جائزة عزم طرابلس الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده 06 April 2017

لا يخفى على أحد إهتمام الرئيس نجيب ميقاتي وجمعية العزم والسعادة بالقرآن وأهله، وبنشر الدين الإسلامي وقيمه السامية، وأهمها الإعتدال والوسطية. فالمركز الأول في طرابلس للجمعية كان في كنف مسجد العزم ومنه إنطلق عمل القطاع الديني، الذي كان يُعنى بإقامة دورات القرآن الكريم خلال العطلة الصيفية، كما يعنى بإقامة دورات تدريب للمشايخ وخطباء المساجد، ويستقدم الأساتذة الجامعيين من الأزهر الشريف ومن المدينة المنورة للقيام بهذه الدورات. ثم كانت دار العلم والعلماء، التي انطلقت في استضافة العلماء والباحثين الإجتماعيين والتربويين من لبنان ومن خارجه، وعملت على إقامة الندوات والحوارات بينهم وبين رجال الدين والباحثين في المدينة، والهدف من كل ذلك إعادة إحياء الدور البارز لمدينة طرابلس كمدينة للعلم والعلماء. وجائزة طرابلس جاءت تتويجاً لهذه الأعمال، كما أشار الرئيس نجيب ميقاتي في كلمته في ختام أعمال الجائزة بأن أهدى ثواب هذه الجائزة لمن سبق من المشايخ والعلماء والأئمة، وإلى روح والديه عزمي ميقاتي وسعاد غندور، رحمهما الله.

وبعد أن أطلق الرئيس نجيب ميقاتي الجائزة تم تأليف اللجنة المنظمة من شيوخ القراء في بيروت الشيخ محمود عكاوي وفي طرابلس الشيخ بلال بارودي والكورة والقلمون الشيخ د. زياد الحج، والأستاذ عبد الرزاق قرحاني والأستاذ محمد بركات والأستاذ مروان شندب وكاتب هذه المقالة.

وبدأ عمل اللجنة بأن وضعنا قائمة بثلاثين دولة للدعوة إلى المشاركة. ذلك أن العرف في هذه المسابقات أن يكون لكل دولة متسابق واحد، ما عدا البلد المضيف فيشترك بمتسابقين إثنين. وتمت مراسلة هذه الدول عن طريق سفاراتها في بيروت، من خلال رسالة موجهة إلى وزارة الأوقاف الإسلامية أو دار الفتوى في هذه الدول، والطلب منها تسمية مرشح حافظ لكتاب الله العزيز، مع أصول تلاوة يختارها الحافظ.  وهكذا كان، فقد وردتنا الطلبات عبر البريد الإلكتروني وعبر البريد العادي مع تزكية الجهة الرسمية المرشِّحة للمتسابق. ثم قامت اللجنة بجولة على بعض المساجد لإقامة المسابقة في أحدها. وقد وقع الإختيار على مسجد طينال، كونه يشكل محطة تاريخية وإسلامية في المدينة، ويعكس العبق الإيماني لطرابلس، وهندستُه تساعد كثيراً على إجراء أعمال الجائزة دون تعطيل إقامة الصلوات في المسجد في أوقاتها، كما تساعد على وضع شاشة للراغبين في مشاهدة أعمال المسابقة، وفيه غرفة تسمح بعقد اجتماعات لجنة التحكيم، دون إخراج المتسابقين من أماكن جلوسهم.

كما درست اللجنة جميع الطلبات للمتسابقين وأقرتهم، وتم حجز تذاكر السفر وترتيب الإقامة لهم في الفندق، وإرسال كل ذلك إلى المتسابقين، الذين بلغ عددهم 30 متسابقاً من مختلف دول العالم. وقد بدأ وصول المتسابقين يوم السبت في 18/3/2017. وكان ممثلون عن جمعية العزم والسعادة الاجتماعية بإستقبالهم جميعاً في المطار. وقد أجرينا ما يسمى بالتصفية الأولى في 19/3/2017 في دار العلم والعلماء، قبل بدء أعمال المسابقة للتأكد من أن جميع المشتركين هم حافظون لكتاب الله. وكانت النتائج فيها مرضية جداً، وقد ضمت لجنة التحكيم في التصفية الأولى، شيوخ قراء من مختلف المناطق اللبنانية. وهكذا بدأت المسابقة أعمالها يوم الإثنين في 20/3/2017 صباحاً في مسجد طينال في طرابلس. وتواصلت جلسات المسابقة أيام الثلاثاء والأربعاء قبل الظهر وبعده.

أما لجنة التحكيم فكانت تتمتع بخبرة واسعة في مثل هذه المسابقات الدولية وهي تضم الشيخ الدكتور أحمد عيسى المعصراوي وهو شيخ عموم المقارئ المصرية ، رئيساً للجنة، والشيخ الدكتور أيمن رشدي سويد العالم بالقراءات العشر، والأستاذ الدكتور سالم الزهراني أستاذ علم القراءات في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، وشيخ قراء بيروت الشيخ محمود عكاوي، وشيخ قراء طرابلس الشيخ بلال بارودي، بالإضافة إلى حكم رديف هو الشيخ الدكتور زياد الحاج شيخ قراء القلمون والكورة. ودرست اللجنة قبل بدء المسابقة مهام لجنة التحكيم، واتفقت على كيفية تقييم الأخطاء. وكان قسم المعلوماتية في الجمعية قد أعد برنامجاً متقدماً لتقييم أخطاء المتسابقين. ثم أجرى التعديلات اللازمة بناء لطلب لجنة التحكيم.

  وأود أن أشير إلى أن حضور جلسات المسابقة يشكل متعة كبيرة. فأصواتهم النديّة وتلاواتهم المختلفة، في أجواء المسجد كانت غاية في الإبداع، فمنهم من خنقته العبرات وهو يتلو كلام الله، ومنهم من كان لا يتكلم اللغة العربية ولكنه يصدح بآيات الله محلقاً بصوت جهوري يأخذ بالألباب يقول تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر". كما أن هذا دليل على أهمية الجو الإيماني في رحاب مسجد طينال، وعلى المستوى العالي للحفظة المشاركين.

ولأن بيروت هي العاصمة، وهذه مسابقة دولية، يشترك فيها 30 دولة من دول العالم، وهي تجري بالتعاون مع دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، كان حفل الإفتتاح برعاية رئيس مجلس الوزراء السيد سعد الحريري وحضرها رؤساء الحكومات السابقين ومفتي الجمهورية اللبنانية سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان. كما شارك في حضورها نواب ووزراء وسفراء بعض الدول المشاركة، ومفتي المناطق، ورجال الدين، والجمعيات والمؤسسات العاملة في الحقل الإسلامي، من مختلف المناطق اللبنانية. وشكلت وحدةُ الصفوف حول القرآن الكريم، والإهتمام بحفظه والعمل بأحكامه حدثاً بذاته، ونرجو أن تنسحب هذه الوحدة حول القضايا الوطنية، وكل ما فيه خير الوطن وخير أهله أجمعين.

ورأت اللجنة المنظمة للجائزة أن تطلق في كل دورة بالإضافة إلى مسابقة حفظ القرآن الكريم وتجويده، مسابقة في الأبحاث العلمية حول مواضيع قرآنية معينة. وقد اخترنا لهذه الدورة إسم "دورة السلام في القرآن"، لأن الإسلام هو دين السلام حقاً ودعوة وفعلاً. وكما قال الرئيس نجيب ميقاتي في كلمته في حفل الختام: "لقد اخترنا لهذه الدورة الأولى عنواناً هو السلام في القرآن الكريم، لنقول للعالم أجمع بأن الإسلام هو دين السلام. وما أحوجنا اليوم لأن نفهم القرآن ونتمسك بأحكامه، وننتهي عن نواهيه، ونقيس أمورنا على ما جاء فيه، حتى لا يكون تشويه الدين الحنيف سمة من سمات العصر الذي نعيشه". وقد دعونا للمشاركة 16 دولة في البحث العلمي حول السلام في القرآن الكريم، وقسمنا الموضوع إلى خمسة عناوين هي: السلام البيئي، والسلام الإجتماعي، والسلام التربوي، والسلام الأمني، والسلام الإقتصادي. وقد وردنا ملخصات لهذه المواضيع الخمسة، واختارت اللجنة المشرفة على الأبحاث العلمية أربعة من بينها، وأُسقطت الأبحاث حول السلام الإقتصادي، لعدم  ورود أبحاث بالمستوى المطلوب. ولذلك تنافس المشاركون الأربعة في عرض أبحاثهم في ندوة علمية أقيمت يوم الخميس في 23/3/2017. وفاز على أثرها المشارك من الجزائر أ. خليفة العبدلي ببحث حول السلام الإجتماعي بالجائزة الأولى. وأخذ الثلاثة الآخرون جوائز الترضية.

كما إستضافت الجمعية من ضمن فعاليات الجائزة الداعية الإسلامي الدكتور عمر عبد الكافي الذي تكرّم علينا بإقامة سلسلة ندوات في بيروت بالتعاون مع جامعة الجنان، وفي طرابلس مع جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وندوات أخرى في جامعة طرابلس وفي قاعة مسجد الأبرار بالتعاون مع بيت الزكاة والتكافل الخيري، وفي الجامعة اللبنانية – كلية العلوم. وكان لها أكبر الأثر في نفوس الحاضرين. وكانت خطبة الجمعة في المسجد المنصوري الكبير حيث شارك فيها عدد كبير من المصلين، وكانت الخطبة حول أدب الإختلاف في الإسلام. وأمّ المصلين الشيخ الدكتور عبد الله بصفر، الأمين العام للهيئة الإسلامية لحفظ القرآن الكريم في رابطة العالم الإسلامي. وامتلأت قاعات المسجد المنصوري وردهاته بالمصلين، الذين أقبلوا للتحية والسلام على ضيوف طرابلس.

ومع إنتهاء المسابقة القرآنية عقدت لجنة التحكيم إجتماعها لتحديد الفائزين، وعند فرز النتائج، إذا ما تساوى متسابقان في مجموع العلامات فإن اللجنة كانت ترجع إلى التقييم الإفرادي لكل عضو في لجنة التحكيم، كما ترجع عند الضرورة إلى التسجيل الصوتي للمتسابقين المتساويين حتى يكون حكم اللجنة بالإجماع، ويكون الحكم عادلاً بإذن الله. فقد فاز في المسابقة القرآنية محمود سيف الإسلام الحسن من بنغلادش بالمرتبة الأولى، وعبد الله حمد أبو شريده من قطر بالمرتبة الثانية، وعمرو علي سلطان علي من اليمن بالمرتبة الثالثة، وعبد الصمد أحمد أبي علي من الصومال بالمرتبة الرابعة، وعبد الرحمن حسين موسى من النيجر بالمرتبة الخامسة، ونال الباقون جوائز الترضية.

أما حفل الختام فكان في مجمع العزم التربوي في طرابلس  برعاية  دولة الرئيس نجيب ميقاتي ومشاركة سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ومفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار وعدد من الوزراء والنواب والسفراء ورجال الدين وجمهور غفير غصت به قاعة مجمع العزم التربوي، حيث تم تكريم الفائزين من الحفظة والباحثين، وتكريم الداعية الدكتور عمر عبد الكافي، والأمين العام لهيئة تحفيظ القرآن الكريم الدكتور عبد الله بصفر، ورؤساء الجوائز القرآنية في الكويت والسودان وقطر والجزائر والعراق، الذين شاركونا في ندوة البحث العلمي وفي حفل الختام.

وركزت الكلمات التي ألقيت في الحفل على أهمية الجائزة، خصوصاً أنها تقام لأول مرة في لبنان، وبمبادرة من جمعية العزم والسعادة الاجتماعية وبتعاون وثيق مع دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية.

لقد شكلت أيام الجائزة عرساً جامعاً ببركة القرآن الكريم، فقد خيمت فيه على المدينة وعلى الوطن أجواءٌ إيمانية كنا نراها في وجوه المشاركين، ممن حضروا نشاطات المسابقة وجلسات التلاوة، وفي أعين الذين شاركوا في فعاليتها المختلفة.