نعمة الاختلاف والتنوّع 02 July 2018

بداية لا بد من التمييز لغوياً بين "الاختلاف" و"الخلاف" لأن كثيراً من الناس يخلط بينهما.

"فالاختلاف" كلمة مشتقة من أصل الفعل "اختلف"، وهو على وزن "افتعل" وهو في الميزان فعل ماضٍ ثلاثي زيد فيه حرفان: الألف والتاء. وتغلب عادة في هذا الوزن من الأفعال المطاوعة والمشاركة والمنفعة. كأن يقال: جمعت الجند فاجتمعواواشترك المتحاوران فاختلفا – وعرض المعلم ما عنده فاكتسبه الطلاب وانتفعوا به.

أما الخلاف فهو إسم على وزن "فعال" وعلى وزنها مثالاً: إباء ونِفار وشِقاق، وهذه المفردات تدل على الرفض والبعد الجسدي، والبعد الفكري، والخصام المستحكم، وهو الذي يكون عادة مصحوباً بالعدائية في النقاش، وبالنقد الجارح، وأحياناً بالسلوك المتطرف، ويورث النفور والشقاق.

وكلا اللفظين "اختلاف" و"خلاف" يُراد بهما المغايرة في القول والفعل، كما في الرأي والفكر، أو في الموقف والسلوك، أو في ظروف الزمان والمكان أو غير ذلك. إلا أنه في الأولى – أي في "الاختلاف" – تدل المغايرة على الغنى والثراء والتكامل الذي لا بد منه في الحياة، وتخضع لأدبٍ جمّ حتى تؤدي الغاية منها. أما "الخلاف"، فإنه غالباً ما يسلك طريقاً غير ذلك، ملؤه القول الجارح، والنقد اللاذع، والمواجهة العنيفة، حيث ينشد فيها كل فريق الغلبة على الآخر.

لذلك كان ابن مسعود يقول: الاختلاف نعمة والخلاف شرّ. ومنهم من قال: الاختلاف نعمة والخلاف نقمة. وإذا كان الاختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية، فإن الخلاف الشرس في الفكر والسلوك هو رأس كل بليّة. ويقول الإمام القسطلاني وغيرُه: "اجتماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة".

وقد كان المسلمون بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: "اختلاف الأئمة رحمة بالأمة"، لأن العصمة في الفتوى انتهت بوفاة النبي عليه السلام الذي كان "لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى". وأما العلماء من بعده فكلهم – بحسب قول الإمام مالك رحمه الله – "يؤخذ منه ويُردّ إليه، إلا صاحب هذا القبر"، وأشار القائل بإصبعه إلى قبر النبي عليه السلام.

والاختلاف سنة الحياة التي فطر الله الناس عليها، وهو الذي الذي يجعل للحياة معنىً، يتميز بالتعدد والثراء. فاختلاف النوع، الذكر والأنثى، وما فطر الله في كل منهما من تميز في التكوين الجسدي والنفسي والعاطفي والجرأة والإقدام والرقة والحنان، كل ذلك كان سبباً في استمرار النوع البشري، واستمرار الحياة على ظهر الأرض.

واختلاف الليل والنهار الذي ذكره الله تعالى في أكثر من آية وصفه بأنّه آية من آياته، كما أقسم سبحانه بهما لعظم شأنهما في سورة الليل: "والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى" (وقد تكلمنا عن ذلك في نعمة خلق الكون).

واختلاف العقول عند الناس والاهتمامات التي تتبع ذلك، والاختصاصات والمواهب المتنوعة، شكلت ضامناً لعمارة الأرض في مختلف نواحي الحياة، ومعيناً لا ينضب في تطور الحضارة الإنسانية ، ولو أن الله تعالى خلق الناس سواسية في كل شيء لَما شهدنا هذا التطور الهائل من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، بل جعل الله عز وجل كلاً ميسّراً لما خُلق له.

والاختلاف في وجهات النظر مؤشر جيد لحالة فكرية سليمة، وقد أمر اللهُ تعالى، رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه، حيث قال له: "وشاورهم في الأمر"; والتشاور لا يكون إلا بين مختلفين. خصوصاً وأن الأشياء غالباً لا تُعرف إلا بضدها. والاختلاف في وجهات النظر، غالباً ما يُنتج أفكاراً جديدة، وابتكارات حديثة، وحلولاً أفضل وأنجح. ذلك أن الاتفاق والتشاور بين متماثلين، أو حتى بين متشابهين أو متقاربين، غالباً ما يكون عقيماً، غير ذي جدوى وفائدة. وفي الاختلاف والتشاور تلاقح للأفكار ونماء للعقل، ووصول أقوى إلى الحقيقة، بحسب القول المأثور "في النقاش تولد الحقيقة".

ويقرّ الله تعالى سنة اختلاف الناس، بل ويجعل ذلك سبباً من أسباب خلقهم، حيث يقول في سورة هود: "ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم..." (هود 118 – 119). فسنّة الله قضت أن يخلقهم مختلفين في اختياراتهم، ولوشاء لخلقهم على نسق واحد. فمنهم من يختار طريق الهدى، ومنهم من يختار طريق الضلالة، ومنهم من يسير على طريق العلم، ومنهم من يسير على طريق الجهل. ومنهم من يؤثر التعاون مع غيره، ومنهم من يُفضِّل الإنطواء والفردية، .... ومنهم ما هو بين هذا وذاك، وكلٌّ سيلقى جزاء اختياره.

والاختلاف يدفع إلى التنافس، والتنافس في فعل الخيرات، وفي كل ما يرضي الله تعالى، مشروع ومطلوب، حيث يقول تعالى في وصفه حال الأبرار يوم القيامة، وما يلاقونه من تكريم: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " (الذاريات – 8).

ويستشهد علماء الفقه على جواز الاختلاف المبني على الاجتهاد وفقاً للأصول الشرعية، بحادثة بني قريظة التي ترويها كتب السيرة وصحاح الحديث النبوي الشريف. عندما أتى أمر السماء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بغزوة بني قريظة، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه الذين خرجوا للغزو مستنهضاً هممهم : "لا يصلينّ أحد العصر، إلا في بني قريظة" وفي رواية " عزمت عليكم ألا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة". فغربت الشمس قبل أن يأتوهم. فقالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُرد أن تَدَعوا الصلاة فصلّوا قبل الغروب. وقالت طائفة: والله انا لفي عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما علينا من إثم. وهكذا، صلّت طائفة إيماناً واحتساباً وتركت طائفة إيماناً واحتساباً. ولم يعنّف النبي عليه الصلاة والسلام أحداً من الفريقين. فأهل التأويل صلّوا قبل دخول الوقت عملاً بعموم الآية الكريمة: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً". وأهل النص، أخذوا بحرفية النص الذي أمرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو المؤتمن على الوحي. وفي ذلك دليل بيّنٌ واضح على جواز الاختلاف في الرأي والاجتهاد واتّباع النص وما يتبع ذلك من اختلاف في التطبيق.

وروايةٌ مماثلة وردت للبيهقي في كتابه "فضائل الصحابة"، ووردت في كتاب "تحفة المجالس" للإمام الصفوي وفي غيرهما. تقول الرواية أن أعرابياً قال لزوجته "أنتِ طالق حتى حين" وذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أراد أن يتحلّل من يمينه ويعود إلى زوجته، فكيف يفسر "الحين" بأي فترة من الزمن، فذهب إلى رسول الله ليسأله متى يعود إلى زوجته ، فلم يجده فى داره فى ذلك الوقت. فذهب إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه وسأله، فقال أبو بكر: حُرّمتْ عليك حتى الموت، ولا تحل لك. فتركه وذهب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وسأله فقال له: حُرّمتْ عليك أربعين سنه. فتركه وذهب إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه، وسأله فقال: حرِّمتْ عليك عاماً كاملاً. فتركه وذهب إلى علي رضى الله عنه وسأله فقال : حرّمتْ عليك ليلة واحده، فتركه الأعرابى، وفكّر بأي الآراء يأخذ فى تفسير معنى "حين". فعاد إلى الرسول صل الله عليه وسلم بحثاً، ولم يتركه حتى وجده فى بستان لدى أنصاري وقصّ عليه ماحدث من أصحابه، وحيرته فى تفسير "الحين"، فقال الرسول أجلس، وأرسل إلى أصحابه، ولما جاءوا سألهم لماذا يا أبا بكر حرّمتَ عليه زوجته حتى الموت فقال يارسول الله من القرآن يقول تعالى (فمتعناهم حتى حين) ومعنى "الحين" هنا حتى الموت ، فسكت رسول الله وقال وأنت ياعمر، قال من القرآن يارسول الله ، أول سورة الإنسان يقول تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) و"حين" هنا أن آدم مكث فى الجنة أربعين سنه قبل أن ينزل الأرض، فسكت رسول الله وقال وأنت يا عثمان لماذا حرّمتَ عليه زوجته عاماً، قال من القرآن يارسول الله يقول تعالى (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أُكلها كل حين) و"الحين" هنا أكثر الثمر، يثمر كل عام مرة، فسكت رسول الله وقال وأنت يا على، قال من القرآن يارسول الله يقول تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) و"حين" هنا تعني ليلة. سُرَّ النبي من أصحابه، فكانت هذه الرواية سبباً فى أن يقول أصحابي كالنجوم بأيّهم أهتديتم أقتديتم، وقال للأعرابى خذ برأي علي بن أبى طالب فإنه أيسر لك. وفي الرواية تأكيد على أن الأخذ بالأيسر فيه فضلٌ، ما لم يكن إثماً.

وإذا كان اختلاف الرأي حول هاتين الحادثتين مشروع، فإن اختلاف الفتوى بإختلاف الزمان والمكان هو أولى. أما الأحكام الشرعية المبنية على نصوص قطعية الدلالة من الكتاب والسُنة فهي غير قابلة للتغيير كتحريم الخمر، والزنا والربا وعقوق الوالدين، وكل ما ثبت من أحكام شرعية بنص الوحي من قرآن وسُنة.

وكما الاختلاف في الاجتهاد في الأمور الشرعية، كذلك الاختلاف في القناعات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها. فهو أمر طبيعي بل وإيجابي ومحفّز، إذا خضع لأدب الحوار وللأصول الشرعية والفقهية. وللّه در رائد أدب الاختلاف الإمامُ الشافعي رضي الله عنه حيث يقول: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". ويقول أيضاً:  "ما ناظرتُ أحداً إلا وددتُ أن يُظهر اللهُ الحقَّ على لسانه". وفي هذا القول المأثور حقائق ثلاث:

·        التمسك بالوصول إلى الحقيقة أقوى وأهم من الغلبة في المناظرة والحوار.

·        الجدية المطلقة في الحوار الهادىء والعلمي المرتكز على الحجج  والبراهين العلمية.

·        إظهار الاستعداد للرجوع عن الرأي الشخصي المبني على الحجج والبراهين أمام حجة الآخر إذا كانت أقوى.

ويُروى أنّ أحد طلاب الإمام الشافعي "يونس بن عبد الأعلى" رحمهما الله، اختلف معه حول مسألة، فقام غاضباً وترك الدرس وذهب إلى بيته. وفي الليل سمع يونس صوت طرقٍ على باب منزله. فقال يونس: من بالباب؟ قال الطارق: محمد بن إدريس. فقال يونس: فتفكرتُ في كل من كان اسمه محمد بن إدريس إلا الشافعي. قال: فلما فتحتُ الباب فوجئتُ به فقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "يا يونس تجمعنا مئات المسائل، وتفرقنا مسألة! يا يونس، لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات. فأحياناً كسْب القلوب أولى من كسْب المواقف. يا يونس، لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها، فربما تحتاجها للعودة يوماً ما. لا تكره المخطيء واكره الخطأ. ابغض المعصية بكل قلبك ولكن سامح وارحم العاصي. يا يونس انتقد القول لكن احترم القائل. فإن مهمتنا أن نقضي على المرض لا على المرضى".

ويروى أيضاً أن الإمامين الجليلين مالكاً والشافعي رضي الله عنهما، اختلفا ذات مرة، وكان الإمام مالك يقول إن الرزق بلا سبب، بل لمجرد التوكل الصحيح على الله، يرزق الإنسان، مستنداً إلى الحديث الشريف: "لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً". أما الإمام الشافعي فيخالفه في ذلك، فيقول: "لولا غدوها ورواحها ما رُزقت"، أي أنه لا بد من السعي. فأراد الشافعي أن يثبت لأستاذه الإمام مالك صحة قوله، فخرج من عنده مهموماً، يفكر. فوجد رجلاً عجوزاً يملأ كيساً من البلح وهو ثقيل عليه، فقال له: أحملُه عنك يا عمّاه، وحمله عنه. فلما وصل إلى بيت الرجل، أعطى الرجل بضع تمرات استحساناً منه لما فعله معه. وهنا ثارت نفس الشافعي وقال الآن أثبت ما أقول; فلولا أني حملته عنه ما أعطاني. وأسرع إلى أستاذه الإمام مالك، ومعه التمرات، ووضعها بين يديه، وحكى له ما جرى. فابتسم الإمام مالك وأخذ تمرة ووضعها في فمه، وقال له: وأنت سُقتَ إلي رزقي دونما تعب مني. فالإمامان الجليلان، استنبطا من الحديث الشريف حُكمين مختلفين تماماً. وهذا ولا شك من رحمة الله بالناس.

وإلى مثل هذا ذهب إبراهيم بن أدهم وقد كان تاجراً كبيراً، وكان في سفر; وفي الطريق وجد  طائراً قد كُسر جناحه. فأوقف القافلة وقال: لأنظرنّ من يأتي له بطعامه، أم أنه سيموت ؟ فوقف ملياً فإذا بطائر يأتي ويضع فمه في فم الطائر المريض ويُطعمه. هنا قرّر إبراهيم أن يترك كل تجارته، ويجلس متعبداً بعد ما رأى من كرم الله ورزقه. فسمع الشبلي بهذا فجاءه وقال له: ماذا حدث لتترك تجارتك وتجلس في بيتك هكذا ؟ فقصّ عليه ما كان من أمر الطائر. فقال الشبلي قولته المأثورة: يا إبراهيم، لم اخترتَ أن تكون الطائر الضعيف، ولم تختر أن تكون من يطعمه ؟

الاختلاف يؤدي إلى التنافس، والتنافس يدفع نحو الأفضل.

الاختلاف يفترض التشاور، والتشاور يقود إلى الحقيقة.

الاختلاف يسدّ الثغرات، وسدّ الثغرات يسوق نحو الكمال والتكامل.

الاختلاف يثري المجتمع، وثراء المجتمع طريق إلى الحضارة والتطور والنمو.

الاختلاف يظهر التميز، والتميز يعطي كل ذي حق حقه.

أدب الاختلاف يخضع لأدب الحوار، وأدب الحوار وجه من وجوه الإحسان.