قراءة في آية 6 10 March 2020

"إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد – 11)

التغيير قاعدة شرعية، وحكمة مجتمعية، وسنة كونية أوجدها خالق الكون، لا تتوقف منذ أن خلق الله الإنسان وإلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها. وما ذلك إلا بسبب عمارة الأرض المتواصلة، التي أوجبها الله تعالى، والقائمة على التطور العلمي والتقني المتسارع، والهادفة إلى تحسين ظروف حياة الإنسان الفردية والمجتمعية على ظهر هذا الكوكب.

ورد في سنن أبي داود في حديث جرير بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيّروا، فلا يغيّرون إلا أصابهم الله بعقاب". والتغيير لغة هو انتقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى، وهو عمل قصديّ يقوم به الناس بغية الوصول إلى أهدافهم، (تجديد الوعي – عبد الكريم بكار – ص180)، وهذا يجب أن يتمّ بناءً على إرادةٍ هادفة وتخطيطٍ سليم.

وقد اختلف العلماء في تحديد طبيعة سنّة التغيير، هل هي فردية أم اجتماعية ؟ وأرى، وبالله التوفيق، أنها سنة فردية في منطلقها، واجتماعية في مقاصدها وأهدافها. فالمجتمع هو مجموعة الأفراد، ولا يجوز لأهل السلطة والدعوةِ إلى التغيير أن يكونوا غير ما يدعونَ إليه.  فأهل الحكمة يقولون: "كما تكونوا يولّى عليكم".

لذلك بينت الآية الكريمة أن التغيير السليم للمجتمعات - "لا يغير ما بقومٍ" – ينطلق من تغيير الأفراد -"حتى يغيروا ما بأنفسهم" - من هنا علينا أن نميّز بين التغيير الفردي والتغيير المجتمعي. ولكلٍ منهما خارطة طريق تحدّد مساره.

فالتغيير الفردي يبدأ بالعقيدة والتوحيد في المرحلة الأولى، ثم يتواصل بالعبادات وترسيخ القيم في المرحلة الثانية، ثم يُستكمل بالسلوك والعلاقات المجتمعية في المرحلة الثالثة. وهذا ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذَ بن جبل رضي الله عنه – عندما بعثه إلى اليمن لدعوة الناس إلى الإسلام، فقال له: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (وتلك هي أساس العقيدة والتوحيد).  فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات (ترمز إلى العبادات والقيم)... فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم (السلوك والمعاملات المجتمعية).

والتغيير الفردي كما يراه د. محمد علي الصلابي يتدرج على أربع مراحل من الإعداد، هي:

1.     الإعداد الروحي وما فيه من تدبر وتأمل وعبادة لله الواحد الأحد.

2.     الإعداد العقلي والعلمي وما فيه من تجنّب للظن والخرافات، ودعوة للعقل للتثبيت والتحري والتفكر في خلق الله للكون ومكوناته، وفي شرع الله وحِكَمِهِ وأحكامِه.

3.     الإعداد الجسدي حتى يؤدي الجسم وظائفه، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف

4.     الإعداد الأخلاقي والسلوكي الذي يعمّ كل تصرفات الإنسان في عباداته وفي معاملاته.

أما التغيير المجتمعي، فهو الذي يقوده أصحاب السلطة أوالدعوة، وفق الشريعة والنظام اللذين يُحكَمُ بهما. ولنا في رسول الله أسوة حسنة. فشريعته وحي من السماء، بدأت مع نزول الوحي في غار حراء، والرسول هو المعروف قبل ذلك في نسبه وأخلاقه، وصدقه وأمانته، وحسن معاملته مع الناس. وما أن قال له ربه: "قم فأنذر* وربك فكبّر" – وفي ذلك أمر واضح بتبليغ الدعوة للناس – حتى جاء إلى زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وقال: "لقد مضى عهد النوم يا خديجة". ومن هذه اللحظة بدأت الدعوة واستمرت 13 سنة في مكة المكرمة، قضاها النبي في إعداد الصحابة المقرّبين ليكونوا قادة التغيير. فتخرّج من هذه "الأكاديمية الأولى" – كما يسميها بعض المؤرخين – بضع وسبعون صحابياً، رضوان الله عليهم أجمعين، ليكونوا دعاةً وقادةً عسكريين، ووزراء مالٍ وقضاة، ورواة حديث، وعلماء وفقهاء وغير ذلك. وهؤلاء هم الذين أقاموا دولة الإسلام لاحقاً، وزرعوا بذور الحضارة الإسلامية. وقد تميزت هذه المرحلة المكية بتركيزها على بناء الإيمان والعقيدة، وترسيخ أفكارهما وتوطيد مفاهيمهما، وغرس جذورهما في القلوب. فتقوى بذلك القدرة على العطاء، وتزداد الحجة في الإقناع، وتثبت في الذهن البراهين والأدلة، ويقوى اليقين بعظمة الإسلام والنصر على الأعداء.

أما المرحلة الثانية في التغيير المجتمعي، فبدأت مع هجرة النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة لإقامة حكم الإسلام. فاتخذ من المسجد النبوي الشريف مقرّاً للدولة الناشئة، تنطلق منه وفود الدعوة إلى الملوك والحكام، وتعقد الاجتماعات، وتُؤدّى الصلوات، ومنه تخرُجُ بعثات الجهاد لمقاتلة المعتدين. ويرى بعض المؤرخين أن حُكمَ الإسلام في المدينة المنورة شكّل دولة العدل الأُولى في العالم، حيث تميّزت بنظامها الاقتصادي والدعوي وبنشرها لعقيدة الإسلام ودعوتها لطلب العلم، وانفتاحها على الآخرين من قبائل ومدن، وأديان ومجموعات.  

وبفضل كل ذلك انتشر الإسلام على مدى ثلاثة عشر قرناً من الزمان، في أرجاء المعمورة، دستوره القرآن الكريم وسنة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. فكانت بذلك المرحلة الثالثة التي انتشرت فيها الحضارة الإسلامية انتشاراً واسعاً وكبيراً جداً. ذلك أن الإسلام ليس ديناً، محصوراً بإقامة العبادات والفرائض، وحسب، بل هو دين يدعو إلى الانفتاح على الآخر وعلى ميادين العلوم والمعارف المختلفة، وعلى جميع أنواع الحضارات الإنسانية الأخرى، ليقتبس منها المسلم ما يتماشى مع روح العقيدة الإسلامية، ذلك أن عمارة الأرض التي أمر الله بها وجعلها جزءاً من عبادته ليست قصراً على جيل دون آخر، أو حِكراً على أمة دون أخرى، بل هي تراكم الحضارات المتعاقبة منذ آدم عليه السلام وحتى تقوم الساعة. (مسيرة التعلم عند العرب ص 37).

وقد أوجز رسول الله صلى الله عليه وسلم درجات التغيير في البيئة المجتمعية في حديثه الشريف الذي يقول فيه: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده (إذا كان صاحب سلطانٍ في بيئته أي بقوة القانون وسلطة النظام)، فإن لم يستطع فبلسانه (إذا كان داعيةً أو صاحب لسانٍ بليغ وحجة ودليل وعلمٍ وبرهان، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فإن لم يستطع فبقلبه (فالقلب مستودع الإيمان بالدعاء لصاحب المنكر بتغيير ما هو عليه، أو إذا كان المنكر في نفسه فالتغيير يبدأ من القلب أيضاً، لأن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل). وقد قرن القرآن الكريم الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من 50 آية قرآنية للدلالة على الارتباط الوثيق بينهما.

ومن أطيب الأمثلة على قوة التغيير السلمي والإيجابي كلمة الصحابي جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه عندما ابتعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة لأن فيها ملكاً هو النجاشي، "لا يُظلم عنده أحد"، حيث ألقى جعفر خطاباً هو أشبه بمرافعة كونية، وضعت قواعد سنن التغيير، ودعائم الحق والباطل، حيث قال: "أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. دعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فطغى علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث... خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك". فكانت هذه الكلمات سبباً في دخول الحبشة في الإسلام، بفضل إسلام مَلِكِها، وبفضل خطاب جعفر بن أبي طالب له، ولذلك وجبت مخاطبة الناس بالحكمة والحجة والبرهان وعلى قدر عقولهم.

يبقى أن نشير إلى أنه بالإضافة إلى التغيير الفردي والتغيير المجتمعي، هناك التغيير في عمل المؤسسات التجارية والاجتماعية وغيرها. وهذا ما يسمى في علم الإدارة الحديث بـ"إعادة الهيكلة"، التي تهدف إلى الانتقال بالمؤسسة من وضع قائم بالفعل، قد يكون حسناً، إلى وضع مستهدف أحسن، لتحقيق أهداف جديدة، تتماشى مع روح العصر والحداثة، وتلبي متطلبات المستقبل المنظور، وتحقق نقلة نوعية، فتنطلق من الواقع ومن خلال تطبيق منهجٍ علميّ وعمليّ متدرجٍ نحو الهدف المراد الوصول إليه. فالتغيير نحو الأفضل هو التقدم والتطور بعينه، والجمود وعدم التغيير غالباً ما يكون مملًّا، ويدعو إلى الخمول والتكاسل. ويشبّه الباحثون التغيير في حياة المؤسسات بالكتاب، كل هيكلة جديدة هي فصل في هذا الكتاب، وكلها تقود إلى خلاصة وتوصيات أساسية تخدم الهدف الأسمى والأساس من الكتاب.

وفي كل تغيير، على الإنسان أن يستفيد من تجارب غيره وأخطائهم، وفشلهم ونجاحهم، فيحلّل ويستخلص العبر مع مراعاة الظروف والزمان والمكان، فالعاقل من يتعظ من مسيرة غيره.

والتغيير في كل محاوره يساعد الإنسان على ممارسة طاقاته العلمية والعملية، والذهنية والفكرية، وينهض بالمؤسسة والمجتمع إذا أُحسن تنظيمها والاستفادة منها. فالتدافع سنّة قائمة واختلاف الرؤى أمر طبيعي. والتغيير في المؤسسات ليس مجرّد رؤية، ولا رغبة وجدانية، إنما هو قراءة الواقع، وفهمه ومعرفة السلبيات والإيجابيات فيه، لتتمّ بعد ذلك معالجة السلبيات وتزكية الإيجابيات، وليتمّ وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وفق معايير علمية سليمة، تنسجم مع أهداف المرحلة القادمة.

فيما تقدّم كان الكلام عن التغيير نحو الأفضل، وهو ما يسميه العلماء بالتغيير الإيجابي، وهناك أيضاً التغيير السلبيّ الذي تقصده الآية الكريمة من سورة الأنفال في آل فرعون الذين كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم، حيث يقول تعالى: "ذلك بأن الله لم يكُ مغيّراً نعمةً أنعمها على قومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم" (الأنفال – 53). وفي هذا التغيير خروجٌ عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وإفسادٌ في الأرض، وانحرافٌ عن القيم والأخلاق، في حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء. فالله تعالى "إذا أنعم على قومٍ، فإنه بلطفه ورحمته، لا يبدأ بتغييرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم.. فإن تلبّسوا بالتكسّب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم غيّر الله نعمته عليهم بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، والذي أرسله ربه رحمة للعالمين، فكفروا وغيّروا ما كان يجب أن يكونوا عليه، فغيّر الله النعمة بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار وأحلّ بهم عقوبته" (المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز – ابن عطية الأندلسي – أبو محمد عبد الحق -6/344 – الدوحة ط 1).

وفي كلا الحالتين – التغيير الإيجابي والتغيير السلبي – نرى أن التغيير المسبِّب يكون في تغيير القوم ما بأنفسهم، والتغيير اللاحق هو تغييرُ الله للقوم والمجتمع ليكون تغييراً من النعمة إلى النقمة، أو من النقمة إلى النعمة. يقول تعالى: "وضرب الله مَثلاً قرية (أي قوماً أو مجتمعاً) كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت (أي أن معظم أفرادها كفروا حتى صار سِمَتُها الكفر) بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" (النحل – 112)، ويقول عليه الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الخاصة والعامّة" (رواه الإمام أحمد)، ويقول تعالى في ذمّ بني إسرائيل: "كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون" (المائدة – 79).

وقبل أن أختم بمثال تطبيقي أود أن أشير إلى الفرق بين التغيير والتبديل، والذي جاء في الآية الكريمة من سورة يونس حيث يقول تعالى مخاطباً المنافقين والكافرين: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّناتٍ، قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآن غير هذا أو بدِّله، قل ما يكون لي أن أبدِّله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إليّ، إني أخاف إن عصيتُ ربي عذاب يوم عظيم" (يونس – 15). ويرى بعض الباحثين أن التغيير لا يستلزم الإلغاء الكامل بل تغييراً في بعض المضامين، فيقال النسخة الأولى والنسخة الثانية. ذلك أن الغيريّة تجتمع مع الإثنينية، كما تجتمع مع الأكثر من الإثنين، أما التبديل فهو يفترض إلغاء الأول واستبداله بآخر. (موقع هدى القرآن – الشيخ محمد صنقور). ولذلك كان نفي التبديل في الآية الكريمة قاطعاً وجازماً. أما التغيير في القرآن الكريم فله مكانه في بعض الأحكام الشرعية كالتدرج في تحريم شرب الخمر وأكل الربا. وقد كان كل ذلك بوحي من الله سبحانه، كما في نهاية الآية "إن أتّبع إلا ما يوحى إلي".

والأمر كذلك في لعبة كرة القدم، فالتبديل هو إخراج لاعب من الفريق من الملعب واستبداله بآخر من الاحتياط، أما التغيير فيكون بين اللاعبين في الفريق الموجود على أرض الملعب أي بوضع واحدٍ مكان الآخر.

وللدلالة على أهمية التغيير الإيجابي أسوق ما حصل ويحصل في طرق ومناهج التعليم. كنا حتى نهاية القرن العشرين نعتمد مبدأ التعليم التقليدي التلقيني أي أن المعلم يشرح الدرس مستعيناً باللوح والطبشورة ويتلقى طلابه ذلك بتدوينه في دفاترهم أو الرجوع إلى الكتاب المقرر لمذاكرته وحفظه. ومع تطور التكنولوجيا أصبح الكومبيوتر جزءاً من العملية التعليمية، حيث يعرض المعلم شروحاته من الكومبيوتر على الشاشة أمام التلاميذ ويستمع لأسئلتهم ويجيبهم عنها. ثم تطورت الأمور ليُستعاض عن الشاشة باللوح التفاعلي الذي يسمح بإضافة ما يسأله التلاميذ عن بعض المفاهيم عند طلابه وإضافتها إلى النواة الرئيسة التي يقدّم لها الأستاذ في بداية الحصة. ولا يزال التطور مستمراً، وكل ذلك في أقل من عشرين عاماً من القرن الحالي. وكل ذلك يساهم في رفع مستوى العلوم والمعارف عند طلاب اليوم بالمقارنة مع ما كانت عليه عملية التعليم في الماضي. وهذا من الضرورة بمكان، لأن حجم العلوم والمعارف الحالية يزداد يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، بل وفي كل لحظة، ما يستوجب سعياً أكبر وجهداً متواصلاً لتحقيق المستوى المطلوب في نفس المدة الزمنية، التي يجري العمل حالياً على اختصارها (من خلال تخفيض عدد سنين الدراسة قبل الجامعية سنتين على الأقل). يضاف إلى ذلك أن التعليم التفاعلي والنشط قد سمح للطلاب باستخراج بعض المعلومات والمعارف من الشبكة العنكبوتية للمشاركة في عمليات التعليم التفاعلي، حيث لم يعد المعلم فقط هو مصدر المعلومات والمعارف في الصف بل يشاركه في ذلك الطلاب أنفسهم بما استخرجه كلٌّ منهم، من إضافات، يقدمونها في حصة التعليم حتى تكون تفاعلية بحق بين المعلم وطلابه جميعاً.

أخلص إلى القول أن التغيير الإيجابي سنة إلهية وضرورة مجتمعية، لا تشكل انتقاصاً من قيمة أحد، بل توجب على الجميع، أفراداً ومؤسسات ومجتمعات المشاركة فيها. ولا بد للتغيير من أن ينطلق من فهم وتحليل الواقع وتحديد الهدف الرئيس، ورسم خارطة طريق تبين مراحل التطبيق وبرنامجها الزمني، وأن يكون كل ذلك مبنياً على أسسٍ علميةٍ واضحة، يتم عرضها ومناقشتها وتسويقها على فريق العمل المعني بها، ويكون هدفها دائماً التطور نحو الأفضل والأحسن. فالتغيير يحتاج دائماً إلى تضافر جهود الفريق وإن بدأ بمبادرة فردية فنجاحه منوطٌ بالجميع.

وهذا بدوره يتطلب من كل فردٍ أن لا يتوقف عن طلب العلم كما جاء في الأثر: "طلب العلم من المهد إلى اللحد"، ليكون قادراً على المشاركة في عملية التغيير بفعالية وإيجابية ومنهجية علمية سليمة. فالتعلّم لا ينتهي أبداً بشهادة علمية مهما بلغت رِفعتها ودرجتها، بل يستمر من خلال دورات تدريبية على كل جديد، ومن خلال الأبحاث العلمية ومتابعة الشبكة العنكبوتية التي أصبحت تضم كل جديد في عوالم المعارف والأبحاث والإبداعات والاكتشافات، وعوالم الإدارة والاقتصاد والمال وغيرها. وكل ذلك من أجل أن نرتقي ببلدنا ومجتمعنا، ونكون جزءاً من عمليات التغيير نحو الأفضل، فمن لا يتقدّم يتقادم، لأن ركب الحضارة يسير، ومن لا يواكب ذلك يتخلف في حاضره ومستقبله.

يقول ابن القيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة: "كما أنه لا حياة للأرض إلا بالمطر، فكذلك لا حياة للقلب إلا بالعلم، وفي الموطأ قال لقمان لابنه: يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر". والمقصود في ذلك هو العلم النافع الذي كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما"، ذلك أن العلم النافع، والزيادة فيه، هما الطريق الأوحد للتغيير الإيجابي، وعمارة الأرض بما ينفع البشرية جمعاء.