قراءة في آية 8 02 September 2020

"قد أفلح من زكاها"

"قد أفلح من زكاها" (الشمس – 9) آية كريمة من كتاب الله المبين، الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد" (فصلت – 42). آية سبقتها ثماني آيات، يقسم الخالق، جل وعلا فيها - وهو الغني عن كل قَسَمٍ ويمين – بآيات كونية، يعجز عن الإلمام بتفاصيلها وإدراك إعجازها، ذوو العقول النيرة والعلوم الباهرة والقلوب المبصرة.

1-    الأيْمان السبعة:

·        "والشمس وضحاها" (الشمس – 1). فالشمس كتلة متوهجة دائماً، لا تهدأ نارها رغم كل إشعاعاتها، هائلة الحجم، يبلغ قطرها 1.39 مليون كلم، وهي النجم المركزي في مجرّةً درب التبانة "إحدى المجرّات في هذه الكون الفسيح الواسع جداً جداً، والتي تضم الأرض والقمر وعدداً كبيراً من الكواكب الأخرى. وهي تبعد عن الأرض حوالي 150 مليون كلم. ولو نقصت هذه المسافة قليلاً لاحترق كل ما على الأرض، ولو زادت لتجمّد كل ما على الأرض، ولكانت الحياة على هذا الكوكب مستحيلة. والشمس تطلق في كل ثانية من الطاقة ما يعادل كتلة نار قدرها 4,444 ألف طن على شكل حرارات وإشعاعات. والقَسَمُ بالشمس عامّة تردّد عدة مرات في القرآن الكريم، وبنورها في هذه الآية خاصة وقت الضحى، وهو أهم أوقاتها ضياءً، وهو صدر النهار ووقت الكدّ والإنتاج.

·        "والقمر إذا تلاها" (الشمس – 2) والقمر كوكب يدور حول الأرض وهو أصغر من الأرض بحوالي خمسين مرّة، ويبعد عنها حوالي 384,000 كلم، ويتلقى نوره من الشمس ليعكسه على سطح الأرض، ولذلك فهو يتبعها (يتلوها) في الإضاءة. وإذا كان شروق الشمس يحدّد بداية النهار، وغروبُها يحدد نهايته، فقد جعل الله تعالى للقمر منازل، فهو يطلع في أول ليلة من الشهر القمري ضئيلاً، قليلَ النور ثم يزداد نوره ليلة بعد ليلة، حتى يتكامل نوره في منتصف الشهر القمري، ليعود فينقص تدريجياً إلى آخر الشهر، وكذلك الأمر يتوالى، شهراً بعد شهر، ليعلم الناس عدد الأشهر والسنين والحساب. "هو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" (يونس – 5).

·        "والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها" (الشمس 3-4). النهار والليل آيتان عظيمتان من آيات الله الكونية المعجزة، في وصفهما وتعاقبهما، وفي ميزات كل منهما. فالليل ميزته السكون والهدوء، والراحة والنوم، وفيه إفرازات في الجسم تَقوى، وأخرى تَضعُف. وكلّ ذلك بما يفيد الجسم ويجدّد الهمة والنشاط لنهارٍ جديد، سِمَتُه السعيُ والحركة، والعمل والحياة، والنور والطاقات الجسدية والعقلية وغيرها. ولو قدّر الله الحياة على ظهر الأرض بدون تعاقب الليل والنهار، لما استطاع الناس القيام بشيء في ظلام الليل إذا كان سرمدياً، ولانتفت خلافة الله في أرضه، وعمارة الإنسان لها. ولو كان النهار سرمداً مستمراً لهلكت أعصاب الناس، ولما استطاعوا الراحة والسكينة. وقد أثبت العلم الحديث أهمية تناوب الليل والنهار، واستقرار عمل الجسم في تعاقبهما.

·        "والسماء وما بناها * والأرض ما طحاها" (الشمس 5 -6) يتوالى في هذه الآيات الإعجاز العلمي الكوني في القرآن الذي ذكر ما توصل إليه العلماء الغربيون في القرن العشرين في نظرية الانفجار التي تلتها وصححتها نظرية الفتق والرتق. وهو ما ذكره القرآن الكريم منذ 1400 سنة، في الآية الكريمة: "أو لم يرَ الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون" (الأنبياء 30).

ست آياتٍ كونية عظمى، أقْسَمَ بها ربّ العالمين، لا تدرك العقول ولا الأبصار عظمتها. وهي تدلّ على عظمة خالقها، وعلى إعجازه في خلقها، وعلى إعجازه في ذكرها في كتابٍ يُتلى منذ أن نزل، "لا تنقضي عجائبه" إلى أن يرث اللهُ الأرضَ وما عليها. ثم يُتبِع الله تعالى هذه الأيْمان الستة، بقَسَمٍ سابع: "ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها" (الشمس – 7و8) وكأنه تعالى يريد بذلك أن يُعليَ من شأن هذه "النفس" في عطفها على الآيات الكونية، لأنها هي الهدف والغاية من هذه الأيْمان الكونية الست المتتالية، حتى يعلم كل إنسانٍ أن هذه النفس هي بيت القصيد ، فلا يتركها على هواها، بل يعمل دائماً على تزكية نفسه في سرِّه وعلانيته، كما شرع الله تعالى وكما بيّنه رسوله الكريم، ويستشعر أهمية ذلك في حياته الدنيا وفي الآخرة.

2-    أنواع النفس:

النفس – كما جاء في القرآن الكريم – ثلاثة أنواع: النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة:

النفس الأمّارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالانغماس في الشهوات والطمع في الملذات وارتكاب المعاصي وترك الطاعات والانجرار خلف المغريات في الحياة الدنيا، وتبعده عن فهم عواقب كل ذلك في الدنيا والآخرة على حدٍّ سواء. وهي النفس التي ذكرها الله تعالى في سورة يوسف، على لسان امرأة العزيز، التي راودت يوسف عن نفسه، فقالت: "وما أبرّيء نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم" (يوسف – 53).

والنفس اللوامة، هي النفس التي تقع في المعصية، لكن لا تستسلم لها ولا تنغمس فيها، ثم سرعان ما تعود إلى رُشدها، فتتوبُ إلى ربها، وتستغفرُ عن ذنوبها، وترجعُ عنها. لذلك تراها متقلبة بين ذنب واستغفار، ومعصية وتوبة. واللوّامة صفة مبالغة من فعل "لام" نفسه. فالنفس تهوى ما قد يضرّها، والله تعالى يقول: "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" (النازعات – 40). ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الكيِّسُ من دانَ نفسه وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسَه هواها وتمنّى على الله" (رواه الترمذي). والصحابي الجليل حنظلة الأسيدي خير مثال على هذه المرتبة، إذ لقيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذات يوم، فسأله: ما بك؟ فقال حنظلة: نافَقَ حنظلة. فسأله أبو بكر: لم تقول ذلك؟ فقال: لأننا نكون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسمع منه الذكر، فنكون في أحسن حال، ثم ما نلبث نمشي من أمامه، إلا وقد أخذتنا الدنيا بين أهلنا وأولادنا. فقال له أبو بكر: صدَقْتَ. ثم أخذه وذهبا إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وقصّا عليه ما جرى بينهما. فقال لهما النبي: "والذي نفسي بيده: إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات". رواه مسلم.

وأما النفس المطمئنة فهي أعلى درجات النفس وأرقاها. فالطمأنينة تسكِّن القلب في كل الظروف والأزمان، فتطيع أوامر الله وتنتهي عن نواهيه، تذكر الله تعالى في السر والعلن، وتؤمن بقضائه وقدره، وتستسلم لأحكامه بطيبة خاطر، ورضى كبير. أمرها كله خير، إذا أصابتها سرّاء شكرت، وإذا أصابتها ضرّاء صبرتْ، واحتسبتْ ذلك خيراً ودفعاً لسوءٍ أكبر، يسكنها دائماً حسن الظن بالله والاطمئنان للقائه والتصديق بوعده. وهي التي يُنادي عليها عند خروج الروح: "يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي" (الفجر 27 - 30).

والشهوات غذاء النفس، كما العلم غذاء العقل، والطعام غذاء الجسد، والإيمان غذاء الروح. وكلما كانت تلبية النفس في غذائها بالشهوات بالحلال، كلما ابتعدت النفس عن أن تكون أمارة بالسوء، واقتربت من النفس المطمئنة. وشهوة المال تكون في كسبه بالحلال، والبعد عن الحرام، وشهوة السلطة إطارها الحكم بما أنزل الله، والعدل بين الناس، والبعد عن الظلم والطغيان، وشهوة الجنس حلالها بالزواج على سنة الله ورسوله، والبعد عن الزنى وكل ما يقرِّب إليه؛ وشهوة الأولاد إطارها الإنجاب من زواجٍ شرعي والبعد عن التبني والزندقة.... وكل هذه الشهوات أوجدها الله تعالى في النفس البشرية بالفطرة، ولا يجوز كبْتُها. فالسلطة لا بد منها لإقامة شرع الله، والمال مطلوب لقضاء حاجات الناس والتعامل فيما بينهم، والزواج وإنجاب الذرية مطلوبان لاستمرار الجنس البشري وعمارة الأرض ....

3-    تزكية النفس:

يقول تعالى بعد أن يقسم بست آيات كونية، وبالنفس الإنسانية، أن تزكية النفس هي السبب الأساس لفلاح الإنسان في الدنيا والآخرة: "قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها" (الشمس 9 -10)، وفي سورة الأعلى: "قد أفلح من تزكى" (الأعلى -14). وتزكية النفس طهارة ونماء لها. يقال: زكّيتُ هذا الثوب أي طهرته، ويقال أيضاً: العلمُ يزكو بالإنفاق، أي يزداد وينمو، وزكاة المال نماء له وزيادة وبركة فيه. يقول سيّد أحمد بن جدو في بحث له عن تزكية النفس: "التزكية تعني تطهير النفس من الأدران والأوصاف الذميمة، وتنميتها بزيادة الأوصاف الحميدة وتحليتها بذلك". وتزكية النفس تكون في طاعة الله، وفي إتيان أوامره، والانتهاء عن نواهيه. وهي تنقسم إلى قسمين رئيسين هما: التخلية والتحلية. فالتخلية قبل التحلية، وهي تطهير النفس من الذنوب والمعاصي، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقد فصّلها رب العالمين في عدة آيات كريمة نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر:

·        النهي عن الشرك، وعقوق الوالدين، وعدم الإجهاض وعدم ارتكاب الفواحش، وعدم قتل النفس، وعدم أكل مال اليتيم: "قل تعالوْا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم، أن لا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ، نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.." (الأنعام 151 و152).

·        النهي عن الزنى: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً" (الإسراء – 32)

·        النهي عن قول الزور: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور" (الحج – 30)

·        النهي عن التجسس والغيبة والسخرية واللمز والتنابر: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان..." (الحجرات - 12).

·        النهي عن التجسس والغيبة والنميمة: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً.." (الحجرات – 13)

·        النهي عن الغلو: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق..." (النساء – 171)

·        النهي عن الكذب: "ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين" (آل عمران – 61)

·        النهي عن الظلم: فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنةُ الله على الظالمين" (الأعراف – 44)

·        النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون". (المائدة – 90)

·        النهي عن التكبّر: "ولا تصعِّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور" (لقمان – 18)

·        النهي عن الفساد وقطع الأرحام: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم" (محمد – 22)

والتخلية تكون أيضاً بترك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الشريفة، كما تكون بترك الصغائر من المعاصي والآثام، وعدم الإستهانة بها، فكما يقول أهل الحكمة: "لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار".

 

أما التحلية - فهي مع الالتزام بالعبادات – التحلي بالأخلاق الفاضلة، والتزيّن بالقيم والآداب الإسلامية، والعمل بما يرضي الله ورسوله، وقد فصّلها الله تعالى في القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

·   الأمر ببر الوالدين: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً" (الإسراء – 23)

·   الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران – 11)

·   الدعوة للصدق في القول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (التوبة – 119)

·  الأمر بالصبر: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" (آل عمران – 200)

·   الإخلاص: "..إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين" (النساء – 146)

·   الوفاء بالعهد: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" (الإسراء – 34)

·   الأمر بالحِلم: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" (الفرقان – 63)

·   الأمر بالاقتصاد: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً" (الفرقان – 67)

·   الأمر بإصلاح ذات البين: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون" (الحجرات – 10)

·   الأمر بالإحسان: "وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" (البقرة – 159)

·   الأمر بالتعاون الحميد: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (المائدة-2)

·  الأمر بالأمانة: "إن خير من استأجرت القوي الأمين" (القصص – 26)

·   الأمر بالشكر: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" (البقرة – 172)

·   الأمر بالتحلي بالحكمة والحوار بالحسنى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل – 125)

·   الأمر بالعفو والصفح: "وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم" (النور – 22)

·   الأمر بالصدقة: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم" (التوبة-103)

·   الأمر بتعلم الكتاب والسنة: "يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" (آل عمران – 164)

والتحلية تكون أيضاً بتعظيم شعائر الله، لقوله تعالى: "ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" (الحج – 32) وبما حضّ عليه النبي صلى الله عليه وسلّم في الأحاديث الشريفة.

تجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية ومن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد أوضحت المنهيات بشكل محدد وقاطع: "لا تقربوا – اجتبوا – لا تغلوا – لا تجسسوا ...."، أما القيم والآداب فجاءت في معظمها ملطّفة: "فأولئك مع المؤمنين – وكان بين ذلك قواماً - .....". وهذا ما تؤكده الآية الكريمة "قل إنما حرّم ربيَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن..." (الأعراف – 33) ذلك أنّ "إنما" في مطلع الآية تفيد الحصر والتحديد. وحديث الرسول المصطفى يوضح ذلك أيضاً حيث يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (رواه البخاري ومسلم).

4-    محاسبة النفس:

يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ" (الحشر – 18)، ويقول الخليفة الفاروق عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية". (أخرجه ابن الجوزي في القصّاص والمذكرين ص. 39)

ويقول الحسن البصري: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أحد عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمرُه إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة".

ومحاسبة النفس هي الطريق الأسلم لتزكيتها وللمزيد من تزكيتها؛ تلك هي طريق السعادة والرضى في الدنيا قبل الآخرة. يقول ابن الجوزي رحمه الله: "من أحب تصفية الأحوال، فليجتهد في تصفية الأعمال. قال تعالى: "وألّوْ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا" (الجن-16). ويقول أيضاً في صيد الخاطر: "المؤمن العاقل لا يترك لجامها (النفس)، ولا يُهمل مقوَدها، بل يُرخي لها في وقتٍ والزمام بيده، فما دامت على الجادّة فلا يضايقها بالتضييق عليها، فإذا ربّها (رآها ولاحظها) مالتْ ردّها بلطف، فإن وَنَتْ (رفضت) وأبت فبالعنف".

ويرى الشيخ علي عبد الخالق القرني في محاضرة له حول بناء النفس أن الحاجة إلى تزكية النفس أشدُّ من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء في أيامنا الحاضرة، لكثرة الفتن والمغريات، وأصناف الشهوات والشبهات، ولكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس والارتكاس. كما أن المسؤولية يوم الحساب مسؤولية ذاتية وتبعتُها فردية محضة، كما يقول تعالى: "يوم تأتي كل نفسٍ تُجادل عن نفسها" (النحل – 111). وبناء النفس والذات أولى من بناء الغير والمجتمع، ومن عجز عن بناء نفسه فهو عن بناء غيره أعجز، والله تعالى يقول: "إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد – 11). ومحاسبة النفس يجب أن لا تؤدي أبداً إلى الغرور بالنفس وبالأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان مهما بلغ صلاحها لقوله تعالى: "فلا تُزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" (النجم – 32) ويقول ابن القيم رحمه الله: "على السالك أن لا يرضى بطاعته لله، وألا يحسن ظنه بنفسه" لأن نعم الله علينا أكثر من أن تُعدّ وتُحصى.

يروى أنه يؤتى يوم القيامة برجل صالح، عَبَدَ الله كثيراً، وفعل الخيرات فيقول له رب العزّة، أدخلوا فلاناً برحمتي إلى الجنة. فيتساءل الرجل: ولماذا برحمتك يا رب،  وقد عبدتُك كثيراً وفعلتُ الخيرات؟. فيقول الله عز وجل: "ضعوا أعمال عبدي في كفة ونعمة البصر في كفة، فترجح نعمة البصر..".

وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نحثوا في وجوه المدّاحين التراب. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمع رجلاً يُثني على رجل، فقال: "ويحك قطعت عنق صاحبك، ثم قال: إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحداً".

 

 

أختم بالقول إنّ تزكية النفس هي الطريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. فالخوف من ارتكاب المعاصي والاعتراف بالعيوب، والعمل على إصلاحها، وتلاوة القرآن وفهم وتدبّر آياته والعمل بأحكامه والانتهاء عن نواهيه، ومجاهدة النفس وذكر الله كثيراً، وعدم الغرور بالطاعات، كل ذلك هو أساس الاعتناء بتزكية النفس. لذلك من نعمة الله على من سلك طريق التزكية أن يُرجع الفضل في ذلك لله جلّ وعلا، لقوله تعالى: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته، ما زكا منكم من أحدٍ أبداً ولكنّ الله يزكّي من يشاء، والله واسع عليم" (سورة النور – 31).  

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها. اللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها.