اليومي، ولا آكل إلا فول مدمس وبطاطس. فقال الرجل: أمرك. يقول الشيخ: لقد اخترت البطاطس لأنها زادُ الفقراء، وأحسبُها عندهم.. وقد خرجتُ وكلّي سعادةٌ وبهجة، وقد أحببتُ الدنيا من لسان هذا الرجل الذي ما نزلتْ من فمه عبارات الثناء والحمد على نِعم الله وعلى هذا البيتِ الذي ملّكَهُ اللهُ إياه، وهذه الحياة الجميلة التي يتغنى بها.

يقول الشيخ: ثم دُعيتُ بعد أيام مع مجموعةٍ من الوجهاء على الإفطار عند أحد التجار، وكان ممن أنعم اللهُ عليهم بالمالِ والجاهِ والأولاد والحسبِ والنسب. وكانت الدعوة في مزرعةٍ فخمة فيها مما لذّ وطاب، يتوسطُها منزلٌ أقرب ما يكون للقصر، يطلُّ على مسبحٍ ومرْبَطِ خيلٍ فيه نوادرُ الخيلِ الأصيلة. أفطرنا عند الرجل وأثناء المغادرة، انفرد بي، وشكى لي من ضيق الحياة وهمومِ التجارة، وسوءِ طباعِ زوجته، وطمعِ مَن حولَه، وكثرة المصاريف لإرضاء الجميع، وسَأَمِه من هذه الحياة، ورغبته بالموت !. يقول الشيخ: من باب المنزل، إلى باب سيارتي، سوّد هذا الرجل الدنيا في عيوني، وأطبق علي صدري وأنفاسي. فنظرتُ إلى السماء بعد أن ركبتُ بسيارتي وأنا أقول في قلبي: "الحمد الله على نعمة الرضا".

قيل للسعادة: أين تسكنين ؟ قالت: في قلوب الراضين.

قيل: فبم تتغذين؟ قالت: مِن قوة إيمانهم.

قيل: فبم تدومين؟ قالت: بحسنِ تدبيرهم.

قيل: فبم تُستَجلبين؟ قالت: أن تعلم النفسُ أن لن يصيبها إلا ما كتب الله لها.

قيل: فبم ترحلين؟ قالت: بالطمعِ بعد القناعة، وبالحرصِ بعد السماحة، وبالهمّ بعد السرور، وبالشكّ بعد اليقين.