خطاب القسم والأمل المنشود 30 May 2008

لم يترعرع في بيت سياسي، ولم يشارك في عراكات فئوية، ولم ينخرط في إصطفافات سياسية تارة، وطائفية مذهبية تارة أخرى، بل تربى في رحم المؤسسة العسكرية، مؤمناً بوطنه، ووحدة وطنه، يرى في الجميع إخوة وأبناء، يتألم لما أصاب الوطن من فرقة وعذاب، ويدعو إلى المحبة والوئام.

رأى في العاصفة الإقليمية منذ مطلع القرن الحالي نذير شؤم يقضّ مضاجع الوطن، وقرأ في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري زلزالاً كبيراً يهدد كيانه ويضعه في مهب رياح العاصفة، فنأى بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات التي بلغت أشدها بعد حادثة الإغتيال، وحمى المؤسسات من غوغائية المتظاهرين، وأعلم كبار المسؤولين اللبنانيين والإقليميين والدوليين بأنه على مسافة واحدة من الجميع، ولن يمتثل لأية أوامر تناقض حرية التعبير عند المواطن، ولن يسمح لأحد بالإعتداء على مؤسسات الدولة.

مارس الوسطية بين الموالاة والمعارضة قولاً وعملاً، رغم التغيير الذي طرأ على تموضعهما، فنجح في تحييد المؤسسة العسكرية عن الإصطفاف السياسي في كل المراحل.

وعندما دقت ساعة القرار قال للجميع في الداخل والخارج، بأنه يقبل الترشيح على أساس أنه مرشح التوافق ولا يرضى بأن يكون مرشح فريق دون آخر. وإستمر شد الحبال بين الأفرقاء حتى خرج الدخان الأبيض من فندق الشيراتون في الدوحة، بعد سجالات وإتصالات طويلة جرت داخل الفندق ومع مختلف عواصم العالم، فكان الإجماع على التوافق عليه رئيساً للجمهورية اللبنانية مكرساً سياسة اللاغالب واللا مغلوب التي حكمت لبنان في كل الأزمات، وكانت المخرج الوحيد في كل التسويات. وكان خطاب القسم تعبيراً لما آمن به بصمت ومارسه بمهارة وحسن أداء.

آمن بالعدالة ركناً أساسياً في وسطية الرئيس القائد فدعا إلى "إستقلال السلطة القضائية" وإلى تكريس "العدالة لتشكل ملاذاً لكل صاحب حق" إلى أي فريق أو طرف كان ينتمي، وأكد على "المساهمة في قيام المحكمة الدولية الخاصة بجريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وما تلاهما من إغتيالات" حتى لا يكون لبنان أرضاً مستباحة لتصفية الحسابات.

آمن بأن لا وسطية بين الإحتلال والمقاومة، ورأى بأن "نشوءها كان حاجة في ظل تفكك الدولة، وإستمرارها كان في إلتفاف الشعب حولها،وفي إحتضان الدولة كياناً وجيشاً لها"، ورأى في "بقاء مزارع شبعا تحت الإحتلال، ومواصلة العدو لتهديداته وخروقاته للسيادة ضرورة لوضع إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادئ للإستفادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الإستراتيجية". وأكد بأن "البندقية تكون فقط بإتجاه العدو".

آمن بأن على لبنان أن يحرص "دائماً على تقوية الأواصر التي تربطه بأشقائه العرب"، وشدد على "الأخوة في العلاقات بين لبنان وسوريا، ضمن الإحترام المتبادل لسيادة وحدود كل بلد".

إتفاق الدوحة وضع الإطارات الأولى للقطار على سكة الحل، فهل يستطيع الشعب اللبناني أن يضع باقي الإطارات على السكة لينطلق القطار؟ وإلا فإن العاصفة في المنطقة مستمرة وستجرف معها إمكانية الإنطلاق نحو الإستقرار المنشود. 

 نشرت في جريدة السفير 30 أيار 2008