نعمة فروض الكفاية 08 June 2018

يُقسّم علماء الفقه الفروض إلى نوعين: فرض عين، وهو ما يتعين على الإنسان بشخصه، حسب قدرته وإستطاعته كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وفرض كفاية، وهو ما يكفي أن يقوم به أحدهم أو بعضهم (بما يكفي المجتمع)، حتى يسقط الإثم عن الباقين.

وقد عرّف العلماء فرض الكفاية بأنه كل أمر مهم يُقصد في الشرع الإسلامي تحصيله على جهة الإلزام، للحاجة إليه في المجتمع، من غير تعيين فاعله. فإذا تركه الجميع أثموا، وإذا فعله البعض كفى. وقد سُمّي فرض كفاية لأن قيام البعض به يكفي لحصول المقصود، وبذلك تُسدُّ الثغرات في المجتمع الإسلامي.

ولقد خلق اللهُ تعالى الإنسان، وفضّله على جميع مخلوقاته، وفطره على حب الاجتماع. ومن العلماء من يقول بأن الإنسان سُمّي "إنساناً" لأنه يأنس بغيره. ولذلك كانت جميع العبادات، من صلاة وزكاة وصوم وحج – وهي فرائض ربانية – تبدو وكأنها علاقة بين الإنسان وربه، ولكنها مع ذلك تمثل تواصلاً مع المجتمع وتلاحماً وتراحماً بين أفراده، قلّ مثيلهما في المجتمعات غير الإسلامية. فصلاة الجماعة مُقدّمة على صلاة الفرد بسبعين ضعفاً، ومن فطّر صائماً فله أجره، لا ينقص من أجر الصائم شيء، والزكاة معجزة المجتمع الإسلامي المتراحم والمتضامن، والحج مؤتمر إسلامي جامع، ليتدارس المسلمون قضاياهم وأمورهم، وحفظ القرآن الكريم وتلاوته عبادة طيبة، ولكن التخلّق بأخلاق القرآن والتدبّر بآياته أهمّ وأولى، وهكذا دواليك...

والإنسان مخلوقٌ من جسدٍ وروح، ومفطورٌ على قولٍ وفعل، ومجبول على فكرٍ وهوى. وهو مجتمعيٌ بطبعه، يتكامل مع غيره، ضعيفٌ بمفرده، قويٌ بأقرانه. وهو مشمولٌ بعناية ورعاية خالقه، ليقوم بعمارة الأرض، وكل ما يلزم من علوم وأعمال يحتاجها نهوض المجتمع وتطوره، وتفتقر إليها الأمة. من أجل كل ذلك كان فرض الكفاية، والقيام به قياماً بمصلحة عامة – كما يقول الإمام الشاطبي في الموافقات – مطلوب سدّها ممن هم قادرون عليها وهم أهلٌ لها. وعلى باقي أفراد المجتمع موازرة القادرين على إقامتها، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب.

ويضرب الإمام الغزالي مثلاً على ذلك بقوله: "لو أنّ ناحيةً فيها مئة عالمٍ بالشريعة وليس فيها طبيبٌ واحد للحق الإثم للجميع..". وبهذا المثل يُستدلُّ على باقي العلوم الكونية والإدارية والسياسية وغيرها، وينسحب ذلك على إقامة المعاهد التعليمية ومؤسسات البحث العلمي، والنظم الكفيلة بوضع هذه الأبحاث موضع التطبيق، وإقامة المؤسسات الاقتصادية والمالية والمصرفية في إطار الشريعة الإسلامية، وكل ما يكفل قيام المجتمع الإسلامي بدورٍ رائد في هذه المجالات، وبدورٍ مشارك في تطوّر الحضارة الإنسانية التي هي قوام الاستخلاف في الأرض.

والتفقه في الدين ليس فرضَ عينٍ على جميع أفراد الأمة، بل هو من فروض الكفاية أيضاً، بدليل قوله تعالى: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (التوبة 122). يقول السعدي رحمه الله في تفسيره (355): "وفي هذه الآية أيضاً دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعدّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويُوفّر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصداً واحداً، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق، وتعدّدت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور".

من كل ما تقدم، ندرك أهمية القيام بفروض الكفاية، ونعمة الله الواسعة فيها على المجتمع، ودورها المركزي في النهوض بالمصالح العامة للأمة، وسدِّ حاجياتها وضروراتها، وتقوية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصناعية والزراعية. "وقد أدّى تعطيل هذه الوظائف والقطاعات الأساسية وقلة الاهتمام بها إلى تخلّف الأمة وتراجعها، وضعف تحصيناتها ومقاومتها. فانعدمت الوسائل التي يتحقق بها العمران، وندرت أسباب المعيشة الكريمة للناس... فأدّى إهمال الواجبات الكفائية إلى احتياج الأمة إلى غيرها في العلم والطعام والدواء. وإحياء الواجب الكفائي كفيل بنهضة الأمة..." (مراد سلامة www.alukah.net مقالة فروض الكفايات ودورها في نهضة المجتمعات).

يقول الأديب جبران خليل جبران: "ويل لأمة تكثر فيها الطوائف والمذاهب وتخلو من الدين. ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر".

لا شك بأن إحياء فروض الكفاية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفقه الأولويات نظراً لتعدّدها ، يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "من جملة الشرور ترك الترتيب بين الخيرات".

وتصنيف هذه الفروض ينضوى تحت المصالح التي تحققها، في خطة تنمية المجتمع الإسلامي ويمكن تقسيمها إلى:

·        ضروريّ: ويندرج تحت الضرورات الخمس (حفظ الدين – حفظ النفس – حفظ المال – حفظ العقل – حفظ النسل).

·        حاجيّ: ويشمل كل ما يلبي حاجات المجتمع خارج الضرورات الخمس كالحفاظ على القيم والتربية عليها، والنهي عن المحرمات وبيان أثرها السلبي في المجتمع.

·        تحسينيّ: ويشمل كل ما يرفع مستوى العيش عند الناس، ويساهم في تحسين أوضاعهم، وصقل مهاراتهم، وتحسين أدائهم.

وأحياناً تكون المفاضلة بتقديم الأصول على الفروع، أو بتقديم ما هو أهمّ للمجتمع، ثم ما هو مهمّ للأسرة ويلي ذلك ما هو مهمّ للأفراد.

جاء في وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة..." ويستوي أن تكون هذه الفريضة فرض عين أو فرض كفاية. لذلك فقد أجاز العلماء الصرف على إحياء فروض الكفاية من مال الزكاة أو التبرعات أو الأوقاف لتأهيل القادرين عليها من أهل العلم والمعرفة.

تجدر الإشارة إلى أن تنوّع القطاعات والميادين التي يجب أن تغطيها فروض الكفاية تستوجب توجيهاً مهنياً سليماً وإعداداً مناسباً للناشئة للقيام بها على أكمل وجه. وهذا التوجيه يرتكز على أربعة محاور تتكامل فيما بينها.

1.     دور الأهل في مرحلة الطفولة، ومع بداية التعرف على العالم الخارجي، من خلال تحديد الألعاب التي تلفت انتباه الطفل مرة بعد مرة، ومن خلال الدور الذي يلعبه في فراغه مع الآخرين.

2.     دور المدرسة في المراحل الأولى من الدراسة، ومشاركة التلميذ في النشاطات اللاصفية، وربط هذه الاهتمامات بالمواد العلمية التي يتلقاها في التعليم، وكذلك انتسابه إلى النوادي التي تعنى بهوايات التلاميذ إن وجدت، ليصار إلى تنمية هذه الهوايات بما يناسب عمره ومستواه العلمي.

3.     وفي المراحل المدرسية المتقدمة يجب التركيز على المواد العلمية التي تخدم التوجه العام عند التلميذ وربطها بالاختبارات العلمية والنشاطات اللاصفية. وفي هذه المرحلة يجب القيام بمساعدته في اختيار التوجه العلمي الذي يناسب ميوله ورغباته وكفاءاته.

4.     وفي نهاية المرحلة المدرسية يتم الاختيار الصائب للاختصاص الذي يتناسب مع ميول ورغبات الطالب، ومع الكفاءة التي تم إعدادها وتنميتها بشكل سليم، ومع حاجة المجتمع في هذا القطاع أو ذاك. حيث إن في كل قطاع أو ميدان توجد مجموعة من الاختصاصات تتقارب فيما بينها فيتم اختيار الأنسب والأولى والأحوج.

من ناحية أخرى يجب توجيه الطلاب في الجامعات وفي الدراسات لكي تتماشى أبحاثهم العلمية مع حاجات المجتمع في الزمان والمكان، حتى تكون ابتكاراتهم العلمية قابلة للتطبيق بما يخدم مصالح المجتمع، وتطوره ونماءه.

أخلص إلى القول إلى أن فروض الكفاية هي كنز من كنوز الفقه الإسلامي، ونعمة عظمى في التشريع الرباني، فرضها رب العالمين للارتقاء بجميع نواحي المجتمع وسدّ احتياجاته، حتى يكون المجتمع الإسلامي رائداً في علومه وتطبيقاته، وفي عدله ونظمه الاجتماعية، وفي أمنه واقتصاده، وفي التكافل والتراحم بين بنيه.