قراءة في آية 9 02 September 2020

"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت، وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً، فجعلناها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يتفكرون" (يونس – 24)

آية كريمة، من ربّ العالمين، نزلت على قلب سيّد المرسلين، لتنذر الخلق أجمعين، فيها تأكيد وتذكير يتكرران في القرآن الكريم، نذكرُ منهما، في سورة الكهف: "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء، فاختلط به نباتُ الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح..." (الكهف – 45). وفي سورة القلم، إذ يضرب الله تعالى المثل بأصحاب الجنة – البستان - التي نوى أصحابها أن يقطفوا حصادها، فتهامسوا فيما بينهم أن يمنعوا المساكين من دخولها، "فطاف عليها طائفٌ من ربّك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم..." (القلم – 19 – 20)، أي أنها احترقت وأصبحت سوداء كالليل المظلم، وما ذلك إلا بظلمهم، وقصدهم السيء بمنع المساكين من دخولها وإطعامهم منها. وكذلك قصة الرجلين اللذين جعل الله تعالى "لأحدهما جنتين (بستانين) من أعناب وحففناهما بنخلٍ، وجعلنا بينهما زرعا" (الكهف – 32)، لكن صاحب هذا البستان كفر بنعمة الله تعالى، ونَسَبَ ذلك لنفسه، بل وأنكر قيام الساعة، فأخبره صاحبه المؤمن بسوء عاقبة ذلك، فلم يعتبر. فكانت النتيجة "وأحيط بثمره، فأصبحَ يقلّب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها، ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً" (الكهف – 42).

هذه الأمثلة وغيرها في القرآن الكريم تساعد في الدلالة على قدرة الله عز وجل المطلقة كي لا يضيعَ الإنسانُ عن جادّة الصواب، ويخرجَ عن صراط الله المستقيم، وللتذكير بأن الله لا يهلك القرى الظالمة، إلا بعد إرسال الرسل إليهم: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" (الإسراء – 15)، والله تعالى أرسل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، خاتم الرسل أجمعين لقومه ولمن بعدهم، وجعله بذلك رحمة للعالمين كافة. وفي آية أخرى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم، وأهلها مصلحون" (هود – 117)، أي أن الله تعالى لا يهلك قرية من القرى وأهلها مجتنبون للفساد والظلم، ومصلحون لغيرهم ولبعضهم بعضاً، وإنما يهلكهم بسبب ظلمهم وفسادهم. وآية ثالثة من سورة هود أيضاً تؤكد على نفس المعنى: "وكذلك أخذ ربك القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليمٌ شديد" (هود – 102).

أما الآية التي نحن بصدد "القراءة" فيها من سورة يونس، فهي أوسع، وأشمل وأعمّ، لأنه جل وعلا يذكر "الأرض" و"زخرفها" وقد "تزينت" بناطحات السحاب، والأبراج العالية، وتحصنت بالقلاع والحصون، والأسوار العظيمة، والطاقات المختلفة، وازدادت قوتها بالتكنولوجيا الحديثة... وأدخل علماؤها الشرائح الإلكترونية في الجسم البشري، وتمكنوا من نقل الأعضاء البشرية من جسم إلى آخر، واخترعوا الإنسان الآلي ولا يزالون يطوّرون خدماته، "وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها" أي ظنّ أهلها أي (قادة الشعوب وعلماء المادة فيها) أنهم بناة الحضارة الإنسانية، فكرّموا من بايعهم، وظلموا من عاداهم، وأعطوا من أيّدهم، ومنعوا من نصحهم، وقرّبوا من نافقهم، وأبعدوا من صارحهم، ولم يقيموا الشورى السليمة بينهم وحولهم، وقدموا مصالحهم الشخصية أو الفئوية على المصلحة الإنسانية العليا التي شرعها رب العالمين، فانتشر الفساد في بقاع الأرض، وغارت الحقيقة في الوديان والبراري، وتراجع المصلحون أمام هجمة الفاسدين والمفسدين. عندها "أتاها أمرُنا فجعلناها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس". وتختم الآية الكريمة: "كذلك نفصل الآيات لقومٍ يتفكّرون".

جاء في ظلال القرآن: "هذا هو الماء ينزل من السماء، وهذا هو النبات يمتصه ويختلط به فيمرع  ويزدهر. وها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين لعرس وتتبرج، وأهلها مزهوون بها، يظنون أنها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزينت، وأنهم أصحاب الأمر فيها، لا يغيّرها عليهم مغيّر، ولا ينازعهم فيها منازع. وفي وسط هذا الخصب، وفي نشوة هذا الفرح، وفي غمرة هذا الاطمئنان الواثق "أتاها أَمْرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لمْ تَغْنَ بالأمس" في ومضة، وفي جملة، وفي خطفة.. وذلك مقصود في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان.

وهذه هي الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس، ويضيّعون الآخرة كلها لينالوا منها بعض المتاع، هذه هي لا أمن فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار، ولا يملك الناس من أمرها شيئاً إلا بمقدار، هذه هي".

ومن العِبَر التي يمكن استخلاصها قول العلامة الشيخ محمد رشيد رضا، رحمه الله تعالى وطيّب ثراه، حيث يقول في تفسير المنار: "..كهذا المثل في جلائه وتمثيله لحقيقة حال الحياة الدنيا، وغرور الناس فيها، وسرعة زوالها، عند تعلُّق الآمال بنوالها، أي نفصّل الآيات في حقائق التوحيد، وأصول التشريع، وأمثال الوعظ والتهذيب، وكل ما فيه صلاح الناس في عقائدهم، وأنفسهم، وأخلاقهم ومعاشهم، واستعدادهم لمعادهم، لقومٍ يستعملون عقولهم وأفكارهم فيها، ويزِنون أعمالهم بموازينها، فيتبنّون ربحها وخسرانها. والعبرة لمسلمي عصرنا في هذه الآيات البينات المنزَلة وأمثالها، التي اهتدى بها الشعب العربي، فخرج من شِركه وخرافاته، وأمّيته وبداوته، إلى نور التوحيد والعلم والحكمة والحضارة، ثم اهتدى بدعوته إليها الملايين من شعوب العجم، فشاركته في هذه السعادة والنِعم" ثم يضيف: "ولو تفكّروا لاهتدوْا وإذاً لَعَلِموا أنّ كل ما يشكو منه البشر من الشقاء بالأمراض الاجتماعية (ومنها الصحية والاقتصادية ...) والروحية، والرذائل النفسية والعداوات القومية، والحروب الدولية، فإنما سببه التنافس في متاع هذه الحياة الدنيا، وأنّ من تفكّر في هذا، وكان على بصيرةٍ منه، فهو جدير بأن يلتزم القصْدَ والاعتدال في حياته الدنيوية المادّية، ويصرفَ جلّ مالِه وهمته في إعلاء كلمة الله، وعزّة أهل مِلّته، وقوة دولته، والاستعداد لآخرته، فيكون من أهل سعادة الدارين" (تفسير المنار – 284/11).

وإذا جاز لي في قراءة هذه الآية، وتفسيرها، وحول ما يجري في العالم في هذه الأيام، من انتشار وباء فيروس الكورونا، الذي يجتاح العالم في جميع أصقاعه، بدون تمييز، وهو وجهٌ من وجوه الأمراض الصحية والاقتصادية والعلمية بل والفكرية أيضاً... التي يشكو منها الناس في العالم، فلنتذكر أن الله تعالى يُمهل، وينبّه، ويُحذّر، ويُنذِر، ولا يُهمل. وأنه "ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة". (منار القاري، شرح صحيح البخاري).

1.    أمثلة من قصص الأمم السابقة في القرآن الكريم

ذكر الله تعالى قصص أقوامٍ سبقوا نزول القرآن الكريم، وأخذهم الله بذنوبهم:

-         قوم نوح عيه السلام: كذّبوا نبي الله نوحاً ردحاً طويلاً من الزمن، وقالوا له: "إنا لنراك في ضلال مبين" (الأعراف – 60)، فأوحى إليه ربُّه أن يصنعَ الفلك، ويأخذ معه فيه من آمن، ومن كلٍّ زوجين اثنين، فينجو هو ومن معه في الفلك، ويُغرق الله تعالى بالطوفان، جميع الباقين، بمن فيهم ابن نوح عليه السلام لأنه لم يؤمن، ولم يسمع لنصيحة أبيه.

-         قوم لوط عليه السلام، فبعد أن انتشرت فاحشة اللواط بينهم، وبعد أن حاول نبي الله لوط عليه السلام ثنيهم عن ذلك، فلم ينتصحوا ولم ينتهوا، أرسل الله عليهم الحجارة من السماء، فقضى عليهم، ولم ينجُ من ذلك إلا لوطٌ عليه السلام "وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين" (الأعراف – 83).

-         قوم عاد وقد أرسل الله تعالى لهم نبيّه هوداً عليه السلام، فكذبوه، وقالوا له: "إنا لنراك في سفاهةٍ، وإنا لنظنك من الكاذبين" (الأعراف – 66)، ولم ينفع معهم كل جهدٍ، وما ذكّرهم به هودٌ عليه السلام ودعاهم إليه، فأرسل الله تعالى عليهم: "ريحاً صرصراً في يوم نحسٍ مستمر*تنزع الناس، كأنهم أعجاز نخلٍ منقعر" (القمر – 19 – 20)، وأنجاه الله ومَن معه مِن هذه الريح: "برحمة منّا، وقطعنا دابر الذين كذّبوا بآياتنا" (الأعراف – 72).

-         أهل مدين، وقد دعاهم نبي الله شعيب عليه السلام، قائلاً لهم: "وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تُفسدوا في الأرض.." (الأعراف – 85)، فكان ردّ طائفة المستكبرين منهم: "لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتعودنّ في ملّتنا.." (الأعراف – 88). فأنزل الله تعالى عقابه فيهم: "فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين" (الأعراف – 91)، أي أخذهم الله بزلزلة شديدة، فأصبحوا في ديارهم صرعى ميتين.

-         قوم ثمود، وقد أرسل الله تعالى لهم نبيه صالحاً عليه السلام، وكانوا يعبدون الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، وجاءهم بمعجزةٍ من الله تعالى أمام أعينهم، إذ دعا ربه، فأخرج لهم من الصخرة ناقة عظيمة وطلب إليهم أن يتركوها ترعى في أرض الله الواسعة، وجعل لهم شِربُ يومٍ معلوم، وللناقة شِربُ يومٍ آخر، "فكذبوه، فعقروها*فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها*ولا يخاف عقباها" (الشمس – 14 – 15)، فأرسل الله تعالى عليهم "صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر" (القمر – 31) (أي كالزرع اليابس).

2.    أمثلة من قصص بعض الجبابرة في القرآن الكريم

ذكر الله في القرآن الكريم قصص بعض الجبابرة، الذين عثوْا في الأرض فساداً، وأخذهم الله تعالى بذنوبهم أخذ عزيزٍ مقتدر:

-         فرعون، ملك مصر ووزيره هامان: "وقال فرعون يا أيها الملأُ ما علمتُ لكم من إله فغيري، فأوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحاً لعلي أطّلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين" (القصص – 38)، فكانت معجزة الله تعالى لنبيّه موسى بأن ضرب البحرَ بعصاه، فانفلق، ليعبُر موسى وجنوده بسلام، وليُطبق اللهُ البحرَ على فرعون وجنوده. وتبقى جثة فرعون في البحر آلاف السنين دليلاً صادقاً، وتذكيراً لكل جبارٍ في الأرض، وتصديقاً لما جاء في القرآن من إعجازعلمي وتاريخي، إذ يقول تعالى: "حتى إذا أدركه (أي أدرك فرعون) الغرقُ قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين*آلآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون" (يونس – 90 – 92).

-         قارون، وكان من قوم موسى، "فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأبالعصبة أولي القوة، إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين" (القصص -76). فأخذته العزّة بنفسه. وزعم أن هذه الكنوز هي ثمرة جهده وسعيه، وثمرة علمه وخبرته في كسبِ المال، فقال: "إنما أوتيتُه على علم عندي، أوَ لم يعلم أن الله قد أهلك مِن قَبله مِنَ القرون مَن هو أشدّ منه قوةً وأكثر جمعاً، ولا يُسئل عن ذنوبهم المجرمون" (القصص – 78). فالرزق كلّه في السماء رزقُ الله، يسوقه لمن يشاء، وعندما يشاء، وكيفما يشاء، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" (الذاريات – 22). فكانت النتيجة أن خسف الله "به وبداره (حيث كانت كنوزه مخبأة) الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين" (القصص – 81).

-         النمرود بن كنعان، وهو من أوئل جبابرة الأرض، حكم بابل في العراق في القرن الثاني قبل الميلاد، وذكرت التوراة قصته، وادّعى الربوبية. كما وردت قصته في القرآن الكريم في سورة البقرة (الآية – 258)، في مناظرة مع نبي الله إبراهيم عليه السلام، حيث يذكر المفسرون، أن النمرود سأل إبراهيم عليه السلام: ماذا يفعل ربك هذا؟ فقال إبراهيم "ربي الذي يحيي ويميت"، فقال النمرود: و"أنا أحيي وأميت"، وأمر النمرود حرّاسه بإحضار مسجونيْن محكوم عليهما بالموت، فأطلق سراح أحدهما، وأمر بإعدام الآخر، متصوراً أنه سالبٌ روحه، وجهِل أن الروح بأمر الله. فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً فأحيي الذي قتلتَه. فقال النمرود: وماذا يفعل ربُّك أيضاً؟ فردّ إبراهيم عليه السلام أن "اللهَ يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فبُهتَ الذي كفر". وبعث الله إليه ملكاً يأمره بالإيمان بالله، فأبى، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم دعاه الثالثة فأبى، فقال: اجمعْ جموعك وأجمعُ جموعي. فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس. فأرسل اللهُ عليه ذباباً من البعوض بحيث لم يروْا عين الشمس، وسلّطها اللهُ عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاماً بادية. ودخلت واحدةٌ منها في منخر النمرود، ومكثت في منخره أربعمائة سنة، عذّبه الله تعالى بها. فكان يُضرب رأسُه بالمرازب كل هذه المدة حتى أهلكه الله عز وجل (في رواية عن ابن كثير). (المرازب – جمع مرزبة وهي المطرقة الكبيرة).

3.    بعض الكوارث في العصر الحديث

-         الحرائق الكبيرة، التي ضربت قارة أوستراليا في أكثر من 10 آلاف هكتار، ودمّرت ما يقارب الـ5900 منزل. وحرائق في غابات الأمازون وشمال البرازيل، وقد سجلت هذه الحرائق في شهر تموز 2019 زيادة بأكثر من 278% عن حرائق الغابات في شهر تموز من العام 2018. ويجمع علماء البيئة على أن غابات الأمازون تلعب دوراً مهماً في الاستقرار المناخي في العالم.

-         التسونامي: وقع في أندونيسيا تسونامي عام 2004 أدى إلى مقتل 168 ألف شخص بسبب زلزال في المحيط الهندي بلغت قوته 9,2 درجة، ما أدى إلى ارتفاع مستوى الموج في البحر إلى أعلى من 15 متراً وأغرق المنازل، والمباني المجاورة على الشواطئ. والتسونامي الذي ضرب اليابان عام 2011، ضرب منطقة توهوكو بسبب زلزال بلغت قوته 8,9 درجة، ونجم عنه أكثر من 1000 قتيل، وتدمير مطار سنداي ومؤسسات ومنازل وتسجيل نسبة عالية من الخسائر المادية.

-         الأوبئة، فقدعرف العالم انتشار الأوبئة منذ قديم الزمان. نذكر منها الطاعون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما فيه من عبرٍ كثيرة. فقد خرج عمر بن الخطاب إلى الشام وكان في يسَرْغ ولقيه الناسُ وأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. فدعا المهاجرين الأولين، ثم الأنصار، فاختلفوا فيما بينهم بين من رأى الرجوع، ومنهم رأى مواصلة الطريق إلى الشام. ودعا من بقي من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. "فنادى عمر بالناس إني مصبح على ظهر (أي مغادر) فأصبِحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرار من قدر الله؟ فقال عمر: نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تُقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه. واستشهد في هذا الوباء عدد كبير من الصحابة الكرام عليهم رضوان الله أجمعين (منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم). وفي القرن التاسع عشر عرف العالم وباء الكوليرا حيث بدأ في الهند وفي أمريكا الشمالية، ومات خلالها ما يزيد على 25 مليون نسمة، ثم الإنفلونزا في عام 1918 ومات فيها ما بين 40 إلى 50 مليون مصاب، وتُعرف بالكارثة الطبية الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية. والجدري الذي تسبب بالعمى والوفاة لملايين الأشخاص قبل اكتشاف العلاج واللقاح.

ومع تقدم العلم، وظهور أوبئة أخرى، وسرعة اكتشاف العلاج لها، تراجعت أرقام الوفيات، فظهر وباء أنفلونزا الخنازير، ثم وباء إيبولا، ووباء زيكا ووباء سارس وآخرها وباء كورونا.

-         فيروس كورونا، ظهر بداية في العام 2012، وفي 24 نيسان، نشرت منظمة الصحة العالمية أنه تم تشخيص 254 حالة مؤكدة في العالم توفي منها 93 شخصاً. واعتباراً من تموز 2015 بدأ رصد انتشاره في 21 دولة في العالم. وفي كانون الأول من العام الماضي 2019، تم الابلاغ إلى منظمة الصحة العالمية عن الإصابة الأولى بفيروس كورونا الجديد في ووهان في الصين، وأصبح يُعرف بـ "كوفيد 2019". وخلال أقل من ثلاثة أشهر، انتشر هذا الفيروس في 174 بلداً ومنطقة في العالم، وأصاب ما يزيد على 500 ألف شخص، توفي منهم ما يزيد على أربعة وثلاثين ألف شخص حتى كتابة هذه السطور 30/3/2020 والتزايد مستمر بوتيرة عالية. والخطورة الكبيرة تكمن في أن المصاب بالمرض يبقى ما بين 4 أيام إلى 27 يوماً، حاملاً للفيروس، بدون عوارض تذكر، وغير مُدركٍ لإصابته، وبالتالي يَنقل الفيروس إلى كل من يلتقيهم، وفي ذلك خطورة الانتشار السريع جداً الذي يشهده العالم اليوم. ولا يوجد وباء في العالم تُعرف له حتى الآن هذه القدرة على الانتشار بهذه السرعة، وهذه القوة في التأثير على المحيطين.

4.     "فأهلكناهم بذنوبهم"

يقول تعالى مخاطباً البشرية جمعاء: "ألم يروْا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكّناهم في الأرض، ما لم نمكّن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم، فأهلكناهم بذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين" (الأنعام – 6).

واليوم نعيش عصراً كَثُر فيه الاستعلاء، وقلّت فيه القيم، يحكُمُ العالَمَ فيه قادةٌ وعلماء، همّهم الأول، وهدفهم الأكبر، مصالحهم الفئوية، الحزبية، أو الطائفية أو...، المقدَّمة على مصالح الآخرين من الأحزاب والطوائف والدول والشعوب الأخرى، وما يتبع ذلك من تمسّكٍ وبقاءٍ في السلطة واستغلالٍ لها. يصنعون الحروب العسكرية والعلمية والبيولوجية والاقتصادية، والخدماتية والتكنولوجية والبيئية... ليحققوا مكاسبهم الذاتية، غير آبهين بالضحايا والخسائر والأضرار التي تنزل بالآخرين. فانتشرت العداوات بين الشعوب وتأصّلت في النفوس، وازداد البلاء، وانتشر الوباء الذي لا يعرف حدوداً ولا يميز بين صديق وعدو.

سخّروا العلوم والمعارف والأبحاث العلمية والاكتشافات الحديثة لأهدافهم وحروبهم مع الآخرين، بدل أن تكون موجهة لنفع البشرية جمعاء، ولعمارة الأرض، كما أمر الله تعالى، حيث جعل الإنسانَ خليفةً في الأرض لأجل ذلك، وأرسل رسولَه الخاتم إلى الناس كافة ليكون رحمةً للعالمين. يُضاف إلى كل ذلك، نشرُ الفاحشةِ والرذيلة، والمجاهرة بالمعاصي، والبطر والترف، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانعدام القيم الأخلاقية في المجتمعات، والتراجع الكبير في الآداب العامة جرّاء ذلك، وفي العالَمِ كلّه، إلا من رَحِمَ ربي.

ولا عجب أن نرى بين المفكّرين الواعين في الغرب من غير المسلمين من يرى ذلك ويشير إلى أسبابه ومعالجاته:

-         أرنولد توينبي، توفي عام 1975، ويعتبر من أشهر المؤرخين في القرن العشرين يؤكد على أن الطغيان في البلاد والفساد الأخلاقي بين العباد هما السببان الرئيسان في انهيار الأمم بعد أن درس الحضارات الرئيسة في العالم (اليونانية والرومانية والعربية (الإسلامية) والأوروبية).

-         وبُعيد الأزمة المالية العالمية في العام 2008 كتب "بوفيس فانسون" رئيس تحرير مجلة "تشالينجر" مقالاً افتتاحياً، بعنوان "البابا أو القرآن" يقول فيه: "أظنّ أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل، لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها، لما حلّ بنا ما حَلّ من كوارث وأزمات، ولما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري، لأن النقود لا تلِدُ النقود". (وهذا مبدأ إسلامي بحت).

-         وكتب "رولاند لاسكين" رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال دفينانس" مقالاً افتتاحياً بعنوان "هل تأهّلت وول ستريت لاعتناق الشريعة الإسلامية؟" ينادي فيه بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجالين المالي والاقتصادي لوضع حدٍّ لهذه الأزمة التي تهزُّ أسواق العالم من جرّاء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة".

ونشرت صحيفة نيوزويك الأميركية تقريراً للطبيب كريغ كونسيدين في 17 آذار للعام 2020 في موضوع الكورونا والكوفيد-19، يقول فيه إن خبراء المناعة مثل الطبيب أنطوني فوتشي، والمراسلون الطبيون مثل سانجي غوبتا يقولون إن نظافة شخصية جيدة وحجر صحي هو أفضل الوسائل لتطويق كوفيد-19. وتابع قائلاً: "هل تعلمون مَن أيضاً اقترح النظافة الشخصية والحجر الصحي خلال انتشار الوباء؟ محمد نبي الإسلام، قبل 1400 عام ... ففي الوقت الذي لم يكن (النبي محمد عليه الصلاة والسلام) وبأي شكل من الأشكال خبيراً "تقليدياً" بشؤون الأوبئة المميتة، قدّم محمد (صلى الله عليه وسلم) نصائح لمنع ومواجهة تطورات مثل كوفيد-19، وأضاف التقرير: "محمد قال: إذا ما سمعتم بانتشار الطاعون في مكان خلال تواجدك فيه فلا تغادر هذا المكان. وقال أيضاً: المصابون بأمراضٍ معدية يجب إبقاءهم بعيداً عن الآخرين الأصحاء". وألقى التقرير الضوء على "أن النبي محمداً أيضاً شجع بقوة البشر الالتزام بالنظافة الشخصية التي ستُبقي الناس في مأمن من العدوى. أنظروا للأحاديث: "الطهور شطر الإيمان"، و"بركة الطعام تكمن في غسل اليدين قبل وبعد الأكل"... .

5.    "وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها"

بعد أن وصل الإنسان إلى القمر، وسبرأغوار المحيطات، وطوّر التكنولوجيا حتى أصبحت العلوم والمعارف على صعيد العالم كله في قبضة يده، وتطوّرت الإدارات والتحكم عن بعد، والتعليم عن بعد، وتراجع المستحيل خطوات كبيرة، وتقدّم الممكن والمحقّق، بأفضل المقاييس والمعايير في الجودة والإتقان. وبعد أن أصبح قادة العالم، يقبض كلٌّ منهم على جزءٍ من القوى والطاقات الفاعلة في العالم، المختزنة في جوف الأرض، أو المطوّرة علمياً، ويسعى لامتلاك أجزاء أخرى، (كالنفط والمياه والزراعة والصناعة والخدمات والتكنولوجيا الحديثة بكل فروعها...)، "وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً حصيداً كأن لم تغن بالأمس".

ويقول تعالى في سورة الأنعام: "ولقد أرسلنا إلى أممٍ من قبلك (الفقرة – 1) فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلهم يتضرّعون*فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قستْ قلوبهم، وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون*فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" (الأنعام – 42 – 44). أي أن الأمم السابقة عندما أعرضت عن أوامر الله، فتح الله عليهم أبواب الرزق والرخاء والبحبوحة، وظنوا أنهم أُوتوا كل ذلك على علمٍ عندهم (كما قال قارون)، ونسوا فضلَ الله عليهم، ونسوا الآخرة ويوم الحساب، أخذهم العذاب بغتة فإذا هم آيسون، منقطعون من كل خير.

من يتأمّل ملياً في سرعة انتشار فيروس كورونا، الذي لا يُرى بالعين المجردة، ولا يشعر الإنسان بعوارضه إلا بعد الإصابة بزمن قد يصل إلى 27 يوماً، وقد انتشر في العالم كله، والتقديرات العالمية بأنه قد يصيب نسبة عالية جداً من سكان العالم قد تصل إلى مليار مصاب، كما يقول البعض. وهذا ما اضطرّ أصحاب الشأن لإنفاق مئات المليارات من الدولارات لإيجاد العلاج، وتسبب في توقف الحركة التجارية العالمية، وألغيت المعارض والمؤتمرات، وأغلقت المدارس والجامعات، و..... ولا أحد يستطيع الآن أن يقدّر الخسائر المادية التي ستنجم عن انتشار هذا الفيروس.

من يتأمل كل ذلك، وهو بعضٌ من الواقع حتى الآن، يدرك أبعاد قوله تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر*وما أمرُنا إلا واحدة كلمح بالبصر*ولقد أهلكنا أشياعكم (أي أشباهكم في الكفر والمعصية) فهل من مدّكر (أي هل من متعظ)" (القمر – 49 – 51).

 

 

خاتمة

أختم بقوله تعالى: "وما نُرسلُ بالآيات إلا تخويفاً" (الإسراء – 59)، فهل نعتبر؟

-         يقول تعالى: "ما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون" (هود – 117)، إذ لا يكفي الصلاح الذاتي الفردي، بل على كل فردٍ أن يكون مصلحاً لرعيّته، وقدوةً لهم. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته..." (متفق عليه). وبالأخص فإن دور الدعاة أن يكونوا مصلحين للأمة، وقدوة حسنة لمن حولهم، ودور المستشارين حول القادة أن يكونوا بطانةً صالحة يصدعون بالحق، ولا يخافون في الله لومة لائم.

-         ورد في الحديث الشريف: "قالوا يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نَعم إذا كثُر الخبث"، أي المعاصي مطلقاً،وفي حديث صحيح آخر، يقول: "إن الناس إذا رأوُا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه"، ويقول تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد – 11)، فالتغيير في الأداء يبدأ على الصعيد الشخصي أولاً، ثم على الصعيد المجتمعي. وكلاهما مطلوب بإلحاح حتى يتراجع الخبث أمام الإصلاح المجتمعي، وحتى يرفع الله عنا البلاء. فما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة. يُروى أنه لما ضرب المدينة زلزال إبّان خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جثى على ركبتيه، ثم قام وجمع الناس، وخطب فيهم قائلاً: "أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه وذنب اقترفتموه. والذي نفسي بيده لو عادت لا أساكنكم فيها أبداً". (رواه ابن أبي الدنيا).

-         يقول تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء – 107). ذلك أن دعوة الإسلام جاءت للناس كافة، وفيها خير البشرية جمعاء. ولذلك من دعا من حكام الدول إلى عصبية أو قومية أو عرقية، فدعوته جاهلية، لا خير فيها، لأنها تقوم على إضعاف الآخر. والخَلْق كلهم عيال الله (أي أنه تعالى يُطعمهم)، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. والتنافس في القيادة مشروع ضمن الحدود التي شرعها رب العالمين، لقوله تعالى: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (المطففين – 26)، إذا كان هذا التنافس تنافساً في تقديم الخير للناس، وعلى أن لا يكون في ذلك ضررٌ على الآخرين، لأنه كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار" (متفق عليه).

-         يقول تعالى: "ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين" (الأعراف – 55)، ويقول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "لا يردّ القضاءَ إلا الدعاء" (رواه الترمذي). ويروى أن نبي الله سليمان عليه السلام، خرج يستسقي، فمرّ بنملة ملقاةٍ على ظهرها، رافعةً قوائمها إلى السماء، وهي تقول: "اللهم إنا خَلْقٌ من خَلْقك، ولا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب غيرنا". فقال سليمان عليه السلام لمن معه: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". وكما يُقال بأن الله يضع سرّ قوته في أضعف خلقه (جرثومة فيروس الكورونا تهدّد العالم بأسره)، فإنه تعالى أيضاً قد يضع سرّ قبوله الدعاء في أضعف خلقه. لذلك أُدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

-         ضرورة الأخذ بالأسباب المباشرة في سبيل الوقاية الذاتية، فالوقاية خيرٌ من قنطار علاج، وفي مكافحة انتشار الفيروس بعدم الاختلاط، والالتزام بتعليمات الأخصائيين في الحَجر الصحي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "فِرَّ من المجذوم كفرارك من الأسد" (أخرجه البخاري). وعلى علمائنا أن يسارعوا بالعمل على إيجاد الدواء واللقاح المناسبيْن لهذا الوباء، فإن الله تعالى: "ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواء، عَلِمه من عَلِمه، وجِهله من جهله" (أخرجه ابن حبان). فالوباء ليس فقط عقوبة قومٍ وحسب، بل هو أيضاً تحدٍّ لما وصلت إليه العلوم والتقنيات الطبية (فلا يظنّنّ أحدٌ أنه وصل إلى القمة)، يقول تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء-85)، وهو أيضاً دعوة للتوبة الصالحة: "وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنصرون" (الزمر – 54).