قراءة في آية 10 02 September 2020

"إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم" (التكوير – 27 – 28)

القرآن الكريم هو الـ"ذكر للعالمين"، وهو الطريق إلى الإستقامة، والإستقامة هي الطريق إلى الله. وفي الآية الكريمة من سورة الأحقاف يؤكد عزّ وجل على ذلك، حيث يخبرُ تعالى نبيّه الأكرم عن حوارٍ جرى بين الجنّ عندما سمعوا القرآن، وقال بعضهم لبعض أنصتوا، ثم أتبعوا ذلك: "قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى، مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم" (الأحقاف – 30).

نحن نعيش في عصرٍ كَثُر فيه الوباءُ والبلاء، والغلاءُ ومكر الأعداء، وانتشرَت  فيه الخطوبُ والفتن، والمعاصي والمحن، وترك كثير من الناس الفرائض والسنن، وتراجع فيه الدعاة والرعاة، عن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة السليمة، وعن الرعاية والحضّ على اتباع صراط الله المستقيم، وما ينتج عن ذلك من قلقٍ نفسي وتراجع في الصحة العامة، وينعكس كل ذلك على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، بل وفي العالم بأسره.  والعلاج الأكيد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله سفيان بن عبد الله: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فقال له الرسول الأعظم: "قل آمنت بالله ثم استقم" (رواه مسلم). والوصفة الربانية لكل أنواع الخوف والحزن والقلق: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" (الأحقاف – 13).

1.     فما هي الإستقامة

يورد موقع الألوكة محاضرة في الإستقامة للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق، يذكر فيها أقوال السلف الصالح في الإستقامة، نوردُ بعضها: قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "الإستقامة" هي أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب". وقول عثمان بن عفان، رضي الله عنه هي: "إخلاص العمل لله". وقول الحسن البصري، رحمه الله: استقاموا على أمر الله، فعملوا به، واجتنبوا معصيته". وقول وهب: "لا يكون همُّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته". وقول القشيري: "الإستقامة درجةٌ بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حالته، ضاع سعيه وخاب جهده". ويستخلص المحاضر إلى أن الإستقامة هي: 1- الإيمان الصادق بالله عز وجل. 2- الاتباع الكامل والإقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- أداء الفرائض والواجبات. 4- الإنتهاء عن المحرمات والمكروهات. 5- الإكثار من النوافل والتطوعات. 6- المداولة على أعمال الخير. 7- التوسط والإعتدال. 8- حفظ الجوارح وسجن اللسان. 9- السعي لتزكية النفس. 10- الإجتهاد في طاعة الله ونيل مرضاته.

 

2.     الدعوة للإستقامة

يقول تعالى: "وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله..." (الأنعام – 153). وفي سورة هود يقول الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام: "فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك إنه بما تعملون بصير" (هود – 112) ويقول ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية الأخيرة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آيةٌ كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قالوا له: قد أسرع إليك الشيب؟! فقال: "شيبتني هود وأخواتها". وفي سورة الشورى يقول تعالى: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم" (الشورى – 15). وفي هاتين الآيتين من سورة هود والشورى، أمرٌ واضح وجلي، لخير خَلْق الله أجمعين، رسوله الخاتم بالاستقامة، له ولمن تاب معه من قومه، ولعامّة المؤمنين من بعده. وفي آية الشورى تأكيد على أهمية الاستقامة في الدعوة إلى الله والإيمان به والعمل الصالح، وإذا كان الأمر فيها مباشراً للنبي المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهي من بعده لعلماء المسلمين والدعاة فيهم، أهمّ وأولى حتى يتبعوا ما أمر الله به نبيه الأكرم ويلتزموا به. وفي سورة فصِّلت الأمرُ بالاستقامة للمسلمين، في قوله تعالى لنبيّه المصطفى: "قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه، وويلٌ للمشركين" (فصلت – 6).

3.     الصراط المستقيم

يقول تعالى في سورة الفاتحة: "إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستفيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين* (الفاتحة – 5 – 7). يتكرر هذا الدعاء في كل ركعة من صلوات المصلّي، وأقلّها سبعة عشر ركعة في اليوم، وهذا يشكل سرّاً من أسرار هذه السورة المباركة التي جعلها الله تعالى فاتحة كتابه الخاتَم، ولا تقوم صلاةٌ بغيرها، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (رواه البخاري ومسلم)، "ذلك لأن فيها من كليات العقيدة الإسلامية، والتصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجهات، ما يشير إلى طَرْفٍ من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها". (في ظلال القرآن – سيد قطب). وفي الآية: "إهدنا الصراط المستقيم" يقول: "...وفّقْنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل، وفّقْنا للاستقامة عليه بعد معرفته، فالمعرفة والاستقامة كلاهما ثمرةٌ لهداية الله ورعايته ورحمته، والتوجّه إلى الله في هذا الأمر، هو ثمرة الإعتقاد بأنه وحده المعين. ... فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين.. وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسِّق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الإتجاه إلى رب العالمين. ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم: "صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فهو طريق الذين قَسَمَ الله لهم نعمته... لا طريق الذين غَضِب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيّدتهم عنه، أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه.. إنه صراطُ السعداء المهتدين الواصلين". تجدرُ الإشارة إلى أنّ الله تعالى قد أنعم على جميع البشر من ذرية آدم نعماً لا تعد ولا تحصى، نِعَماً عامة (كتسخير كل ما في الكون من حيوان ونبات وسماء وماء وهواء، ومن تعاقبٍ لليل والنهار حيث جعل الليل سكنا، والنهار سعيا للعمل والكسب...)، فهي لكل عبادة بدون استثناء، ونعماً خاصة تختلف بين إنسان وآخر (كنعمة الصحة والمال والعلم...). ولكنه لم يُعطِ نعمة الإيمان إلا لمن أحبّه، ونعمة الإيمان أساسها عبادة الله كما أمر. ولذلك سبقت الآيةُ: "إياك نعبد وإياك نستعين" الدعاء بطلب الهداية "إهدنا الصراط المستقيم".

والصراط المستقيم طريق الله تعالى، وهو طريق واسعٌ وآمن، ولا يزيغ عنه إلا هالك، لذلك لم يستثنِ الله عز وجل منه إلا مجموعتين من البشر: "المغضوب عليهم" و"الضالين". فالمغضوب عليهم، هم اليهود الذين خرجوا عن دعوة موسى عليه السلام، كما يقول العلماء. وهم أيضاً كلُّ من عَمِلَ بعملهم أو قاتل نبياً من أنبياء الله تعالى، عليهم السلام أجمعين. والضالّون هم النصارى الذين زعموا أن نبيهم عيسى بن مريم هو ابن الله، فعبدوه، وهم أيضاً كل من اتخذ رباً أو إلهاً من دون الله، كما جاء في قوله تعالى: "وقالت اليهود عزيزٌ ابن الله، وقالت النصارى المسيحُ ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون* اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عمّا يشركون" (التوبة – 30 – 31).

4.     محاور الاستقامة

-         استقامة القلب: فالقلب مستودع الإيمان، ومنطلق الإخلاص في القول والعمل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (رواه أحمد)، ويقول أيضاً: "الإيمان هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل" (رواه البيهقي) والقلبُ هو خزّان الشعور والعواطف، والتعقّل والتفقه، ويقول أحد الحكماء: "ضعْ قليلاً من العاطفة على عقلك حتى يلين، وضعْ قليلاً من العقل على قلبك حتى يستقيم". والإيمان بالله رباً وخالقاً ومدبراً لهذا الكون، مستقرُّه في القلب، وهو منطلق الطريق للاستقامة. والنبّي عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم).

-         استقامة الجوارح: ويشمل ذلك الكف عن الغيبة والنميمة والبهتان وشهادة الزور،وعن التجسس على الآخرين، والسخرية منهم، والإبتعاد عن البخل والإسراف والتبذير. وعن كل ما نهى الله عنه من قتلٍ متعمّد للنفس الإنسانية، وانتهاءٍ عن الزنى، وعن أكل أموال الناس بالباطل، واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والظلم والكذب والغلوّ، واليأس والقنوط والحسد... وكل الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

-         استقامة الأخلاق والآداب: ويشمل ذلك بر الوالدين وصلة الأرحام، والعفو والإحسان، والعدل والأمانة، والنزاهة والتواضع، والصدق (مع الله ومع الذات ومع الآخرين)، والصبر والحياء والحِلْم، والوفاء بالعهود والتعاون على البر والتقوى والحضّ عليه. وكذلك الإلتزام بآداب الإسلام في البيع والتجارة، وفي الإختلاف في الرأي والحوار الهادف، وفي العلم والعمل، وفي الزواج والطلاق،وفي الطعام والشراب، وفي الزيارة والجوار، وفي البيوت والطرقات....

وقد ورد في كلّ ذلك آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة تُفصّل ذلك. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (رواه البخاري ومسلم).

باختصار شديد: الاستقامة هي الدين كله وهي لزوم طاعة الله. ولا بدّ أن يُحدث الإنسان شيئاً من التقصير، رغماً عنه أو بإرادته، مستصغراً ذلك (علماً أن العلماء يقولون: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الإستغفار)، وقد شرع الله تعالى الإستغفار حيث يقول عزّ من قائل: "فاستقيموا إليه واستغفروه" (فصلت -6)، فالاستقامة لا تتوفر كاملةً لمعظم الناس، لذلك كان الإستغفار يُذهب ما حصل من تقصيرٍ أو نقصٍ أو إفراطٍ أو تفريط.

5.     محفزات ومعوقات على تحقيق الاستقامة

لمّا كان الصراط المستقيم هو الطريق إلى الله، فهو طريق سالك دائماً، واسع وآمن، تحفّه عن اليمين والشمال ملائكة التوبة إلى الله، والإستغفار من كل ذنب أو معصية. يتعاون سالكوه فيما بينهم على كل عملٍ صالح فيه الخير والنفع للناس، ولا ضرر فيه ولا ضرار، وفي تعاونهم يشدّ بعضهم أزْرَ بعض، في حب الله وطاعته، يتناصحون في الله ولله، ويظلّلهم الدعاء الصالح.

المحفزّات في هذه الطريق أعلاها الإيمان بالله وعدم الشرك أو الكفر، وعبادته حق العبادة. ويلي ذلك الإعتصام بحبل الله المتين. يقول تعالى: "وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم" (آل عمران – 101).

يقول تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وُسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكّرون * وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله..." (الأنعام – 152 – 153).

آيتان كريمتان تجمعان في كلماتهما ستُّ محفزات أساسية في اتباع الصراط المستقيم. لا بد منها وهي: أولاً – عدم التعدي على مال اليتيم، وفي قول أعمّ، عدمُ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل. وثانياً، - الوفاء بالمكيال والميزان بالقسط، وقد ورد التأكيد على ذلك في آيتين كريمتين في سورة الشعراء: "أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم" (الشعراء – 181 – 182). وفي سورة المطففين، تُفتتح السورة بـ"ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون*" (المطففين – 1- 3). ثالثاً - تأكيد على أن يأتي الإنسان ما أُمر به قدر الإستطاعة. والاستطاعة –في كل شيء – تختلف بين إنسانً وآخر. رابعاً - العدل في القول والحكم بين المتخاصمين وبين الناس بالعدل. "فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا" (النساء – 135)، وفي سورة المائدة: "ولا يجرمنّكم شنئان قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله" (المائدة – 8). وضرب الله مثلاً "رجلين أحهما أبكمُ لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم" (النحل – 76). خامساً - الوفاء بالعهد والتأكيد على ذلك ورد في عدة آيات: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا" (الإسراء – 34). وفي مطلع سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..." (المائدة – 1). ويؤكد القرآن الكريم على الاستقامة في العهود التي أُبرمت ولو مع المشركين لقوله تعالى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين" (التوبة – 7). أما المحفز السادس، فهو الوسطية والإعتدال. يُروى عن ابن مسعود أنه قال: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده، ثم قال هذا سبيلُ الله مستقيماً، وخطّ خطوطاً على يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبُل ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبُلَ فتفرّق بكم عن سبيله" (رواه الإمام أحمد). وجاءت الآية 143من سورة البقرة لتصفَ الأمةَ الإسلامية التي تسيرُ على صراط الله المستقيم بالأمة الوسط، حيث يقول تعالى: "...قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداءَ على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة – 142- 143).

والشكر على نعمة الله من المحفزات في السير على صراط الله المستقيم. وأبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام، كان قدوة بين الأنبياء والمرسلين، إماماً في الخير طائعاً خاضعاً، قانتاً منيباً لله رب العالمين، شاكراً لأنْعَم الله عليه. اختاره الله لرسالته وأرشده إلى الطريق المستقيم. يقول تعالى: "إن ابراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيم * (النحل – 120ى- 121). وفي آية أخرى يوجه الله تعالى الخطاب إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: "قل إنني هداني ربّي إلى صراطٍ مستقيم، ديناً قِيَماً ملّة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين* (الأنعام – 161).

 

أما المعوّقات فنذكر منها ما جاء في الآية الكريمة: "فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك، ولا تطغوْا، إنه بما تعملون بصير" (هود – 112). فالطغيان صفة الجبابرة، كما جاء في وصف فرعون "إذهبا إلى فرعون إنه طغى" (طه – 43)، وصفة الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى" (النازعات – 37 – 39). وصفةُ بعضِ من استغنى: "كلا إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى" (سورة العلق – 6 – 7).

ومن المعوّقات أيضاً الكفر والظلم. يقول تعالى: "إن الذين كفروا وظلَموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنّم خالدين فيها أبدا، وكان ذلك على الله يسيرا" (النساء – 168). ويقول أيضاً: "ولا تركنوا إلى الذين ظلَموا فتمسّكم النارُ وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون" (هود – 113). فالكفرُ والظلمُ من أشدّ ما يُخرج الإنسان عن الطريق المستقيم الذي ارتضاه ورسمه اللهُ تعالى لعباده الصالحين.

ومن معوقات سلوك الاستقامة التطرف والغلو، والإفراط والتفريط، والله تعالى يقول: "قل يا أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل" (المائدة – 77). والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الدين يُسرٌ، ولن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا" (رواه البخاري) ذلك أن اتباع الهوى، وركوب الشهوات في إفراط أو تفريط يؤدّي بالإنسان إلى الإنحراف عن طريق الاستقامة التي هي طريق الاعتدال والوسطية.

6.     ثمار الاستقامة

-         يقول تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون* نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفور رحيم*" (فصلت 30 -32). في هذه الآية الكريمة بشّر الله عباده المؤمنين الملتزمين صراطَه المستقيم:

-         بإنزال "الملائكة" عليهم والله تعالى يقول "ما ننزل الملائكة إلا بالحق.." ولذلك فهو وعدٌ حقّ وتأكيد قاطع، والملائكة جندُ الله ينزّلهم عند كل أمر عظيم.

-         "ألا تخافوا" من ذنوبكم التي سبقت، ومن ظروفكم الحاضرة مهما قست، ومما قد يكون أمامكم من عذاب ونَصَب في هذه الحياة الدنيا ولا ما خلّفتم فيها من أموال وأولاد، طالما أنكم على صراط الله المستقيم.

-         "ولا تحزنوا" على ما فاتكم ولا ما أصابكم في دفاعكم عن الحق  وجهادٍ في سبيل الله، ولا ما فاتكم من نصرٍ على أعداء الإسلام والمسلمين، أو ما أصابكم من عذابٍ على أيدي المشركين ولا تحزنوا على ما تخلّفونه بعد الموت من أمور الدنيا.

وفي آية أخرى يقول تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

-         وأبشروا بالجنة، لأن الطريق إلى الجنة هي صراطُ الله المستقيم، طالما أنكم حملتم الإيمان في قلوبكم واستقمتم على الإتيان دائماً بما أمر الله تعالى وانتهيتم عما نهى عنه، فصدّق عملُكم إيمانَكم. والبشارة في الجنة هي أعظم بشارة يبشِّر اللهُ بها عبادَه "الذين آمنوا وجاهروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم..." (التوبة – 20).

-         يقول تعالى: "وأما القاسطون فكانوا لجهنّم حطبا * وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً" (الجن – 5) أي أن الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق، وخضعوا لأوامر الله تعالى، وسلكوا طريق الحق والصواب، الذي هو طريق الاستقامة لأنزلنا عليهم ماءً كثيراً (والله تعالى خلق من "الماء كل شيء حيّ") أي لوسّعنا عليهم الرزق في الدنيا، ويتبع ذلك قوله تعالى: "لنفتنهم فيه،.." أي لنختبرهم كيف يشكرون نِعم الله عليهم.

-  ويقول الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (أخرجه الحاكم في مسندركه). وقال بعض العلماء لن تحصوا الخيرات المتأتية من استقامتكم. وقال بعضهم الآخر: لن تحصوا الاستقامة، وفي كلا التفسيرين خير. ففي الأول أنّ جزاءَ العبد عند ربه على استقامته كثيرٌ وكبيرٌ جداً. وفي الثاني أن الإنسان لا يصل إلى درجة الكمال، مهما بذل من جهد وقدّم من عطاء. فالكمال لله وحده. والمبدأ الرباني هو أن يبذل الإنسان ما في وسعه، لأن الله تعالى "لا يكلف نفساً إلا وسعها".

 

خاتمة

لا شك في أن الحضارة الحديثة قد فتحت أبواب التواصل على مصراعيها فاتجهت في غالبها إتجاهات لا تبشر بخير، منها ما ينقل الأخبار والوقائع مع تحريف أو تشويه أو زيادة أو نقصان، ومنها ما يغلب عليه "الظن وما تهوى الأنفس" (النجم – 23)، ومنها ما ينشر الفاحشة والرذيلة و.... . وكل ذلك يعيقُ سلوكَ طريق الاستقامة ويجنحُ نحو الإنحراف عن الفطرة السليمة. لذلك وجب على الرعاة العاملين والرعاة الصالحين أن لا يُهملوا – في دعوتهم إلى الله وفي رعايتهم لرعيتهم – وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة، ويقدّموا ثمار سلوك طريق الإيمان وطريق الاستقامة، على الفرد وعلى المجتمع، بأسلوب حديث، ويظهّروا ذلك بطريقة عصريه ممتعة، تناسب جميع الأعمار. وقد بدأت بعض المواقع وبعض المؤسسات الاسلامية في استعمال هذه الوسائل، وهي بحاجة إلى تطويرٍ وتنشيطٍ متواصليْن. فالإسلامُ يأمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، إذ لا يجوز لنا أن نعتقد أن أسلوباً واحداً في الخطاب قد يكون مناسباً لجميع الناس، لحثّهم على الإيمان والاستقامة. عن ابن مسعود قال: "ما أنتَ بمحدّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغُه عقولُهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (صحيح مسلم). وما يجتاح العالمَ حاضراً وفي السنوات الأخيرة من أزماتٍ متتالي: إقتصادية واجتماعية وصحية وفكرية وأخلاقية و.... متتالية، يوجب تقديم إيجابيات الإيمان بالله والاستقامة على طريق الله، بأسلوب عصريّ، ومنهجيّةٍ حديثةٍ متكاملة. والعجبُ كل العجب أن العديد من علماء الغرب والمدركين لما يجري في العالم،أصبحوا يؤشّرون إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة منذ أربعة عشر قرنٍ من الزمان، وأنّ ذلك يشكّل حلّا لهذه الأزمات المتتالية، بل ويستنبطون منهما علاجها .

فهل نحن عاملون!؟.