من يصنع التغيير في لبنان وكيف يكون ؟ 17 July 2018

مقدمة:

لبنان وطن تعدديّ بإمتياز، تعدديّ بأحزابه وتياراته وحركاته السياسية، وتعدديّ بطوائفه ومذاهبه الدينية، وتعدّدي بثقافاته ولغاته وقوميات أبنائه، وتعدديّ بجمعياته ومؤسساته غير الحكومية، وتعدديّ بعلاقات مواطنيه الخارجية الإقليمية منها والدولية....

وهو بلد تربّى أبناؤه على هامشٍ واسع من الحريات السياسية والفكرية، تميز بها عن محيطه، حتى غدا ملجأ ومسرحاً ومنبراً لأبناء هذا المحيط يقولون فيه وعبر وسائل الإعلام المختلفة ما لا يقولونه في بلدانهم الأم.

وبفضل هذه الحريات وتلك التعدديات تفاهم القياديون فيه، بعد الإستقلال على دستور جامع، وأعراف مختلفة، وتوازنٍ في العلاقات مع الخارج كرّست مبادئ العيش المشترك بين أبنائه، وأسست لاقتصاد منفتح عرف أوجه في الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي.

لكن هذا الإستقرار لم يكن محصّناً كما يكفي للوقوف في وجه المخططات الماكرة التي كانت تُعدّ وتُحضّر للمنطقة بدءاً من لبنان، فامتدت أيادي العبث الماجنة، الخارجية منها والداخلية، مستخدمة هذه التعدديات وتلك الحريات في الإتجاه المعاكس لتُحدِث فيه حرباً أهلية أتت على البشر والحجر، واستمرت زهاء خمسة عشر عاماً، وخلّفت تراجعاً مخيفاً في الفكر والسياسة، وفي التربية والتعليم، وفي الولاء للوطن والإلتزام بالدين والقيم.

وأمام ما جرى وما يجري في عالمنا العربي من محاولاتٍ للتغيير نحو الأفضل في ما سُمّي بالربيع العربي، الذي سرعان ما انكفأ ليصبح خريفاً عربياً ينذر بعواصف الشتاء العاتية، التي تلوح في الأفق على كل الصعد، السياسية منها والأمنية والإقتصادية والإجتماعية.... وجدتُ من المفيد طرح هذا التساؤل البديهي: من الذي يصنع التغيير في لبنان وكيف يكون ؟.

 1.     السياسيون – رجال الدولة. فهم الأولى والأقوى في عملية التغيير. فلولا رجال السياسة وأبطال الإستقلال لما عرف لبنان إستقلاله وانفتاحه على الشرق والغرب وبتوازنٍ لافت، ولما عرف اقتصاده ازدهاراً مميزاً، وعمراناً متسارعاً وسابقاً لمحيطه بكل المقاييس.

والسياسيون – رجال الدولة هم الذين يتمتعون بالقيم الأخلاقية على تنوعها وأهمها الصدق والأمانة، والإخلاص للوطن ونظافة الكف، فلا يقبلون الفساد بل ويحاربونه بكل أشكاله، ولا يسمحون لأية علاقات خارجية أن تعلو على مصلحة الوطن.

والسياسيون – رجال الدولة، يمتازون عما سواهم من الزعماء الشعبويين بأنهم هم الذين يقودون الجماهير، بفكرهم المتزن وعقلهم المنفتح، وبرؤيتهم وإيمانهم الراسخ بمصلحة الوطن التي تعلو عمّا سواها، فلا ينقادون بعاطفة الجماهير، ولا يتقيدون بشعارات فارغة. بل ينطلقون من الواقع السياسي مهما كانت ظروفه، في مخطط جامع قابل للتطبيق، وعلى مراحل زمنية معينة، وآخذٍ بعين الإعتبار المعطيات المحلية والإقليمية والدولية. ويواكبهم في كل ذلك مفكرون ورؤيويون، ومراقبون ومحلّلون سياسيون، وإداريون ومستشارون من ذوي المؤهلات العلمية العالية لمتابعة عمل مؤسسات وأجهزة الدولة وقطاعات الخدمات فيها بما يتناسب مع متطلبات العصر الحديث. فهم الذين يملكون ملكة التخطيط والتنظيم وتحديد الأهداف المرحلية والإستراتجية ويرسمون خارطة الطريق لتنفيذها.

يخطيء كثيراً من يعتقد أن قوة القائد السياسي في عدد مناصريه، في الشارع، أو أعضائه في المجالس التمثيلية، فتلك هي مواصفات الزعيم الشعبوي الذي يستطيع أن يجمع مظاهرة مطلبية  حاشدة، ولكنه لا يستطيع أن يبني دولةْ ولكلٍ منهما دوره. إن قوة القائد السياسي – رجل الدولة هو الذي يملك الرؤية السليمة لمستقبل الوطن، ويضع الأهداف المرحلية والإستراتيجية لتحقيق هذه الرؤية، ويملك الخطاب السياسي المتماسك الذي يمتاز بالشمولية والعمق والغنى بالحجج والبراهين لإقناع الآخرين برؤيته وبرامجه، ليكونوا شركاء معه في البناء والتنفيذ، كما هم شركاء في الوطن. كما يملك العلاقات الدولية والإقليمية الوازنة والموزونة، والفكر الواعي والمدرك للمتغيرات المحيطة، ويملك الفكر المنفتح على جميع مكونات الوطن، يُحق حقهم بإرادة صلبة ويقين ثابت وحكمة بالغة، ويُبطل باطلهم بدون تسفيه أو عدوان أو تسلّط، ويتعامل مع الآخرين تحت شعار: نتعاون فيما اتفقنا حوله، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

 2.     العقائديون:

-         رجال الدين والحركات الدينية. الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. والخطاب الديني، في المسجد والكنيسة يشكل حلقة مهمة في صناعة التغيير، ذلك أنه موجه إلى جميع المؤمنين والمصلين على حدٍّ سواء، الغني والفقير، والمتعلم والجاهل، والكبير والصغير.... وهو يلعب دوراً إيجابياً إذا كان موجهاً لتزكية القيم الإنسانية، المشتركة في معظمها بين جميع الشرائع السماوية، كالصدق والوفاء والمروءة والشجاعة والحياء والإخلاص والأمانة.... كما أن جميع هذه الشرائع تدعو إلى إقامة العدل، والمساواة في الحقوق والواجبات، وإلى نشر السلام وحرية المعتقد، والحوار بالحسنى.... ولعله من نافل القول، التأكيد على أنه في المجتمعات التعددية، حيث تكثر الطوائف والمذاهب وتتعدد العقائد الدينية، يصبح الإهتمام بالقيم الإنسانية – الجامعة والمشتركة في جميع الشرائع السماوية، والمرتبطة كلها بالعقيدة الدينية ارتباطاً وثيقاً – أكثر تقبّلاً وأسهل تطبيقاً وأفعل دوراً في صناعة المستقبل، وبناء الوطن ولُحمة أبنائه، إذا أُحسنت الدعوة إليها.

أما إذا تعدى الخطاب الديني ذلك إلى زرع بذور الطائفية، وإقحام الإنتماء الطائفي في الأدوار الوطنية وفي وظائف الدولة وخدماتها ومشاريعها، فإن ذلك يصبح وبالاً على الأرض.

 -         الأحزاب والتيارات والحركات السياسية. كلها تنظيمات سياسية تسعى إلى بلوغ السلطة السياسية داخل الحكومة وفي الإنتخابات الرئاسية وهي تتبنى إيديولوجيات معينة ورؤى محددة. وهي تشكل حلقة بالغة الأهمية في التغيير المنشود.

وقد عرف لبنان منذ استقلاله وحتى يومنا هذا، أحزاباً مختلفة ومتنوعة في نظمها وسياساتها ومشاربها. وإذا كانت هذه الأحزاب، في فترة ما بعد الإستقلال تتنافس فيما بينها على استقطاب المناصرين والمؤيدين، لكنها كانت تتكامل وتتعاون في كل ما يخدم مصلحة الوطن والمواطن. وليس أدلّ على ذلك من التعاون الوثيق الذي كان قائماً بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح الذي أثمر إتفاقاً حول الميثاق الوطني، رغم أن الأول أسس الحزب الدستوري، والثاني لم يكن من أعضائه. ذلك أن العصبية الحزبية كانت تقف خارجاً على أبواب مؤسسات الدولة ونظمها وأدائها وإداراتها. وقد وافقت جميع الأحزاب المختلفة والزعامات السياسية في حينها على هذا الميثاق، الذي أرسى دعائم الجمهورية اللبنانية، وكان من شعاراته الجامعة لا للشرق ولا للغرب.

وإذا كانت معظم هذه الأحزاب، اليوم كما بالأمس، ترفع شعارات متقاربة حول استقلال الوطن ووحدة أراضيه، ونمو اقتصاده وحرية المعتقد.... وتلتقي فيما بينها حول ذلك، إلا أنها غالباً ما تختلف في شعاراتها المرحلية، وفي تقييمها للمتغيرات الظرفية المحلية منها والإقليمية، وكل ما له انعكاسات على الداخل اللبناني. لذلك كانت سياسة النأي بالنفس التي ابتكرها الرئيس نجيب ميقاتي، وأقرّتها الحكومات المتعاقبة، وممارسة هذه السياسة قولاً وسلوكاً، تشكل خشبة الإنقاذ وزورق الإبحار بعيداً عن الخلافات والنزاعات الإقليمية المتسارعة، وحرصاً على إستقرار الوطن وسلامة اقتصاده.

 والتطرف في العقيدة الدينية أو السياسية، على حدٍ سواء، هو وجه من وجوه العصبية المذمومة، التي تجنح بصاحبها نحو القتل والتدمير، واحتلال الأراضي وإجبار الناس على ردات الفعل المتطرفة مما يزيد في التطرف ويولد العنف والإرهاب. ويغذي هذا التطرف ضعف التنشئة الدينية أو السياسية والجري وراء شعارات فارغة تحمل في طياتها إثارة المشاعر، أكثر من ارتكازها على حقائق علمية ثابتة، وأكثر من سعيها لتحقيق أهداف مرحلية واستراتيجية سليمة. وللأسف الشديد فإن التطرف في العقيدة يجد تربة خصبة في المجتمعات التعددية إذا غلب عليها الظلم والجهل والفقر، ولعل من أهم محاور تجفيف منابع التطرف والإرهاب معالجة هذا الثالوث الخطير بالعدل والتربية والتعليم والإقتصاد السليم.

 3.    أهل الإقتصاد: الإقتصاد هو عصب الحياة الآمنة في المجتمع، ورحم الله القائل: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه". لذلك فإن الإستقرار العام في الوطن مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالوضع الإقتصادي.

ومن أهم مبادئ التنمية المستدامة - التي تضمن حياة زاهرة تقوم على مبادئ الكفاية، لا الكفاف - دورة إقتصادية سليمة قوامها تأمين فرص عمل تواكب زيادة السكان، وتستفيد من ثروات الوطن وتزيد من حجم الطبقة الوسطى فيه، وتتماشى مع التطور العلمي والمعرفي والتكنولوجي في العالم. وقد عرف لبنان في الستينات طبقة وسطى قارب حجمها من الـ80% من المجتمع اللبناني لعبت دوراً مهماً في جذب الإستثمارات المحلية والخارجية وبالتالي ترسيخ دعائم الإستقرار.

ولا شك في أن من بديهيات التطور الإقتصادي وجود بنى تحتية سليمة وخدمات أساسية معروفة مثل الكهرباء والإنترنت السريع والطرقات والمعارض والتسهيلات المصرفية والتراخيص الرسمية والرسوم المالية والضريبية والحمايات اللازمة والمحفزات الضرورية وغيرها... ويوازي ذلك في الأهمية وجود خطة إقتصادية سليمة تقوم على الإنتقال بالإقتصاد اللبناني من إقتصاد خدماتي وإستهلاكي إلى إقتصاد منتج، يسمح بمواكبة العولمة الإقتصادية، ويحمي نفسه من تبعاتها السلبية عليه.

وتستفيد هذه الخطة من ميزات المجتمع اللبناني الثابتة مثال السياحة والآثار، والطبيعة الجبلية والساحلية المتقاربتان ، والمناخ المعتدل، والحرية الفكرية والإعلامية، والتعددية المذهبية والإنفتاح على الحضارات المختلفة الشرقية منها والغربية، والصروح العلمية والإستشفائية العريقة والمواكِبة لأحدث التطورات العلمية في العالم والمرتبطة بها بشكل وثيق....

ومن الضروري جداً إدخال بعض العمليات الإصلاحية الضرورية في خارطة طريق الخطة الإقتصادية الشاملة كالمشاركة الفاعلة للقطاع الخاص في إدارة مصالح الدولة (تعميم التجربة الناجحة في ليبان بوست وأوجيرو على باقي القطاعات الخدماتية، كالكهرباء التي ترهق خزينة الدولة)، وتثبيت اللامركزية الإدارية الموسعة للوصول إلى الإنماء المتوازن إقتصادياً وإجتماعياً ومناطقياً، وترشيد الإنفاق الإداري، والهدر في الرواتب غير المجدية والخدمات أحياناً....

4.    التربية والتعليم في المؤسسات التعليمية. المدرسة والمعهد والجامعة هم المؤسسات التي تبني أجيال الغد التي يقع على عاتقها بناء المستقبل في الوطن. ولا يُبنى المستقبل بالعلم وحده، فالتربية تدخل في أساس بناء الإنسان. و"التربية" بمعناها الشامل هي زرع وتنمية عقيدة أو قيم أو فكر أو فعل في الإنسان وهي بالتالي تؤثر على تكوينه وسلوكه وعلاقاته بين الناس، ولذلك كان لفظها سبّاقاً في التداول على لفظ "التعليم"، ولكن الإهتمام بها يتراجع كثيراً أمام "التعليم" في معظم المؤسسات التربوية. إذ ما قيمة الطبيب البارع إذا كان لا يراعي آداب المهنة، وما قيمة المعلم إذا لم يكن مربياً وقدوة....

والتربية على المواطنة مثلاً هي الأساس المتين للعقد الإجتماعي، وهي حجر الزاوية في العلاقة السليمة بين المواطن ووطنه حتى تكون علاقة إنتماء وولاء، لا لبس فيهما ولا غموض. ومنها تتفرع التربية الإجتماعية القائمة على العمل التطوعي وخدمة المجتمع المدني، والتربية على قبول الآخر والعيش المشترك والحوار بالحسنى والفكر المنفتح و....

تجدر الإشارة إلى التجربة الناجحة التي تقوم بها بعض المؤسسات التعليمية الخاصة في إقامة نوادي إجتماعية متنوعة الأنشطة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: نادي الحوار – النادي الإعلامي – النادي الثقافي – نادي الإبداع – نادي البحث العلمي – نادي أصدقاء حقوق الإنسان – نادي أصدقاء ذوي الحاجات الخاصة..... والهدف من ذلك كله إشراك الطلاب في نشاطات لاصفية مجتمعية بإشراف أهل الإختصاص في كل مجال. 

أما التعليم، فقد تطور كثيراً في الغرب ولا يزال، ذلك أنه أصبح يبتعد كلياً عن التعليم التلقيني، القائم على دور كبير للمعلم والكتاب المقرر، ويلتزم بمبادئ التعليم التفاعلي القائم على دعم روح المبادرة والإبداع، والعمل في الفريق، والإرتباط الوثيق بالمجتمع لتقديم الإكتشافات الحديثة النافعة له. كما يعتمد على تنمية المهارات الحياتية والبيئية اللازمة، ومهارة اكتساب المعرفة، ومهارة ريادة الأعمال التي تنمي عندهم الرغبة في إنشاء شركات ناشئة تشكل أساساً للتطور المجتمعي، وتؤمّن فرص عمل جديدة فيه....

5.    أهل الإعلام.

يتحمل الإعلام جزءاً مهماً من المسؤولية الإجتماعية في عملية التغيير المنشود. لذلك يجب أن يكون إعلاماً مسؤولاً، يهتم بنقل الحقيقة بموضوعية وصدق، بدون تضخيم أو تهويل. كما يهتم بنقل الآراء السياسية والإقتصادية وغيرهما، بفكر منفتح على الآخر، منطلقاً من القاعدة الذهبية التي تقول: "في النقاش تولد الحقيقة" وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وقوله الآخر: "كم تمنيتُ أن يُجريَ الله الحقيقة على لسان خصمي".

والإعلام ينقسم في عالمنا اليوم، إلى قسمين أساسيين: إعلام مسموع ومرئي ومقروء، وإعلام إلكتروني.

فالإعلام الأول ذو وجه تجاري ويحتاج إلى قدرات مالية تغطي نفقات التأسيس والمصاريف الجارية فيه، وله أصحابه وزبائنه. وهو إما ذو هدف إستثماري مالي أو ذو هدف سياسي لخدمة معينة، وأحياناً الإثنين معاً. وفي جميع الحالات هو يسعى إلى انتباه زبائنه، واستقطاب أكبر عدد منهم، وإثارة غرائزهم، وإقناعهم بما يُسوّق له، لأن في ذلك تحقيقاً لهدفه الإستثماري و/أو السياسي على حدٍّ سواء. وهو يتميز بأنه إعلام معروف الهوية، سواء في أصحابه والقيمين عليه أو في جميع أهدافه.

أما الإعلام الإلكتروني، فهو إعلام جماهيري واسع، حقّق منذ ظهوره في أواخر القرن الماضي، إنتشاراً كبيراً، نظراً لسهولة ولوجه وتعاطيه، وانعدام كلفته المالية، ووصوله إلى جميع شرائح المجتمع بسرعة قياسية. والأخطر من ذلك كله سهولة المبالغة فيه، والتأليف وتركيب الأخبار الكاذبة، وبالصوت والصورة، دون رادع أو رقيب، وتداول كل ذلك دون معرفة الناشر الأصلي أحياناً. وربما أصبح من المستحيل ترشيد هذا الإعلام أو ضبطه بشكل كامل. إلا أنه لا يجوز ترك الحبل على الغارب. بل يجب العمل بهمة عالية على تربية الأجيال على الضوابط الأخلاقية في إستخدام جميع أنواع وسائل التواصل الإجتماعية. ويشترك في تلك التربية جميع مكونات المجتمع من أسرة، ومؤسسات تعليمية وجمعيات وأحزاب وكشافة ورجال دين و.... . كما أنه لا يجوز التهاون في استعمال هذه الوسائل، لنشر الأهداف السامية والغايات النبيلة التي يسعى إليها هذا الفريق وذاك. وهو باب كبير مفتوح للنقاش والمشاركة الواسعة بالمعايير التي ذكرناها سابقاً.

6.    الأمن والقضاء.

الأمن: القوى الأمنية مولجة بالحفاظ على الأمن في البلاد، وأن تبقى على مسافة واحدة من جميع الأفرقاء من أهل السياسة والإقتصاد ومن مختلف الطوائف والمذاهب. لأنها إذا مالت إلى أي فريق، يختل التوازن، وتنتكس الديموقراطية. ولذلك فقد حرص المشترع اللبناني على إبقاء جميع القوى المسلحة خارج المعارك الإنتخابية بشكل كامل، فلا يشتركون في الإقتراع. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى الحفاظ على الحريات المسؤولة، فحرية الفرد لا تجيز التعدي على حريات الآخرين، كما لا تجيز الإفتراء والتلفيق والتجريح وما إلى ذلك.

والقوى الأمنية مولجة بكشف شبكات التخريب والجريمة ومنع التعديات على حقوق الدولة وحقوق الآخرين والمحافظة على الأنظمة والقوانين المرعية الإجراء، وتطبيق ذلك على جميع الناس، بدون انحياز أو تمييز بين حزب أو آخر، أو منطقة أو أخرى، أو... فكل أبناء الوطن سواسية في حقوقهم وواجباتهم كأسنان المشط.

القضاء: "العدل أساس الملك" وفي قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه للوالي الذي أراد أن يبني الأسوار حول عاصمة الولاية: "ولِمَ الأسوار؟ حصّنها بالعدل، ونقِّ طُرُقها من الظلم" خير دليل على أن العدل يقوّي دعائم المجتمع ويوفر الأمان والطمأنينة للناس جميعاً وعلى حدٍّ سواء، ضعيفهم وقويهم، فقيرهم وغنيهم، حاكمهم ومحكومهم. كما يحمي الحقوق والأعراض والممتلكات، ويشيع الطمأنينة في المجتمع وينفي الظلم عنه. وخلاف ذلك يؤدي إلى الظلم، وتفشي السرقة والفساد، وهتك الأعراض والحرمات، وفي ذلك هلاك المجتمع. كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ".

خاتمة:

لا شك في أن هذه القوى الست هي المسؤولةُ مجتمعةً عن التغيير المنشود، وهي تختلف بقوة تأثيرها وفعاليتها في إحداث هذا التغيير. فالقوى الثلاث الأولى تشكل قوة التغيير الصلبة، التي لها تأثير مباشر لأنها على تواصل مباشر مع المواطن في فكره وفي تطلعاته وأهدافه وفي لقمة عيشه. أما الثلاثه الأخرى، فهي تشكل قوة التغيير الناعمة الداعمة للثلاث الأولى والمساعدة لها لأنها تهتم بصقل هذ الفكر وتحضيره وإعداده للمستقبل المنشود. كما تساهم في إستقرار الوطن وممارسة الحريات المسؤولة فيه وتُبعد عنه الظلم والفساد.

والإختلاف في وجهات النظر، بين مكونات كل مجموعة، مشروع بل ومطلوب. فالإختلاف لا يُفسد في الودّ قضية، لا سيّما وأن هذه القضية هي قضية وطن. وقديماً قالوا: "إختلاف الأئمة رحمة بالأمة" و"الإختلاف نعمة، أما الخلاف فهو نقمة".  يجب دائماً أن نستفيد من اختلاف العقول عند الناس، سواء في الإهتمامات أو الإختصاصات أو الأولويات، ونجعل من كل ذلك تنافساً مشروعاً في خدمة مستقبل الوطن وبنائه واستقراره وازدهاره.

والفكر الوسطي هو الفكر المنفتح والفكر الجامع دائماً بين كل المكونات، لأنه يقوم على مبادئ أساسية هي العيش المشترك وقبول الآخر والتواصل مع الجميع تحت سقف الوطن والحوار دائماً بالحسنى.

عند ذلك يكون التغيير نحو الأفضل ممكناً. فهل إلى خروجٍ من سبيل ؟

  نشرت في جريدة اللواء عددي 16 و17 تموز 2018