الأوقاف الإسلامية: نحو دور رائد في التنمية المستدامة 13 November 2018

الوقف في الإسلام هو "حبس الأصل وسبل الثمرة". أي إنه مبادرة من الواقف بعملٍ يخدم مصالح المسلمين، إبتغاء ثوابٍ من الله تعالى، عملاً بالحديث الشريف "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا ّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم.

لذلك كانت للوقف وظيفةٌ أساسية - حتى يكون صدقة جارية – وهي خدمة المقاصد العامة للشريعة الغراء.

ولكي يكون كذلك، فإن هذه الخدمة يجب أن ترتبط ارتباطاً مباشراً بالسياق الاجتماعي، والحضاري العام للمسلمين. لذلك كان لزاماً على المسلمين، تجديد نظام الوقف بما يتلاءم مع خدمة الأهداف، التي سعى لتحقيقها، ومراعاة مسيرة التطور الحضاري للأمة الإسلامية، وللمجتمع الذي يوقف فيه.

إن عدم تجديد نظام الوقف بما يتلاءم مع المتغيرات الإقتصادية في عصرنا الحاضر، قد أدّى إلى تراجع الوقوفات الحديثة، وإلى تراجع مداخيل الأوقاف السابقة، قياساً إلى التضخم الحاصل في الإقتصاد العالمي، عموماً، وفي دولنا الإسلامية خصوصاً، وفي لبنان على الوجه الأخص. وهذا بدوره إنعكس بشكل واضح على وضع المسلمين عموماً، وعلى دورهم ومستوى أوضاعهم المعيشية. وأدّى إلى تراجع الوقوفات الحديثة.

وهنا يبرز السؤال الأساس: هل يجدر بنا أن نطبق شرط الواقف بحرفيته، أم أن نلبي مقاصد الشريعة في شرط الواقف ؟ مما لا شك فيه أن قوة وفعالية مقاصد الشريعة في شرط الواقف تتغير مع تغير الأزمنة والأمكنة. إن قوة الوقف وفاعليته ترتبط بنضج الوعي الإجتماعي لمقاصد الشريعة. وازدهارُه مؤشرٌ على مراعاة تلك المقاصد وما تتضمنه من مصالح المسلمين. وإذا كان البعض يعتبر شرط الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة والعمل به، فإن البعض الآخر يعتبره كنص الشارع في الفهم والدلالة دون العمل بحرفيته، إذا كان يتناقض مع المقاصد المرجوة من الوقف، وخصوصاً مع مرور الزمن، ومع تغير المعطيات التي أوجبت النص المذكور.

الضرورات الخمس

لا شك في أن أهمّ مصالح المسلمين تتلخص في خدمة الوقف للضرورات الخمس وهي مرتّبة حسب الأهمية:

حفظ الدين – حفظ النفس – حفظ العقل – حفظ النسل – حفظ المال.

1.     حفظ الدين: ويشمل بناء المساجد، وخدمتها وصيانتها، وتدريس العلم الشرعي، والتعليم الديني، ونشر الدين، والدعوة إلى الله، والإنفاق على موظفي الأوقاف، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، ومساعدة المعوزين بتأدية الفرائض ومنها فريضة الحج، وما إلى ذلك.

2.     حفظ النفس: ومنها إطعام الفقير، ومقاومة الأمراض المعدية، ومعالجة المرضى المعوزين وإقامة التكايا والملاجئ لمن لا مأوى لهم. ويجمع الباحثون على أن حفظ النفس ظلّ من جهة علاجها من الأمراض والأوبئة مسؤولية الأوقاف طوال التاريخ الإسلامي حتى مشارف العصر الحديث. كما يدخل في ذلك إزالة الأذى من الطريق حتى لا يتعثر به المسنون والمكفوفون.

3.     حفظ النسل: والمراد به حفظ النوع الإنساني بالتناسل من خلال الإنفاق على الراغبين في الزواج من غير القادرين، وبناء الأسر، ومعالجة عسر الإرضاع، وأهمية وضوح نسب الفرع إلى الأصل، حتى لا تضيع الأنساب أو تختلط بغير وجه شرعي.

4.     حفظ العقل: العلم غذاء العقل، ولذلك كانت الأوقاف على التعليم في عصر الحضارة الإسلامية، تشكل مصدراً بالغ الأهمية في نشر العلم والإنفاق على طلبة العلم بما يسدّ حاجتهم وحاجة من يعلمهم. ليس هذا وحسب، بل كثيراً ما كان يفيض ذلك عن حاجاتهم المادية المباشرة ويساهم في دعم أبحاثهم واكتشافاتهم. وبفضل ذلك، انتشر العلم في ذلك العصر وتطورت الاكتشافات العلمية على أيدي علماء المسلمين تطوراً لم تشهد له مسيرة الحضارة الإنسانية مثيلاً على مر العصور والأزمنة. يكفي أن نشير إلى أن اكتشافات عالم الرياضيات الخوارزمي، تشكل أساساً في علم الكومبيوتر والإنترنت حتى يومنا هذا.

5.     حفظ المال: والهدف من ذلك هو حفظ أموال المسلمين من التلف، أو الخروج إلى أيدي غير المسلمين بدون عوض، وتجنب الربا في المعاملات، والإنفاق دون تبذير أو إسراف; وهذا ما يقودنا إلى إيجاد فرص الإستثمار وتنمية المال من خلال دورة إقتصادية سليمة تؤمن فرص العمل بشكل متواصل. وهذا ينطبق على الإستثمار في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، وغير ذلك، سواءً في مشاريع وقفية كاملة، أو من خلال تملّك أسهم معينة في بعض هذه المشاريع.

محاور التنمية المستدامة

وفي المقلب الآخر، أي في الحديث عن الإنماء، يجمع الباحثون على أن التنمية المستدامة تقوم على ثلاثة محاور أساسية وهي:

·        المحور قصير المدى، ويشمل المساعدات التي تقدم إلى طبقات الفقراء والمعوزين لسد حاجاتهم الآنية، سواء الغذائية أو الإستشفائية والدوائية، أو كسوتهم وزواج غير القادرين مادياً  وما إلى ذلك، وهذا ما يدخل في تبويبنا السابق تحت عنوان "حفظ النفس " و"حفظ النسل".

·        المحور المتوسط المدى، ويشمل إقامة المؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية والخدماتية على إختلاف أنواعها التي تؤمن فرص العمل لمختلف فئات الناس، وتساهم في تكامل الدورة الإقتصادية وهذا ما يدخل في تبويبنا السابق تحت عنوان "حفظ المال".

·        المحور طويل المدى، ويشمل التعليم، وما يحمل في طياته من اكتشافات علمية متواصلة ترتكز على الأبحاث العلمية في الجامعات، والقابلة للتطبيق والتي تشكل نفعاً مباشراً للمجتمع، ودفعاً متواصلاً لمسيرة الحضارة الإنسانية، والتي بدورها تسهم في إنشاء شركات ناشئة وما يتبع ذلك من إيجاد فرص عمل وتطور إقتصادي. ويكون بذلك إستجابة لدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرن من الزمان، "اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً". وهذا ما يدخل في تبويبنا السابق تحت عنوان "حفظ العقل".

أما الضرورة الباقية أي حفظ الدين، فهي، بداهة، الأصل في كل ذلك، لأنها ترعى زرع العقيدة في النفوس، وإقامة الشعائر الدينية، وتشجع على الخير وبذل الصدقات، وتدعو إلى إلتزام القيم الإنسانية، وتشجع على سلوك الصراط المستقيم.

يبقى أن نشير في هذا المضمار إلى أمرين إثنين هما: وقف المال ووقف الأسهم وهو ما تطرق إليه علماؤنا في العصر الحديث.

1.     وقف المال: يرى علماؤنا المعاصرون أن وقف المال يساهم في تحصين القطاع المالي بالإضافة إلى دوره التنموي المذكور سابقاً في حفظ الضرورات الخمس. يقول أحدهم: "إن قضية وقف الأموال شهدت خلافاً تاريخياً بين الفقهاء، إلا أنها حُسمت لصالح مشروعيتها، شرط أن تتحول الأموال الموقوفة إلى أعيان، أي أصول ومشاريع تدرّ عائدات يصرف الجزء الأكبر منها على الفقراء، ويوظّف الجزء المتبقي لتنمية هذه الأصول وصيانتها". وبفضل ذلك تخرج الأموال الموقوفة من دائرة الإنفاق غير المجدي إلى دائرة التشغيل والإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات والأصول. وبفضل ذلك أيضاً يُتاح لعموم الناس فرصة المساهمة في مشاريع وقفية "عملاقة" بشكلٍ أوسع مما هو متاح في الوقف العيني. كما أن وقف المال يساعد في توفير السيولة للقروض الحسنة لمن يريد أن يبدأ مشروعاً تجارياً خاصاً بدون فائدة. ومن ميزات وقف المال أيضاً "أنه يخفف من أعباء الدولة بخاصة في ظل التقلبات الإقتصادية المحلية والعالمية، ويوفر مصادر ذاتية لتمويل المشاريع الوقفية الخيرية".

2.     وقف الأسهم: يقول الشيخ الدكتور محمد نور العلي في بحث مستفيض نشرته مجلة البحث العلمي الإسلامي في عددها السادس والعشرين بتاريخ 29/11/2016: "إن الكثير منا يتمنى أن تكون له صدقة جارية أو وقف خيري يُنتفع به بعد موته، لكن إمكانيات الكثيرين المتواضعة تحول دون هذا العمل. وتيسيراً لهذا الأمر أمام الراغبين في الوقف الخيري أطلقت العديد من وزارات وهيئات الأوقاف، وبعض الجمعيات الخليجية فكرة الأسهم الوقفية، وبرز على ساحة العمل الخيري في العديد من البلدان الإسلامية، مصطلح الأسهم الوقفية.

والفكرة سهلة تتمثل في نقل القدرة على الوقف إلى عموم المسلمين عبر المساهمة في وقف خيري بشراء سهم أو عدة أسهم حسب القدرة، وحسب الفئات المحددة في مشروع معين يُنفَق رَيعُه على أوجه الخير المحددة وفقاً للسهم وحسب رغبة المساهم.

والأسهم الوقفية ليست أسهماً يتم تداولها في البورصات، ولكنها تحدد نصيب صاحبها في مشروع وقفي معين، كما لا يحق له سحب هذه الأسهم أو التدخل في طريقة استثمارها. ويقصد المساهم من شراء الأسهم الوقفية، الإشتراك في وقف الأسهم في مشروع وقفي معين" (لمن يريد التفاصيل حول وقف الأسهم يمكنه الرجوع إلى مجلة البحث العلمي الإسلامي في عددها المذكور).

ولا تقتصر خيرية الوقف على الجزاء الطيب في الآخرة، بل هو عمل يتكامل فيه الخير بين الدنيا والآخرة. وخصوصية الوقف تكمن في صفة الدوام والإستمرار في القطاع الذي هو موقوف له.

الأوقاف على التعليم

فالأوقاف على التعليم تساهم بشكل كبير جداً في توفير فرص التعليم لجميع فئات المجتمع بدون إستثناء، كما يضمن إستمرارية الإنفاق بشكل سليم. ففي العصر الأموي لم يعد الوقف على التعليم مقصوراً على الإنفاق على الفقراء والمساكين فقط، بل تعدّى ذلك إلى تخصيص بناء دور العلم، والإنفاق على طلاب العلم من هذه الأموال الوقفيّة، وقد أنشأ هشام بن عبد الملك ديواناً خاصاً، لتنظيم الأوقاف والعناية بها والإشراف عليها. وفي العصر العبّاسيّ توسع نظام الوقف في مجالات طلب العلم، ليشمل تأسيس المكتبات العامة والإنفاق عليها، إضافة إلى إنشاء المصحّات وعلاج المرضى بالمجان. وكذلك إنشاء دور السكن للفقراء والمساكين. وكثرت الأوقاف في الدولة الأيوبيّة في مصر، فأمر نور الدين زنكي (568 هــ) بإنشاء المدارس والخانقاهـات، وأكثرَ منها في كلّ بلد، وأقام بدمشق داراً للحديث ووقف عليها، وعلى المشتغلين فيها، الوقوفَ الكثيرة، وبنى أيضاً في كثير من بلاده مكاتب للأيتام...

كما انتشرت الأوقاف وتوسعت أفقياً وعمودياً في العصرين المملوكي والعثماني وساهمت بشكل فعال في تحصين المجتمعات الإسلامية وتنميتها.

ومع إطلالة القرن العشرين الميلادي، بدأ أفول كثير من الأوقاف الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى ضعف القوى السياسية، وتلاعب النظّار بالأوقاف، واستبداد بعض الحكومات بأوقاف المسلمين، وغلبة الدولة المستعمِرة على القسم الأكبر من العالم الإسلامي، والتأميم والمصادرة التي حصلت في بعض الدول.

في المقابل، اقتبس الغرب مبدأ الوقف  عند المسلمين، فاعتمده في العديد من المؤسّسات الخاصة والعامة، وأهمها المؤسسات التعليمية. فقد بلغت أوقاف جامعة هارفرد في أمريكا، ما قيمته 25,5 مليار دولار أمريكي، في نهاية العام 2005، حسب ما أوردته الجامعة في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، موزعة على 10,800 صندوق استثماري مستقلّ. وقد تم تأسيس هذه الصناديق عبر السنين، لتغطية النفقات العلمية المتنوعة، مثل تغطية بعض الأقساط الجامعية للطلاب المعوزين والمتفوقين، ومساندة الأبحاث العلمية، وتطوير المتاحف والمكتبات، وتجديد مناهج التعليم، ورفع الكفاءات، وتدريب الأساتذة والطلاب، وغير ذلك من النشاطات العلميّة المختلفة. وتشرف على هذه الصناديق "شركة هارفرد للإدارة" التابعة للجامعة. وتهدف عمليات استثمار الموجودات الوقفيّة إلى "ضمان استقرار الجامعة واستمرارها في الصفّ الأول بين المؤسسات التربوية والتعليمية" كما يذكر الموقع.

هذا وقد بلغت أوقاف 20 جامعة أميركية، هي الأولى في العالم من حيث قيمة أوقافها، في العام 2007 ما يناهز الــ 200 مليار دولار أمريكي، للدلالة على الأهمية البالغة التي توليها إدارات هذه الجامعات لعمليات الإستثمار في التعليم، وفي تنمية المهارات والقدرات وتنمية البحث العلمي، ولكي تبقى هذه الجامعات متقدمة على غيرها. ولا يتم لها ذلك إلا من خلال الموارد المالية المستمرة والمتنامية.

الأوقاف الإجتماعية

أما الأوقاف الإجتماعية التي تخصص للإنفاق على مساعدة الفقراء والمساكين والمرضى والمعوّقين والمحتاجين، وغالباً ما يكون ذلك من خلال مؤسسات إجتماعية تعنى بهم كدور الأيتام، ومراكز إطعام المعوزين، والجمعيات الأهلية، والمستوصفات الشعبية ودور العجزة، وصناديق الزكاة وغير ذلك. ولا شك في أن هذه المؤسسات تساهم بشكل مباشر، في إعادة توزيع الثروات بين مختلف شرائح المجتمع، وتؤمّن اللُحمة الإنسانية الضرورية فيما بينها. واستطاع الوقف بذلك معالجة هذه الحاجات المجتمعية بشكل فعال. ولا أدلّ على ذلك مما حصل في عهد الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، بعد مضي حوالي مئة عام على بدء الدعوة الإسلامية عندما كان يؤتى بمال الزكاة فيعطى منها الفقراء والمساكين حتى لا يبقى فقير أو مسكين محتاج، حتى إذا وجدوا أنه لم يبق في المسلمين فقراء، قالوا: جهزوا الجيش من مال الزكاة، حتى إذا وجدوه جاهزاً، وبقي من مال الزكاة، قالوا سدّوا ديون المسلمين، حتى إذا فعلوا وبقي الكثير، قالوا: سدّوا ديون غير المسلمين، فسدوا وبقي الكثير، فقالوا: زوّجوا الشباب بمال الزكاة، فزوّجوا وبقي الكثير، فقالوا: اشتروا بما تبقى حبوباً وانثروها على رؤوس الجبال لتأكل الطير من خير المسلمين...، ولا يزال هذا التقليد معمولاّ به ليومنا هذا في بلاد الأناضول.

وإذا كانت هذه الرواية تخص أموال الزكاة، فإنها أيضاً تنطبق على سياسة الوقف، لأن مصارف الوقف تلتقي مع مصارف الزكاة، بل وتفيض عنها أحياناً.

خاتمة

وهكذا يتبين لنا أهمية الوقف في سد حاجات المعوزين وفي المساهمة الفاعلة في التنمية المستدامة في مختلف قطاعاتها: الإقتصادية والإجتماعية والتربوية... ومختلف محاورها: القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى.

أخلص إلى القول إلى ضرورة تصويب مسار إستثمار الوقف الإسلامي بما يخدم حفظ الضرورات الخمس ويراعي شرط الواقف ويتماشى مع شروط نجاح هذا الإستثمار والظروف المحيطة: الزمانية والمكانية والبيئية وغيرها. كما يسهم تجديدُ وتطويرُ تصويبُ المسارِ هذا في تشجيع المسلمين للقيام بوقوفات جديدة تعيد للإقتصاد الإسلامي دوره الرائد الذي لعبه في العصور الغابرة وتعيد للمجتمع الإسلامي ألقه ودوره الأساس في مسيرة الحضارة الإنسانية.                                                                                                    

 نشرت في مجلة المكارم الصادرة عن جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية