سياسة النأي بالنفس.. وسطية جامعة 28 November 2017

عندما إندلعت الأحداث في سوريا في آذار من العام 2011، وانقسم اللبنانيون بين مؤيد للثورة السورية ومعارض لها، شكل هذا الإنقسام أزمة على الساحة اللبنانية. وكان الرئيس نجيب ميقاتي في سدة الحكم، يرأس وزارةً ضمت المستقلين وآخرين من فريق 8 آذار، الذي كان مؤيداً للنظام السوري. وبالمقابل كان فريق 14 آذار خارج الحكم ومؤيداً للثورة السورية وداعماً لها.

          لم يكن الموقف سهلاً على الرئيس نجيب ميقاتي، لإتخاذ الموقف المناسب، سواء في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أم في إجتماعات جامعة الدول العربية. فلبنان، هذا البلد الصغير، يملك علاقات تاريخية مع جارته سوريا، حكومة وشعباً، كما يملك حدوداً مشتركة، محيطة بمعظم أراضيه، وتشكل نافذته إلى العالم العربي والأوروبي على حدٍّ سواء. فكانت سياسة النأي بالنفس التي إبتدعها الرئيس ميقاتي في حينه مخرجاً للمأزق الكبير، وحلاً نافعاً حكم به سياسة الدولة.

لم ترُق هذه السياسة يومذاك أحداً لا في الداخل اللبناني، ولا في الخارج العربي والدولي، وذهب بعضهم لتسميتها "سياسة اللعي بالنفس". وما هي إلا أشهر معدودة حتى بدأت أصوات بعض المسؤولين في الساحة الدولية ثم في الإقليمية تُعرب عن تفهمها لهذه السياسة، وبأنها تناسب لبنان، هذا البلد الصغير في مساحته، والمتعدد في طوائفه وأحزابه وإنتماءاته. ومع مرور الزمن بدأ البعض في لبنان يدرك أهمية وصوابية هذه السياسة ويشجع عليها. حتى كانت حكومة الرئيس تمام سلام التي تبنتها في بيانها الوزاري، وحكمت البلد بالإلتزام بها، وإن شابها بعض الخروقات، في ما تبقى من عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم في فترة الفراغ الرئاسي.

ثم كانت التسويه بين الرئيس سعد الحريري والتيار الوطني الحر في العام 2016 والتي جاءت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية والرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة. وأيضاً أكدت الحكومة في بيانها الوزاري على اعتماد سياسة النأي بالنفس عن الخلافات العربية وعن أزمات المنطقة. ولكن لم تلتزم مكونات الحكومة بهذا المبدأ فكان كل فريق يعمل على ليلاه، ويلتقي ويدعم ويؤيد من يراه مناسباً، غير آبه بما ينعكس ذلك على مواقف الآخرين، وما قد يسببه من حرج لهم، بل ولسياسة الدولة العامة. فكثرت الخروقات الفاضحة، وهزُل التضامن الحكومي المطلوب لمعالجة الأزمات، وحل تقاسم المصالح والمحسوبيات مكان مصلحة الوطن، وارتفعت أصوات المغلوبين على أمرهم في وجه المستبدين بالسلطة، وكان الإعلام على أنواعه يعكس هذه الأجواء المتشنجة بشكل واسع.

لقد أنقذت سياسة النأي بالنفس لبنان الرسمي في زمن حكومة الرئيس ميقاتي، في العديد من المحافل الدولية، واجتماعات مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، لأنها كانت نابعة من قلب وعقل مبتدعها، الرئيس نجيب ميقاتي. فهو كما يقول عن نفسه: لقد تربيتُ  على الوسطية منذ صغري. وهل النأي بالنفس إلا وجه من وجوه الوسطية ؟! وهل مواقفنا المؤيدة للنظام السوري أو المؤيدة للثورة السورية تشكل حلاً للوضع في سوريا، أو تستطيع أن تخرجها من أزمتها. ويضيف، علينا أن نفكر بما يجمعنا ولا يفرقنا. وإذا ما التقينا على هذا الشعار، قولاً وفعلاً سيبقى لبنان بخير، بعيداً عن أزمات المنطقة.

لقد قام لبنان في زمن الإستقلال على مبدأ "لا للشرق ولا للغرب"، ثم عندما تعرض لبعض الأزمات في فترة ما بعد الإستقلال، كان شعار زعمائه دائماً " لا غالب ولا مغلوب"، وكان يخرج بعد كل أزمة وفق هذا المبدأ وبما يتناسب مع هذا الشعار. حتى كان إتفاق الطائف الذي أرسى تعديلات مناسبة في الدستور، توافق عليها جميع اللبنانيين، بمساعدة عربية ودولية، كرست مبدأ العيش المشترك، بما لا يقبل المسّ به، وأكّدت على إنتمائه العربي.

واليوم وبعد سنة ونيف على التسوية السياسية في العام 2016، تبدو اليوم سياسة النأي بالنفس أنها مركب الإنقاذ من أزمة كلنا نعلم كيف ومتى بدأت، ولا أحد يدرك إلى أين ستقود البلد. فموازين القوى في لبنان غير متكافئة، وإقتصاديات المنطقة في تراجع ملحوظ ولبنان ليس بمنأى عنها، بل وله فيها نصيب وافر، والخلافات السياسية بين دول الجوار القريب منها والبعيد في تصاعد مستمر، والدول الكبرى لها مصالحها في المنطقة، التي ربما تلتقي أحياناً، ولكنها حتماً تختلف كثيراً. لذلك وجب على الجميع أن يصعد في هذا المركب، لأن العواصف من حولنا عاتية جداً.

لا يكفي أن يردد الرئيس سعد الحريري مطالبته بسياسة النأي بالنفس في لقاءاته، وتصاريحه عدة مرات. المهم أن يقتنع الجميع بدون استثناء، مسؤولون وسياسيون، مفكرون وإعلاميون، تربويون وغيرهم، بأنه لا مناص ولا مخرج للبنان إلا إذا مارسوا هذه السياسة، وطبقوها في مواقفهم وممارساتهم الفعلية. إنها وجه من وجوه الوسطية الجامعة التي تجمع ولا تفرق، إنها الوسطية الإيجابية التي تهتم بإيجابيات الآخرين ومواقفهم ومزاياهم، وهي التي تحق الحق حيثما كان، وتنكر الباطل بدون تسفيه أو عدوان. إنها الحل الناجع للمجتمعات التعددية. وهي ليست أبداً وسطية بين الحق والباطل، أو بين الكفر والإيمان، أو بين الإنتماء الوطني والإرتهان للخارج.

إنها الفكر الذي يجمع الناس، مهما اختلفت طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم وتياراتهم، حول حق الإختلاف، والحوار بالحسنى ليبقى الوطن سيداً حراً مستقلاً، واحداً موحداً لجميع أبنائه ومواطنيه.                                                                               

نشرت في جريدة اللواء في تاريخ 28/11/2017