المناصفة بين الجدارة والشعبوية 02 August 2019

يكثر الحديث في الوقت الحاضر حول المادة 80 من موازنة العام 2019، والتي أقرها مجلس النواب ووقعها رئيس الجمهورية ونُشرت في الجريدة الرسمية، وحول شرعية هذه المادة في الموازنة، ومدى مطابقتها للمادة 95 من دستور الطائف. وللأسف الشديد فقد أخذت مواقف معظم السياسيين بعداً طائفياً بامتياز، بعيداً عن البعد القانوني، والبعد الوطني، والبعد الإداري والخدماتي.

لا يخفى على أحد أن المناصفة في تعداد السكان في لبنان قد أصابها خلل كبير ومتزايد منذ الخمسينات من القرن الماضي. وهذا بكل تأكيد خارج عن إرادة الطرفين المسلم والمسيحي. وإذا كانت حرب الخمسة عشر عاماً التي ذهب ضحيتها ما يزيد على مئتي ألف شهيد، قد انتهت باتفاق الطائف الذي وضع حداً لهذه الحرب بما تضمنه من توزيع عادل للسلطة، وحرصٍ كبير على المشاركة في إدارة البلاد، عندما قنّن المناصفة في مراكز الفئة الأولى، دون حصر كلٍّ منها بطائفة دون أخرى، إلى حين تحقيق إلغاء الطائفية السياسية. وألغى قاعدة التمثيل الطائفي، في الفئات الأخرى، وأقرّ اعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة، والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة، وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني.

وتُجمع مراكز الدراسات على أن نسبة السكان في لبنان من المسيحيين قد انخفضت منذ الخمسينيات  إلى يومنا الحالي من النصف إلى ما يقارب الثلث. وهذا يعني أنه إذا تساوت الكفاءة والجدارة بين المتقدمين للوظائف العامة فإن حظوظ المواطن المسيحي في القبول، تكون ضعف حظوظ المواطن المسلم! فهل هذا من العدالة، والمساواة في المواطنة ؟ أما إذا لم تتساوَ الكفاءة والجدارة واختلت النسب بين المتقدمين إلى هذه الوظائف العامة، وكانت أكبر من الثلث والثلثين، فإن المصيبة تكون أكبر، لأن الضرورة قد تبيح المحظورة وتكون التضحية بتوظيف الأقل كفاءة وجدارة  من المسيحيين مقابل الأكثر جدارة من المسلمين. وهذا ما هو حاصل في بعض المباريات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية، وخصوصاً في المباريات لوظائف في مؤسسات مناطقية، ذات أغلبية سكانية من لون واحد. فهل هذا هو المطلوب؟ وإذا كانت معظم هذه المباريات تعود لوظائف عامة، غالباً ما يكون طابعها خدماتي، فهل يهمّ المواطن طالب الخدمة، كفاءة وجدارة الموظف، أم انتماءه الطائفي؟ أم هي المواقف الشعبوية التي تدق على الوتر الطائفي دون الأخذ بعين الإعتبار أحقية المواطنة ولزوم الإدارة وجدارة الموظف؟

كفانا بعداً عن الحداثة في الإدارة. فرئيس بلدية لندن في بلد لا يزيد فيه نسبة المسلمين فيه عن أصابع اليد، مسلم. ورئيسة جمهورية سنغافورة من أقلية مسلمة في بلادها، ووزير خارجية مصر في فترة معينة كان مسيحياً، وأيضاً في فترة معينة كان وزير الخارجية ونائب رئيس وزراء العراق مسيحياً.... والأمثلة على ذلك في العالم كثيرة ومن جميع الطوائف والمذاهب والملل. فالعمل في الشأن العام لا يمكن أن يقوم وينمو ويزدهر إلا إذا كان قائماً ومنطلقاً من ثوابت وطنية جامعة، ومن كفاءة وجدارة تخدم الشأن العام، ولا تخدم فئة دون أخرى، أو طائفة أو مذهباً أو منطقة دون أخرى. الشأن العام مفهوم جامع، وخدمة الشأن العام هدف مقدّس. لا تستعملوه في خدمة شعارات شعبوية، فئوية، طائفية أو مذهبية أو مناطقية. كفانا تراجعاً في عالم يتقدم كل يوم بشكل كبير. وتوقفوا عن تدمير أسس وقواعد العيش المشترك في لبنان.